يُعدُّ شهر شباط/فبراير 2026 علامة فارقة في تطورات القضية الفلسطينية، حيث تداخلت الأحداث الميدانية والسياسية على أكثر من جبهة، دفعت بالواقع الفلسطيني نحو مستويات أعلى من التوتر، وكشفت عن مخاطر انفجار شامل غير بعيد إذا لم تتغير المعادلات الراهنة ، التي يحاول الاحتلال عبرها تأبيد الواقع الفلسطيني .
فكما هو معلوم أن السياسات العدوانية لقوات الاحتلال مستمرة ومتواصلة، في مسعى دائم ومتواصل ، لخلق أجواء مواتية لفرض الحل وفق الرؤية الصهيونية على الأرض الفلسطينية، بعد التحلل من كل الالتزامات الدولية والاتفاقات المعقودة مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي هذا المسعى سلكت حكومة الاحتلال مسارات متعددة لتحقيق تلك الأهداف، التي تحولت من سياسات مضمرة في السنوات الماضية ، إلى سياسات معلنة ومدعومة بقرارات حكومية .
أولاً | الضفة الغربية: اقتحامات يومية وتصعيد غير مسبوق
برزت الاقتحامات والاعتقالات اليومية التي شملت المئات من المعتقلين، والضغوط التي تمارس على قطاعات واسعة من سكان الضفة الغربية وخاصة في مناطق جيم وفق تصنيفات اتفاق أوسلو ، بهدف تهجيرهم واقامات مناطق استيطانية .
حيث اظهرت تقارير دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير، استمرار الاقتحامات اليومية لقوات الاحتلال الإسرائيلي في المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، فقد تمّ اقتحام بلدة العيزرية وحي الزعيم في محافظة القدس ، وحي حزما، إضافة إلى مناطق أخرى في مختلف انحاء الضفة ،خلال الأيام الماضية، أدت تلك العمليات إلى اعتقالات واسعة لسكان فلسطينيين من بينهم مواطنون في القدس والمناطق المحيطة بها.
هذه الاقتحامات لم تقتصر على ساعات الليل فقط كما درجت العادة ، بل امتدت إلى نهار رمضان في بعض المدن, ما يضاعف من حدة الاحتكاكات ويعمّق الأزمة الإنسانية والاجتماعية مع استمرار الإغلاق المفروض منذ أكتوبر 2023 على الضفة الغربية.
الاستيطان وعنف المستوطنين
شهدت الضفة الغربية تصاعدًا ملحوظًا في اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.
بحيث تحولت إلى اعتداءات يومية ، تحمل طابع منظم ومدرس، ففي قرية سوسيا بالقرب من الخليل، أقدم مستوطنون على إحراق خيام ومركبات، وهاجموا الأهالي، في وقت أعلنت فيه قوات الاحتلال على فتح تحقيقات شكلية رغم أن الحقائق تشير إلى تنسيق وأجواء حماية للمستوطنين.
ولم يعد يقتصر عنف المستوطنين على السرقات والحرق، بل شمل الاعتداء على الأراضي الزراعية، إطلاق المواشي في حقول الفلسطينيين، والاعتداءات الجسدية التي خلفت إصابات في صفوف المواطنين الفلسطينيين.
الحملة الاستيطانية وتهجير القرى
يتواجد اليوم نحو 770 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، بينهم حوالي 250 ألفًا في القدس الشرقية، وتستمر الاعتداءات اليومية لهذه الجماعات الاستيطانية عبر ممارسة العنف والهدف تهجير السكان الفلسطينيين من أراضيهم قسرًا.
تقارير منظمة حقوقية وثقت أنّ آلاف الفلسطينيين تعرضوا للتهجير القسري، والهجمات المستمرة منذ بدء الحرب على غزة عام 2023 كذلك أسفرت عن استشهاد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة وإصابة عشرات الآلاف واعتقال الآلاف.
النتيجة الميدانية: الضفة الغربية لم تعد اليوم فقط تحت الاحتلال العسكري، بل تتعرض لسياسات التغييب التدريجي والضم الفعلي من خلال الاستيطان والتضييق اليومي على الحياة الفلسطينية.
ثانيًا | قطاع غزة: القصف المستمر والحصار المتواصل
على الرغم من التفاهمات التي وفعت بوصفها “تهدئة” لوقف إطلاق النار، فقد شهد حي التفاح في غزة إطلاق نار إسرائيلي أسفر عن استشهاد وإصابات في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وهو مؤشر واضح على أن الهدوء النسبي هش ويعتمد على موازين القوى الميدانية والسياسية وليس على حل شامل.
