Menu

مركز عروبة ينشر ورقة تقدير موقف بعنوان: إغلاق الأقصى وتصاعد التهويد تحت غطاء الحرب الإقليمية

بوابة الهدف

أصدر مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي اليوم الثلاثاءـ ورقة تقدير موقف بعنوان: إغلاق الأقصى وتصاعد التهويد تحت غطاء الحرب الإقليمية.

وبحسب الورقة التي نشرها المركز، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تُواصل فرض إغلاقٍ كاملٍ على المسجد الأقصى في ظلّ التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب على إيران، متذرّعة بحالة الطوارئ الأمنية لتبرير منع المصلين من الوصول إلى الحرم القدس ي. وقد تحوّل هذا الإجراء من تدبيرٍ مؤقت إلى حالةٍ مستمرة، تُستخدم لإحكام السيطرة على المسجد، من خلال تقييد الدخول، وإغلاق أبوابه، ومنع الفلسطينيين من مختلف مناطق القدس والضفة الغربية من أداء شعائرهم، لا سيما خلال الفترات الدينية الحساسة، كشهر رمضان.

وأوضحت الورقة أن هذا الإغلاق يأتي في سياق أوسع من السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل الواقع القائم في القدس، حيث يترافق مع تشديد الحصار على البلدة القديمة، ومنع غير سكانها من دخولها، مقابل السماح للمستوطنين باقتحام المسجد الأقصى تحت حماية مشددة. ويعكس ذلك توظيف الأحداث الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب على إيران، كذريعة لفرض وقائع ميدانية جديدة، تعزز السيطرة الإسرائيلية على المسجد، وتُعمّق مساعي فرض "السيادة" عليه.

واشار المركز إلى  أن هذه الورقة، الصادرة عن برنامج الإنتاج المعرفي في مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، تسعى إلى تفكيك قرار الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى ضمن سياقه الأوسع، باعتباره يأتي في إطار سياسات تهويدية متواصلة تستهدف إعادة هندسة الواقع في مدينة القدس، وتعزيز مسار التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، في ظل توظيف السياق الإقليمي كغطاء لتسريع هذه التحولات.

إغلاقات المسجد الأقصى: من الإجراءات المؤقتة إلى سياسة إحكام السيطرة

منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، ارتبطت إغلاقات المسجد الأقصى بسياق سياسات أوسع هدفت إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الفلسطينيين والمسجد، والتحكم في أنماط الوصول إليه. وعلى امتداد العقود الماضية، استخدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الإغلاق الكامل أو الجزئي للمسجد الأقصى، إلى جانب تشديد القيود على دخوله، بوصفها أدوات "أمنية" مُعلنة، تحمل في مضمونها أبعادًا سياسية تتصل بإعادة تعريف السيطرة الفعلية على المكان.

الإغلاق كأداة تأسيس للسيطرة (1967–1990)

شكّل إغلاق المسجد الأقصى عقب احتلال القدس في حزيران/يونيو 1967 لحظة تأسيسية لهذا النمط من السياسات، حيث مُنعت الصلاة فيه لعدة أيام، في خطوة اقترنت بفرض السيطرة على بواباته، وإخضاع البلدة القديمة لإدارة الاحتلال. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الإغلاق خيارًا حاضرًا ضمن أدوات إدارة المسجد.

وفي عام 1990، تكرر استخدام الإغلاق في سياق محاولة جماعات استيطانية فرض وقائع جديدة داخل المسجد، عبر السعي لوضع حجر أساس لما يُسمّى "الهيكل الثالث"، وقد أدى ذلك إلى اندلاع مواجهات واسعة، سقط خلالها شهداء فلسطينيون، ما رسّخ ارتباط الإغلاق بمحاولات تغيير الوضع القائم داخل المسجد.

