Menu

«التزويج المبكر» في قطاع غزة: أين ينتهي المطاف؟

thumb

غزة-محمود بشير

تَكثُر حالات «التزويج المبكر» في قطاع غزة، إذ شكّلت الزيجات لمن هنّ دون 18 عاماً نسبة 37% من حالات الزواج في العام 2015، هنا سهام (اسم مستعار)، إحدى السيدات اللواتي عايشن تجربة الزواج المبكر، تروي لبوابة الهدف تجربتها وما آلت إليه ظروف حياتها رفقة معاناة اجتماعية وصحية ونفسية مستمرة.

عاشت سهام سني عمرها الأولى في أحد الأحياء الشعبية لمدينة القاهرة، واستمر التحاقها بالتعليم الأساسي حتى عمر 14 عاماً، قبل أن يختطفها شبح الزواج المبكر ويغير مجرى حياتها الطبيعي كلياً.

"في قانون العادات العربية القديمة، على المرأة المطلقة أن تتزوج ثانية في أقرب فرصة حتى تجد سنداً اجتماعياً ترتكز عليه" تتحدث سهام عن زواج أمها بعد انفصال والداها وانتقال عيشها رفقة أبيها وأختها الصغرى. "اضطر أبي إلى تزويجنا أنا وأختي حتى يوفر لنا الأمان الذي عجز عن إيجاده لنا، انشغاله بالحصول على رزق يؤمن لنا مأكلاً وملبساً لم يبقي لديه أية خيارات".

قام الأب بتزويج سهام بعد أن نبتت أولى ملامح البلوغ على جسدها، في الرابعة عشر من العمر.

"زوّجني أبي لشاب صغير، كان رفيقي في الفصل الدراسي، كنا لا نزال أطفالاً، بينما أرادونا أن نكون زوجين راشدين حاملين مسؤولية بحجم الزواج وأعبائه الكاملة، كطفلين، سعينا للبحث عن الأمان قبل أي شيء آخر".

وبعد أن رفض الشهر العقاري المصري معاملة  زواج سهام  لمخالفتها السن القانوني للزواج، كتبتْ يد المأذون الشرعي عقد زواجها دون مراعاة أهليتها للزواج.

"ألبسوني الكعب الطويل والملابس التي جعلتني أبدو فتاة ناضجة وقادرة شكلياً، على الأقل، على أداء مهمة الزوجة"، لم يُطلب رأيي في "زواجي"، إشارة القبول وحدها التي أبداها والدي كانت كافية لإنهاء الأمر على هذه الشاكلة.

"أخرجونا من المدرسة على اعتبار على أننا كبرنا وصرنا "أزواجاً"، ليس لنا حقٌ في اللعب ولا التعليم، فجأة، أصبحنا مسؤولين عن بيت!"

عمل زوجها في متجر أبيه، وبعد أشهرٍ معدودة بدأ سعي المحيطين به و"زوجته" بالسؤال عن الإنجاب، لماذا لم ننجب بعد؟ تقول سهام "كبرنا قليلاً أنا وزوجي، حَمَلتُ طفلي الأول بحلول الذكرى الأولى لزواجنا، لم أكن تلك المرأة الناضجة القادرة على تحمل أعباء الحمل والميلاد الجسدية والنفسية، لكنني أنجبت طفلي الأول، ويا لطف الله بي، بلا مضاعفات تنعكس على جسدي الذي ما زال ينمو".

مضى عام على ميلاد سهام الأول، الطفل بصحة جيدة، ينمو شيئاً فشيئاً.. "إلى أن وجدت بطني ينتفخ ثانية بطفل جديد!"

"اتسعت المسؤولية وتضاعفت، زوج.. بيت.. أبناء، تفانيت من أجل بيتي"، تمر الأيام وما زالت سهام تتجاهل مرارة ما حلّ بها رغم اكتشافها المضطرد لتعقيدات الوضع الاجتماعي الذي زجّتها به تلك الزيجة. إلى أن جاءت تلك الحادثة التي قلبت حياتها "فوقاني تحتاني".

