"أم سامر"، الجدة الفلسطينية المنحدرة من مدينة اللد، إحدى أقدم المدن الكنعانية في فلسطين، تجسّد في سيرتها تاريخ من الصمود والتراث الغني. ولدت في مدينة حلب السورية (عام 1963) لعائلة مُهجَّرة، لكن جذورها تعود إلى مدينة اللد التي احتلت عام 1948 وشهدت تهجيرًا جماعيًا للسكان، بما فيهم والدتها التي غادرت فلسطين بعمر السبع سنوات خلال النكبة. هي أم لثمانية أولاد وسبعة عشر حفيدًا، زوجها من حيفا، عاشت يوميات فلسطين وعشقتها من حكايات أجدادها وأهلها.
المرأة في الستينيات من عمرها، تعيش في منطقة وادي الزينة بمحافظة جبل لبنان – قضاء الشوف والتي تضم العديد من الأُسر الفلسطينية اللاجئة ومنها النازحة. تعابير وجهها تروي حنينها الدائم إلى سوريا البلد الذي ولدت وترعرعت به، وأيضًا تحضن عيناها الشوق إلى وطنها الأم الذي لم تراه يومًا.
وعن الذكريات والروابط التي تحملها من فلسطين، تقول "حدثنا أهلنا عن فلسطين بلادنا الجميلة جدًا والأرض الرائعة وخيراتها. أخبرتني أمي عن امتلاك أجدادي لأراضٍ شاسعة جميلة، وبتنا نتخايل منزل طفولتها المُطل على البحر".
أما بما يخص الأمل المتجدد بالعودة إلى أرض الأجداد، حدثتنا اللاجئة عن عشقها لفلسطين، "حتى لو أني مقيمة في بلد آخر يحترمني ويقدرني ولكن يبقى مسقط رأس الإنسان ووطنه الذي ينتمي إليه مختلفًا. إننا نأمل تحرير فلسطين والعودة إليها، لقد أنهكنا التهجير، وضاقت بنا السبل في المنفى، إذ لا نملك أي تسهيلات في الدول التي نعيش بها، ولا إمكانية للسفر". وتتابع سردها بالتأكيد على أن "فلسطين ستُحرر من قبل شعبها في الداخل، ونود لو نستطيع مساندتهم بالمقاومة المسلحة"، مستبعدة وجود أي أمل لإيجاد حل سياسي للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، "صار عمري 61 سنة، ولم أرَ حلًا بسيطًا حتى الآن، والدليل ما شهدناه في حرب الإبادة الجماعية على غزة التي اشتدت وتيرتها في العدوان الأخير على القطاع منذ عملية طوفان الأقصى".
ما بين اللجوء والنزوح..
في لبنان 12 مخيمًا رسميًا قائمًا. أما "داوود العلي" فهي منطقة نزح إليها العديد من العائلات الفلسطينية التي اضطرّت لترك المخيمات، مثل مخيم النبطية بعدما دُمر عام 1947، يليه مخيم صبرا وشاتيلا بعد وقوع المجزرة عام 1982، ومخيم تل الزعتر بعد أحداث المذبحة.
"أم سامر" انتقلت من سوريا إلى لبنان بطرق نظامية عام 2013، مما أثر نفسيًا عليها وعلى أولادها لحنينها لذكريات العائلة في البلد الذي احتضنهم منذ ولادتهم، حتى لو لم يكن وطنهم الأم. وكانت تُفضّل البقاء في سوريا، كونها سيدة كبيرة في السن، وتتكبد المشقة لتجديد مستندات الإقامة في لبنان.
وعن هذه المعاناة، أوضحت الجدّة لـ "بوابة الهدف" أن الخوف يُلازمها من انتهاء مدة الإقامة، أو فقدان الوثيقة. "لقد أرهقتني مشاوير تجديد الإقامة، لذا أُحبذ العودة إلى سوريا، فهناك نعتبر كسائر المواطنين، ولا نُجبر بالتوجه إلى أي جهة أمنية لتجديد الإقامة أو أوراق أخرى، كما لا نضطر لحمل الهوية. أخاف على أولادي عند انتهاء مدة الإقامة، وأجبرهم على البقاء في المنطقة وعدم التجول حتى تجديد الإقامة".
يختلف واقع اللاجئين من بلد إلى آخر، فمخيمات سوريا تختلف عن مخيمات لبنان، منها مخيم الهول، الركبان، مخيم حمص واليرموك. والمخيم عبارة عن حي من أحياء مدينة الشام، كما يحتوي على مصارف وماكنات الصراف الآلي وأسواق تجارية، بحسب المتحدثة.