فيما القصف الجوي والمدفعي المتكرر يُلقي بظلاله على سكان القطاع الذين ما زالوا يعيشون تحت حصار بري وبحري وجوي منذ سنوات، مع قيود صارمة على دخول الكهرباء والوقود والمواد الأساسية.
إلى جانب القصف، يعيش المواطنون في غزة أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة وفقدان الدخل، وغياب فرص العمل أمام الأجيال الشابة. يضاف اليه قرارات حكومة الاحتلال بمنع ٨٧ منظمة إنسانية دولية من العمل في غزة ، تأكيد على سياسة الضغط القصوى تجاه سكان غزة ، لدفعهم نحو خيارات أخرى أكثرها خطورة الدفع بالهجرة خارج الوطن .
بينما التفاعل بين القصف والحصار يزيد من إحساس الفلسطينيين بأن الهدوء المؤقت لا يعالج السبب الحقيقي للصراع، بل يخفي الصراع تحت طبقة من التوتر المستدام.
ثالثًا | الداخل الفلسطيني (48): احتجاجات ضد الجريمة والتمييز
شهدت مدن وبلدات فلسطينيي 48 احتجاجات شعبية واسعة خلال شباط 2026 ضد التفشي الكبير للجريمة المنظمة والعنف الاجتماعي دون محاسبة من قبل الأجهزة الرسمية الإسرائيلية، والتي يُنظر إليها كجزء من نظام مرتبط بالصراع السياسي العام.
وكانت مظاهرات في مناطق مثل سخنين وأم الفحم واللد، وغيرها، شارك فيها عشرات الآلاف، مطالبين بتحسين الأمن، وتحميل السلطات الإسرائيلية مسؤولية عدم توفير الحماية لمواطنيها الفلسطينيين بينما يتساهل الجهاز الرسمي تجاه العنف والجريمة
بعض المتظاهرين ربطوا بين العنف المجتمعي وتجاهل السلطات الإسرائيلية لمسألة أمن الفلسطينيين في الداخل وبين سياسات الاحتلال الأوسع في الضفة وغزة، بحيث تصبح معاناة المجتمع الفلسطيني مرتبطة بالمشهد العام للصراع.
رابعًا | السياسة الإسرائيلية: أزمات داخلية وطريق مسدود
داخل الساحة السياسية الإسرائيلية، تستمر الأزمة حول قانون التجنيد والموازنة العامة للدولة لعام 2026:
النقاشات الساخنة حول إعفاء اليهود المتدينين من الخدمة العسكرية أشعلت خلافات داخل الائتلاف الحاكم، مما أثر في قدرة الحكومة على الاستقرار السياسي.
الموازنة العامة واجهت تأخيرات وصعوبات في القراءة النهائية في الكنيست بسبب توقف التوافق حول قانون التجنيد، مما يفتح الباب لسيناريو انتخابات مبكرة في الداخل الإسرائيلي.
هذه الأزمة السياسية الداخلية لا تبقى داخل حدود دولة الاحتلال، بل تؤثر على سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنه من المتوقع أن تتحول إدارة الصراع بشكل أكثر تشددًا في حال عجز الحكومة عن الاستقرار السياسي الداخلي.
بعض التفاصيل حول هذه النقطة لا تزال تتطور، لكن هناك تحليلات واسعة في الصحافة الصهيونية وفي الأوساط السياسية تشير إلى ذلك.
فالجميع اليوم يربط الأزمات البنيوية داخل حكومة الاحتلال ، وانعكاسها السلبي
على حياة الفلسطينيين على كامل حدود الوطن.
خامساً | الأبعاد الإنسانية والاقتصادية
لا يمكن فصل الوضع الإنساني عن السياسات السياسية والميدانية. في الضفة الغربية وقطاع غزة، تزداد الضغوط الاقتصادية:
انكماش اقتصادي حاد في غزة بسبب الحصار وقيود النقل والتجارة، مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر.
وزارة التنمية الاجتماعية في فلسطين أبلغت عن توسعة برامج الدعم النقدي والإغاثي للأسر الأشد احتياجًا، وتقديم مساعدات اجتماعية للأطفال والشباب في عدة بلدات، في محاولة لتخفيف المعاناة المتفاقمة.
في الوقت الذي تشهد فيه مؤسسات الإغاثة الجهود الميدانية، تواجه الأسر الفلسطينية تضاؤل مواردها وقدراتها على الصمود اقتصاديًا، ما يزيد من معاناة الفئات الفقيرة واللاجئين.
