غالبًا ما تُقرأ الشخصيات الثقافية الكبرى ضمن تصنيفات جاهزة: كاتب، صحفي، مناضل، أو رمز قومي. غير أنّ هذا المنطق التصنيفي - على الرغم من فائدته الإجرائية - يتحوّل في حالات بعينها إلى عائق معرفي؛ إذ يُخضع التجربة الغنية لمنظور اختزالي، ويستبدل تحليل المعنى بتثبيت العنوان. وتبدو تجربة غسّان كنفاني (1936–1972) من أكثر التجارب العربية التي تُقاوم هذا الاختزال؛ لأنّ كنفاني لم يكن مجرّد صاحب منجز في حقل محدّد، بل كان حالة مركّبة تداخل فيها الوجودي بالسياسي، والجمالي بالفعل، والفكرة بالحياة.
ينطلق هذا المقال من فرضية مركزية مفادها أنّ غسّان كنفاني لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه "أديبا فلسطينيًا" أو "مناضلا سياسيا فحسب، بل بوصفه معيارا قيميا لإعادة تعريف الشخصية العامّة في السياق العربي الحديث: أي نموذجا يتحقّق فيه تلازم التجربة الإنسانية، والوعي التاريخي، والانتماء العملي، والرافد الفني. ومن هنا، يصبح " الاستثناء" عند كنفاني ليس لقبا بل بنية أخلاقية وجمالية ومعرفية تتجاوز إمكانات التصنيف.
نقد التصنيف السطحي وإعادة الاعتبار للمعنى
يُنتج التصنيف السطحي في قراءة كنفاني أثرين سلبيين: الأوّل أنّه يختزل التجربة في صفة واحدة (كاتب/مناضل)، والثاني أنّه يختزل القيمة في "الشهرة" أو " الرمزية" بدل أن يُقيمها على معيار التحوّل في الوعي. فالقول إنّ كنفاني "أديب ملتزم" - مثلا - عبارة صحيحة لكنّها عامّة، ويمكن أن تنطبق على طيف واسع من الكتّاب العرب. أما السؤال الحقيقي فهو: ما الذي يجعل كنفاني يتجاوز نمط "الأديب الملتزم" نحو تأسيس شكل مختلف من الالتزام؟
الجواب يكمن في أنّ الالتزام عند كنفاني ليس "موقفا خارجيا" يُضاف إلى النص، بل هو نظام إنتاج للمعنى داخل بنية السرد ذاتها. لذلك، لا يمكن فصل الأدبي عن السياسي في أعماله دون تشويهها. وهذا ما يفسّر أنّ نصوصه لم تُقرأ بوصفها أدبا دعائيا، بل بوصفها أدبا معرفيا ينتج أسئلته عبر الفن لا عبر الشعارات.
التجربة الإنسانية بوصفها أصلا تأسيسيا للكتابة
يتأسّس منجز كنفاني على تجربة الاقتلاع الفلسطيني منذ الطفولة: الخروج القسري، المخيم، الترحال، وفقدان المكان بوصفه فقدا للزمن والهوية. غير أنّ كنفاني لا يستثمر هذه التجربة كخلفيّة عاطفية، بل يحوّلها إلى بنية سؤال: سؤال عن الإنسان حين يُجرّد من وطنه، وحين يصبح البقاء ذاته مشروطا بالمذلّة أو الصمت.
في رواية "رجال في الشمس" (1963)، يُجسّد كنفاني مأساة الفلسطيني لا بوصفه ضحيّة فحسب، بل بوصفه كائنا محاصرا بين وهم النجاة وواقع الإبادة البطيئة. وتنتهي الرواية بالسؤال الشهير: "لماذا لم يدقّوا جدران الخزّان؟" وهو سؤال يتجاوز الحبكة إلى مساءلة بنية الصمت ذاتها: صمت الضحية، صمت العالم، و"صمت الوسيط" الذي يقدّم النجاة مقابل التخلّي عن الكرامة. وقد رأى عدد من النقاد أنّ هذا السؤال يشكّل أحد أهم مفاصل الأدب الفلسطيني الحديث، لأنّه يحوّل السرد إلى إدانة رمزية لمنطق الموت الصامت.
بهذا المعنى، تصبح التجربة الإنسانية عند كنفاني معيارًا لا للتعاطف، بل لإنتاج معرفة تاريخية: معرفة تقول إنّ المأساة ليست في الموت وحده، بل في أن يُعاد إنتاج الموت داخل شروط الحياة اليوميّة.
من الوعي إلى الفعل: الانتماء بوصفه تطبيقا لا إعلانا
الميزة الثانية التي تمنح كنفاني صفة الاستثناء هي أنّ الانتماء لديه ليس " هوية خطابية"، بل ممارسة تتطابق فيها الكلمة مع الفعل. كنفاني لم يكتب عن فلسطين من مسافة، ولم يقدّم نفسه بوصفه مثقّفا يعلّق على الأحداث، بل بوصفه جزءا من صيرورة تاريخية يكتب داخلها ومن أجلها.
يتجلّى هذا المعنى بوضوح في "عائد إلى حيفا" (1969) التي لا تقدّم العودة بوصفها استعادة رومانسية للمكان، بل بوصفها صدمة أخلاقيّة: إذ يواجه الزوجان الفلسطينيان فكرة أن ابنهما الذي ضاع في النكبة قد أصبح جزءا من سردية الآخر. هنا يضع كنفاني القارئ أمام سؤال بالغ القسوة: هل الوطن هو البيت؟ أم الذاكرة؟ أم الحق التاريخي؟ أم القدرة على استعادة المعنى؟
إنّ الرواية لا تكتفي بإدانة الاحتلال، بل تُربك البنية العاطفية نفسها، وتُجبر القارئ على الانتقال من "المظلومية" إلى "المسؤولية".