وكان يتوفر للاجئ تسهيلات عديدة في سوريا، عكس لبنان، على سبيل المثال يستطيع الفلسطيني شراء مسكن أو عقار أو أرض وتسجيلها باسمه. كما أن التعليم مجاني، والمدارس الحكومية متوفرة للجميع وفي المناطق كافة، ويوجد في المخيم مدارس لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". والتعليم في المدارس الرسمية والخاصة موحد، إذ تعتمد كلاهما على نفس المناهج.
"أم سامر" لم تقصد لبنان للحصول على مساعدات، ولا سعيًا خلف امتيازات، بل اختارت النزوح إليه منذ 13 عامًا بهدف تحقيق حلم السفر إلى الخارج، بعد سماعها أن في لبنان تسهيلات بتأمين السفر، فالحصول على جنسية أجنبية يُساهم بتسهيل أمور الحياة لها ولأبنائها الذين تقدموا لعدة شركات، ومن ثم تتراجع عن توظيفهم بعد معرفة جنسيتهم. "ابن اختي حصل السنة الماضية على الجنسية الألمانية فسارع فورًا لزيارة أهله، وسابقًا كان يحتاج لتوجيه دعوة له من لبنان".
للاجئة الفلسطينية ابن وابنة في تركيا ، وهناك مخاوف من ترحيلهما، "فالكلام عن تضامن تركيا مع القضية الفلسطينية يبقى حبرًا على ورق"، تؤكد "أم سامر"..
وأيضًا لديها ابنة تقيم في السعودية، نزحت أثناء أحداث سوريا إلى لبنان، حيث عقدت قرانها على خطيبها عام 2013، ولكن لم يستطيعا تثبيت الزواج في سوريا منذ 5 سنوات، إذ يتطلب نحو 1500 دولار للتثبيت وحوالي 800 دولار لإصدار جواز السفر. وبالتالي، تحتاج تكلفة تثبيت الزواج نحو 10 آلاف دولار تقريبًا. واليوم لديها ثلاثة أولاد لا يملكون أوراقًا ثبوتية ولا جوازات سفر، فقط يحتفظون بشهادات الولادة من المستشفى كوثائق تعريف، لذا اضطرت إلى خيار تسجيلهم في مدارس خاصة بتعليم الطلاب السوريين عن بُعد (أونلاين). وبعد عدة محاولات ووساطات، تمكنت سابقًا من إصدار جوازات سفر لأولادها من السلطة، ولكن تعذر استلامها لأن جواز سفرها هي وزوجها منتهية الصلاحية. بدورها تعاني ابنتها في السعودية بسبب الإقامة أيضًا. وعند انتهاء الأزمة في سوريا لا يمكنها وعائلتها البقاء في المملكة.
التحديات التي تواجهها العائلة تعكس إشكالية أعمق في تعامل الدول مع قضايا اللاجئين، حيث تبقى الإجراءات البيروقراطية عائقًا أمام تنفيذ الوعود السياسية. وهذا جزء من معاناة الفلسطيني في بلاد الشتات.
أولاد "أم سامر" المتواجدون في تركيا لا يمكنهم السفر إلى لبنان، وبدورها لا يمكنها الذهاب لرؤيتهم، "نحن كفلسطينيين إذا سافرنا اليوم لا نستطيع العودة. وأود السفر لإقامة مراسيم العمرة لكن إذا غادرت لبنان سأمنع من العودة إليه، وفقط يمكن أخذ تصريح يسمح بالذهاب إلى سوريا مدة 24 إلى 48 ساعة".
وبما يتعلق بالصعوبات والتحدّيات التي قد تواجه اللاجئين الفلسطينيين، تعاني "أم سامر" من بعضها، مثل تجديد الإقامة كل ستة أشهر، وهذا برأيها مرهقًا، متمنية لو يتم تعديل المدّة لتجديدها كل سنة مثلًا، لاسيما أنها مقيمة في هذا البلد.
وتتخوف المرأة الفلسطينية من توقيف المساعدات المادية التي تقدمها منظمة "الأونروا" ، مما سيؤثر سلبًا على وضعها المعيشي وتأمين أجار السكن. "فأولادي المغتربون يرسلون لي حوالة مالية لمصاريف المنزل وأجرته، وأثناء العدوان الإسرائيلي أصبح أولادي المتواجدون في لبنان دون عمل واضطررنا لإلغاء اشتراك الكهرباء واستخدام الشموع".
أزمة الشباب النازح..