سادساً | المواقف الدولية وردود الفعل
تفاعلت الساحة الدولية مع التوتر المتصاعد في الضفة الغربية:
عدد من وزراء خارجية دول عربية، وأوروبيين، أصدروا بيانًا مشتركًا في 24 شباط 2026، يعارضون قرارات إسرائيل بإعادة تصنيف أراضٍ فلسطينية على أنها “أراضٍ دولة”، وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، معتبرين ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتهديدًا لحل الدولتين.
الموقف الاسباني الصادر عن وزارة الخارجية ، اعتبر ان الاتحاد الأوروبي ، مازال يحابي دولة الاحتلال ، على حساب الشعب الفلسطيني ، في حين رأت الدبلوماسية الإسبانية ان لدى الاتحاد الأوروبي قدرة كبيرة على التأثير على حكومة الاحتلال .
في القدس ايضا وفي المسجد الأقصى تحديدا ، تفاقمت التوترات حول الوضع القائم للصلاة والسيطرة على الحرم القدسي، ما أثار مخاوف من زيادة الاحتكاكات الميدانية في المنطقة خاصة بعد دخول شهر رمضان المبارك ، باعتباره شهر عبادة جامع للفلسطينيين في رحابه .
سابعاً | تحليل سيناريوهات الانفجار الحتمي
مع تراكم الأحداث ، تبرز أكثر من سيناريو ممكن يشير إلى انفجار شامل إن لم تتغير المعادلات السياسية والميدانية:
السيناريو الأول
تصعيد ميداني واسع في الضفة وغزة
إذا استمر الاستيطان والعنف الاستعماري والمواجهات اليومية دون رادع حقيقي، فمن المحتمل أن تتحول المواجهات اليومية إلى اشتباكات واسعة تشمل مناطق عدة في الضفة، وربما تمتد إلى غزة في موجة ثالثة من التصعيد.
السيناريو الثاني توسع الاحتجاجات في الداخل الفلسطيني داخل الخط الأخضر ،فالاحتجاجات ضد الجريمة في الداخل يمكن أن تتحول إلى احتجاجات ذات طابع سياسي واضح تتصادم مباشرة مع السلطات الإسرائيلية، وخصوصًا إذا شعرت فئات واسعة من الفلسطينيين بعدم وجود أفق سياسي أو أمني .
السيناريو الثالث
توتر دولي متصاعد يقف عند حافة تصعيد إقليمي
المواقف الدولية المُدانة يمكن أن تكون بمثابة وقود إضافي للتوتر إذا استمرت الضغوطات دون إجراءات فعلية لوقف الاستيطان والعدوان الكامل، وهو ما قد يدفع أطرافًا إقليمية للانخراط بشكل أكثر فاعلية.
السيناريو الرابع
أزمة داخلية إسرائيلية تؤدي إلى اضطرابات سياسية
إذا تسببت أزمات قانون التجنيد والموازنة في سقوط الحكومة أو انتخابات مبكرة، فإن الفراغ السياسي في إسرائيل قد يُستغل من جهات فلسطينية لمواجهة جديدة ، فسقوط الحكومة الصهيونية الحالية يعد انتصار تكتيكي للفلسطينيين .
كل الاحتمالات تشير بقوة إلى أن الواقع الراهن، إذا استمر دون تغيير جوهري في السياسات، يمكن أن يقود إلى انفجار شامل في أكثر من محور ميداني وسياسي وداخلي خلال الأشهر المقبلة.
خاتمة
شباط 2026 يكشف أن القضية الفلسطينية لا تزال محورًا حيويًا للصراع في الشرق الأوسط، وأن السياسات الإسرائيلية المعتمدة حاليًا من الاستيطان إلى الحصار إلى إدارة الصراع ، تُؤجِّج التوتر وقد تؤدي إلى مرحلة انفجار شامل إذا لم تتبدّل المعادلات السياسية والعسكرية.
هذا الواقع يطرح أسئلة استراتيجية حول دور المؤسسات الدولية في حماية حقوق الفلسطينيين، وأهمية توحيد الجهود الوطنية الفلسطينية في مواجهة هذه التحديات والتي ماتزال حبيسة سياسات فئوية على حساب الحقوق الوطنية ،فحتى هذا الوقت لم تتداعى القوى الفلسطينية المختلفة للتواصل بينها ، في حين التحديات الكبرى تعرف بالقضية واهلها، في وقت تتقاطع فيه الضغوط السياسية الداخلية الصهيونية والخارجية الغربية لتحديد مستقبل القضية.