أصاب سهام حادث منزلي أعاق جسدها طيلة خمس سنوات لاحقة.. "حُرق جسدي أثناء استخدامي لبابور الكاز المُستخدم حينها في طهي الطعام، وبعدها.. آثار الحروق على جسدي نفّرت زوجي مني، بعد أن أعاشني حياة مريرة في مرضي أجبرني بها على التخلي عن كل حقوقي مقابل الطلاق. تخلى عني، إضافة إلى أن أهل زوجي رفضوا تحمل الأعباء المالية لعلاجي من حادثة الحرق".

بعد طلاقها، بدأت سهام بإعادة حياتها لنفسها.. خلال ثلاث سنوات من العلاج عرفت أنها باتجاه حياة جديدة. "أحاول الدراسة مجدداً لكني أفشل ثانية. ومرة أخرى جددت محاولتي النظر لحياتي بشكل آخر، بعد سنوات طويلة باشرت الدراسة سراً حتى تجاوزت امتحان الثانوية العامة، كنت أتعرض لمحاربة شديدة في أسرتي، لا أعلم كيف نشأت تلك المحاربة، وعندها فقط امتلكت من القوة ما يكفي لأدافع عن نفسي وعن حقوقي في إكمال حياة يملؤها العلم والعمل".

أصبحت لي منزلة ومكانة اجتماعية تحميني بين الناس. تجاوزت حالتي النفسية، والضغوط المجتمعية كوني امرأة مطلقة يفرض المجتمع عليها حَجراً اجتماعياً ونفسياً بحسب العادات المحلية القائمة.

بعد خمس سنوات من المضي في سلك التعليم جنباً إلى جنب التعافي من آثار حادثة الحرق. تقدم زوجها مجدداً للزواج منها. "أقنعني أهلي بأن أذهب لرعاية أبنائي الذين عاشوا سنوات من الفراق، وأن أمضي في صفحة جديدة مع الرجل الذي تخلى عني وضيّق عليّ عيشي في أشد فترات حياتي صعوبة".

"أنجبنا طفلنا الثالث، ولكن زوجي لم يتغير".. بقيت المشكلات والخلافات تتكاثر، مرة أخرى وأخيرة.. انفصلت سهام عن زوجها، السبب الرئيسي وراء طلاقها الأخير كان دفاعاً عن ابنتها التي حاول الزواج ومن معه حرمانها من التعليم "خفت أن تتكرر تجربتي المريرة معها هي الأخرى، فضّلت الانسحاب بابنتي مرة أخرى من حياة الأسرة التي تأسست على قواعد غير سليمة" تقول سهام

كان الطلاق في هذه الحالة حلاً للمعضلة الممتدة لعشرات السنين، بعد الخلاص من ذاك الزواج، عادت سهام إلى قطاع غزة لتسكن رفقة أخيها الذي عاد ليعمل في مؤسسة السلطة الفلسطينية، ومن ثم استطاعت سهام إكمال تعليمها الجامعي في إحدى الجامعات في غزة، تخرجت من قسم الخدمة الاجتماعية. "أصبح عندي استيعاب أكبر لأمور الحياة المختلفة، أتحضر الآن لنيل درجة الماجستير في علم النفس".. وتحديداً، "أريد نشر الوعي ضد دوافع مجتمعي من زواج القاصرات، أريد معرفة الأسباب الكبرى التي تقف وراء انعدام المسؤولية تجاه حياة الأطفال ذكوراً وإناثاً"

هل تستطيع التغيير في مجتمعها؟ الإجابة لدى سهام، تخبرنا بها عبر مشوارها الطويل في توعية نساء مجتمعها ألا يرتضين لأنفسن ارتكاب الخطأ ذاته الذي حدث لها، وكانت آثاره تلاحقها طيلة ماضيها مثل لعنة تأبى الذوبان.