"زياد" هو اسم مستعار لشاب فلسطيني وُلِد قبل 25 عامًا في سوريا، ولم يعرف مسقط رأسه، مدينة طبريا المحتلة. يسكن في مدينة طرابلس، عاصمة شمال لبنان، بعدما نزحت عائلته من سوريا.
وعن مشاكل اللاجئين، ولا سيما واقع النازحين الخريجين وسوق العمل في لبنان، يستعرض خريج اختصاص "إدارة الأعمال/ التسويق" في اتصال خاص بـ "الهدف" الصعوبات التي تواجهه، مشيرًا "أن مشاكل اللاجئين في لبنان كثيرة، وأهمها تقليصات الأونروا بمختلف أشكالها. كما أن فرص العمل قليلة بشكل عام، ولأنني فلسطيني، تصبح احتمالية إيجاد وظيفة ضئيلة جدًا".
وأضاف: "أنا كفلسطيني سوري لا أملك إقامة في البلد، وهذا الأمر بالتأكيد يسبب لي صعوبات في العمل ومتابعة حياتي بشكل طبيعي كذلك"، موضحًا: "الصعوبة تكمن في العثور على شغل باختصاصي أو بأي عمل آخر؛ إذ لا أملك إقامة، مما يعني أنه لا يمكنني التنقل بسهولة. والسبب الآخر هو أن الشركات تفضل أن تستقطب موظفًا لبنانيًا".
ويتابع: "اضطررت للعمل في مجال غير اختصاصي ضمن مشاريع صغيرة لمدة شهر تقريبًا".
وفي مناسبة "يوم الأرض الفلسطيني"، وجّه الشاب العشريني التحية لكل فلسطيني صامد، و"لكل قلب نابض بحب فلسطين. النصر قادم مهما طال الزمن"، مؤكدًا أن "فلسطين هي الهوية والحق. والقضية الفلسطينية قضية عدالة وكرامة، وحق العودة حتمية تاريخية".
ومن جهتها، استعرضت الجدّة "أم سامر" معاناة الطلاب اللاجئين في التعليم، كأحفادها الذين لا يملكون هوية، شارحةً: "حفيدتي كانت العام الماضي طالبة في البكالوريا اللبنانية ولم تتمكن من الخضوع لامتحان الشهادة الرسمية، إذ لا تملكا هوية للإقامة، ولا جواز سفر، وهو مُكلف جدًا، وأحوالنا المادية باتت صعبة". كذلك ابنة أختها تخرجت من الجامعة دون الحصول على شهادة التخرج بسبب عدم حيازتها أوراق الإقامة، وقد نفذت مع عددٍ من الطلاب السوريين الخريجين الذين لا يملكون "إقامة" اعتصامًا أمام مقر السفارة السورية لمساعدتهم للحصول على شهاداتهم للتمكن من العودة إلى سوريا، ولكن دون جدوى.
الحنين إلى سوريا..
"أم مصطفى" و"أم سامر" لا تعرفان إحداهما الأخرى، ولكن معاناتهما واحدة، وأبرزها تجديد أوراق الإقامة. أوضحت "أم مصطفى" أن "تجديد الإقامة قد توقف منذ حزيران/ يونيو 2024، لأن "الأونروا" كانت معنية بتأمين تكاليف الإقامة، ولكن تم وقف التمويل الخاص بها".
هو الخوف ذاته الذي يختبره أولاد النازحتين؛ "الشباب يتجولون بحذر وخوف من الحواجز لعدم تمكنهم من تجديد الإقامة، لذا يضطرون للبقاء داخل المخيم". وقد بات حلم العودة إلى سوريا اليوم مستبعدًا عند العائلات الفلسطينية النازحة بعد الأحداث الأخيرة وتأزم الأوضاع اقتصاديًا وأمنيًا ومعيشيًا، "فلا مجال للعمل والعيش الكريم كالسابق".
"أم مصطفى" امرأة فلسطينية من مدينة شفا عمرو المحتلة منذ عام 1948، الواقعة في منطقة الجليل الغربي شمال فلسطين. وُلدت في سوريا (63 عامًا)، ونزحت مع عائلتها إلى مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 2013 خوفًا من الأحداث في سوريا، وتتمنى العودة إلى الشام للتخلص من لعنة معاناة اللاجئ الفلسطيني التي تلاحق النازح في لبنان، إلّا أن الأمور فيها تعقدّت بسبب الأحداث الأخيرة أيضّا.