ومن هنا يمكن القول إنّ كنفاني يمارس ما يمكن تسميته "الأدب بوصفه اختبارا للوعي" : فالنص عنده ليس خطابا يطمئن القارئ، بل أداة صادمة تُعيد تشكيل إدراكه للقضية.
الرافد الفني: الجمال بوصفه إنتاجا للثورة لا زينة لها
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ كنفاني يكتب أدبا "سياسيا" بالمعنى المباشر. غير أنّ قراءة بنية أعماله تكشف أنّه ينجح في تحويل السياسي إلى جمالي، دون أن يفقد النص صلابته. فالجمال عنده ليس زخرفة لغويّة، بل هندسة دلالية تخلق معنى الثورة من داخل اللغة.
في "أم سعد" (1969) تتجسّد هذه الفكرة بوضوح. الشخصية الشعبية ليست مجرّد "رمز"؛ إنّها إعادة تعريف لمعنى البطولة خارج النخبوية. إنّ أم سعد ليست مثقّفة ولا سياسية، لكنّها تحمل في جسدها اليومي معنى الصمود. وهنا يتجاوز كنفاني التمثيل النمطي للشعب بوصفه مادّة للشفقة أو البطولة السهلة، ليجعله حاملا للمعنى التاريخي.
كما أنّ كنفاني يشتغل على بنية الاستعارة الرمزية دون الوقوع في المباشرة:
الخزّان في "رجال في الشمس" ليس مكانا فقط بل نظاما.
الصحراء ليست جغرافيا بل عراء وجودي.
العودة في "عائد إلى حيفا" ليست حركة بل امتحان أخلاقي.
وهذا ما يجعل أعماله قابلة للقراءة في مستويات متعددة: سياسية، وجودية، وجمالية في آن.
ضدّ النخبوية: الزخم الحركي والاعتبار الشعبي
الاستثناء في تجربة كنفاني لا يقتصر على النصوص، بل يشمل موقعه الثقافي. فهو لم يكن "مثقّف صالونات"، ولم يكتف بتأثيث المنابر أو صناعة صورة الكاتب الثوري. بل كان حاضرا في صلب المعركة الرمزية، حيث تتحوّل الكلمة إلى جزء من الفعل التاريخي.
هنا تبرز أهمّية كنفاني في إعادة تعريف "المثقّف" في السياق العربي: المثقّف ليس من يملك اللّغة فحسب، بل من يجعل اللّغة ساحة مقاومة. وهذا ما يفسّر أنّ كنفاني كان أيضا ناقدا ثقافيّا، وكتب عن الأدب الصهيوني، وعن البنية الدعائية للثقافة الاستعمارية، محاولا تفكيك خطابها لا الاكتفاء بإدانته (كنفاني، في الأدب الصهيوني، 1967).
إنّ هذا الجانب التحليلي في منجزه يمنحه عمقا إضافيا: فهو لم يكتب فقط عن الذات الفلسطينية، بل كتب أيضا عن الآخر بوصفه بنية خطابية ينبغي تفكيكها.
"الفكرة لا تموت": الاستثناء بوصفه حياة مكتملة
حين يُقال إنّ غسّان كنفاني تجسيد لمقولة "الفكرة لا تموت"، فإنّ ذلك لا يُفهم بوصفه شعارا عاطفيّا، بل بوصفه نتيجة منطقية لبنية حياته نفسها: حياة تتطابق فيها التجربة مع الفكرة، والفكرة مع الفعل، والفعل مع الثمن.
لقد اغتيل كنفاني عام 1972، لكن أثره لم يتوقّف؛ بل تضاعف. وذلك لأنّ الاستثناء الحقيقي لا يُقاس بزمن صاحبه، بل بقدرته على البقاء في الوعي الجمعي بوصفه معيارا. فالكتابة التي تُنتج معنى لا تموت، لأنّها تتحوّل إلى جزء من الذاكرة الأخلاقية للجماعة.
ولعلّ ما يميّز كنفاني هنا أنّه لم يترك إرثا أدبيا فحسب، بل ترك نموذجا للإنسان حين يصبح المعنى حياة. ولهذا يصعب تكراره: لأنّ الاستثناء لا يُصنع بالتقنيات، ولا بالتسويق الرمزي، ولا بالانتماء الشكلي.
يُظهر تحليل تجربة غسّان كنفاني أنّه يتجاوز التصنيف بوصفه "أديبا" أو "مناضلا" إلى موقع أكثر تركيبا: موقع المعيار القيمي الذي يعيد تعريف الشخصية العامّة في الثقافة العربية الحديثة. فقد جمع كنفاني بين التجربة الإنسانية المؤسّسة، والوعي التاريخي، والانتماء العملي، والرافد الفني الذي يجعل اللغة جزءا من الفعل لا تابعا له، إضافة إلى الزخم الحركي الذي يرفض النخبوية ويؤسّس لمعنى الشعب بوصفه حاملا للحق.
إنّ كنفاني لا يُقرأ بوصفه اسما في تاريخ الأدب الفلسطيني فقط، بل بوصفه نموذجا معرفيا وأخلاقيا وجماليا يفرض على القارئ سؤالا دائما: كيف تتحوّل الفكرة إلى حياة؟ وكيف تصبح الكتابة مقاومة دون أن تفقد جماليتها؟
بهذا المعنى، يصبح الاستثناء عند كنفاني ليس حالة فردية معزولة، بل درسا في معنى أن يكون الإنسان "أكبر من التصنيف".
فالاستثناء لا يتكرّر.