للسيدة ستة أولاد؛ ابنة في سوريا، وثلاثة أبناء يقطنون في لبنان ما بين مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا، والبقاع، ومخيم نهر البارد شمال لبنان. تمكن أحد أبنائها من الهجرة إلى السويد، على عكس شقيقه فؤاد (مواليد 1981) الذي اعتُقل في مدينة القامشلي عام 2015، قبل أن يصل إلى تركيا التي كان يخطط للهجرة عبر حدودها إلى أوروبا، واحتجز في "فرع فلسطين"، وبعدها نُقل إلى سجن صيدنايا حيث توفي "أثر التعذيب" عام 2016، بحسب وثيقة الوفاة التي حصلت عليها شقيقته.
ورغم تأكيد وفاة فؤاد منذ سنوات، تأملت عائلته إيجاده على قيد الحياة بعد تحرير سجناء صيدنايا. وتتابع والدته: "رفضنا تصديق وفاة ابني، فقد كانوا يؤكدون وفاة الكثير من السجناء، ولكن يتضح لاحقًا أنهم على قيد الحياة".
أمل العودة المتجدّد..
تأمل "أم سامر" بالعودة إلى فلسطين لتعيش حياة كريمة، "أنا أعتز بهويتي الفلسطينية، ولكن الأمور باتت صعبة علينا منذ بداية الأزمة السورية، فالأمور لا تسير بسهولة، وغالبًا ما نسمع عن توقيف شبان في المطارات أثناء هجرتهم".
تعتبر المتحدثة عملية "طوفان الأقصى" قد غيّرت مفاهيم عدة، خاصة لأصغر أولادها التوأم (27 عامًا) الذين اضطرتهم ظروف المعيشة لترك دراستهم ومباشرة العمل بسبب تفاقم الوضع الاقتصادي، إذ "فضح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحشية الكيان الصهيوني إلى دول العالم وسط التعتيم الإعلامي المتعمد لمجازر العدو المتواصلة". وأشارت "نحن نتابع أخبار فلسطين يوميًا، ونعلم أن هناك أناس يسعون لتحريرها، وأيضًا نساند الشبان الفلسطينيين بتنفيذ عمليات الطعن أو الدهس جرّاء ما يعانون منه"، متسائلة كيف يحق للمستوطنين طرد الفلسطينيين من منازلهم والاستيلاء عليها، أو طعن مزارع بسكين ومصادرة الأراضي الفلسطينية!
ووصّفت "يوم الأرض الفلسطيني" في ذكراه الـ 50 باليوم المميز والضروري للأجيال الصاعدة كي يتعرفوا عبر إحياء فعالياته على وطنهم، وقراهم. فهو فرصة للتعبير عن الهوية والانتماء الوطني لفلسطين، عبر تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، وهذا ما علمنا إياه المرشدون وبدورنا نقوم بتوريثه لأولادنا لتعريف أحفادنا على وطنهم وحقوقهم من خلال الكتب وأحاديث الأهل والأجداد.
يُشار أن أحداث "يوم الأرض" تعود إلى عام 1976، عندما أقدمت السّلطات الإسرائيلية على مصادرة أراضي فلسطينية ذات الملكيّة الخاصّة أو المشاع في الجليل الأعلى والنقب الشمالي، بهدف بناء مستوطنات لليهود بالمنطقة في مشروع أطلقت عليه "تطوير الجليل". وقد باشرت بتنفيذه منذ سنة 1957 باسم "مشروع تهويد الجليل". حينذاك حدث إضراب عام وخرجت مسيرات من الجليل شمالًا إلى النقب جنوبًا، وتجمع الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني للتصدي لهذه الإجراءات غير القانونية، واندلعت مواجهات أسفرت عن سقوط ستة فلسطينيين وجرح واعتقال المئات.
وبجانب الحركة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948، يستذكر يوم الأرض معاناة اللاجئين الفلسطينيين في بلاد العالم. ويوجد في لبنان عدد كبير من الفلسطينيين الذين نزحوا من ديارهم خلال النكبة، والذين لا يحق لهم العودة إلى أراضيهم. ويعيشون في مخيمات للاجئين بحاجة إلى الدعم والمساعدة الدولية لاستمرار حياتهم اليومية، وبعضهم اضطر أيضًا إلى النزوح من بعض المخيمات إلى مناطق ومخيمات أخرى، كما هو حال "أم سامر"، وزياد و"أم مصطفى".
تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2018 أطلقت "مسيرات العودة وكسر الحصار" على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة مع الأراضي المحتلة. وباتت أهدافها تتعلق بالعودة إلى القرى والمدن التي هجر منها الفلسطينيون، وإنهاء حصار غزة الذي أدى إلى ظروف معيشية وحياتية واقتصادية صعبة.