الإغلاق كأداة احتواء للانتفاضات (2000–2017)

مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، عقب اقتحام أريئيل شارون للمسجد الأقصى، اتخذ الإغلاق طابعًا أكثر شمولًا، حيث فُرض إغلاق كامل للمسجد، إلى جانب منظومة قيود تتعلق بالعمر والتصاريح، وارتبط سياق الإغلاق بسياسات احتواء جماعي هدفت إلى تقليص الحضور الفلسطيني داخل المسجد في لحظات التصعيد.

وفي عام 2017، أعادت سلطات الاحتلال توظيف الإغلاق في سياق أمني معلن، عقب عملية إطلاق نار، غير أن ما تلا ذلك من تركيب بوابات إلكترونية على مداخل المسجد كشف عن توجّه نحو إعادة هندسة أنماط الدخول إليه، ما أدى إلى تفجّر احتجاجات واسعة عُرفت بـ"هبة الأسباط"، انتهت بتراجع الاحتلال عن تلك الإجراءات، وكشفت عن قابلية الإغلاق لأن يكون مدخلًا لفرض ترتيبات جديدة.

من الإغلاق إلى إعادة الهندسة (2023–2025)

شهد عام 2023 تحوّلًا نوعيًا في سياسات الإغلاق، حيث اتجهت الإجراءات نحو إفراغ المسجد تدريجيًا من المصلين، عبر الإغلاقات المتكررة، واقتحام المصليات، وفرض قيود مشددة على الدخول، لا سيما خلال شهر رمضان، وقد بلغت هذه السياسات ذروتها في أبريل/نيسان 2023، مع اقتحام المسجد والاعتداء على المصلين، ما أدى إلى اندلاع مواجهات واسعة داخل باحاته.

ومع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت هذه السياسات مرحلة أكثر تشددًا، حيث جرى تقليص أعداد المصلين بشكل كبير، والسماح لفئات محددة فقط بالدخول، ووضع محددات للمنابر والخطاب ومنع الدعاء لغزة، في سياق سعي واضح لتقليص الحضور الفلسطيني في المسجد، وربطه باعتبارات أمنية متغيرة ومحاولة تحييد الدور الوطني والرمزي للمنبر وتأثيره.

وفي عام 2025، اتخذت هذه السياسات بعدًا إضافيًا، تمثّل في استهداف البنية الدينية داخل المسجد، من خلال ملاحقة الأئمة والخطباء، وإبعادهم، وفرض قيود على الخطاب الديني، خاصة فيما يتعلق بالدعاء لقطاع غزة، ما يشير إلى انتقال تدريجي من التحكم في المكان إلى التأثير في المضمون الديني والرمزي المرتبط به.

الإغلاق الشامل في سياق الحرب الإقليمية (2026)

يمثّل الإغلاق الكامل المستمر للمسجد الأقصى منذ شباط/فبراير 2026 ذروة هذا المسار، حيث جرى توظيف الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران كغطاء لتبرير إغلاق شامل، ترافق مع منع شبه كامل لوصول الفلسطينيين إلى المسجد، وتشديد غير مسبوق على الحواجز والإجراءات الأمنية في مدينة القدس.

ويتقاطع هذا الإغلاق مع محاولات أوسع لتعزيز السيطرة على المسجد، في ظل تزايد تحركات "جماعات الهيكل" التي تستغل المواسم الدينية، كعيد الفصح العبري، للدفع نحو اقتحامات أوسع، وطرح تصورات تتعلق بإدخال طقوس دينية يهودية داخل المسجد.

في المقابل، يعكس المشهد الميداني، حيث يؤدي الفلسطينيون صلاتهم عند الحواجز وأطراف البلدة القديمة، استمرار محاولات كسر هذا الإغلاق، والحفاظ على الارتباط المكاني والرمزي مع المسجد، في ظل القيود المشددة.

الإجراءات التهويدية في القدس والمسجد الأقصى: هندسة السيطرة متعددة المستويات

تتجاوز الإجراءات الإسرائيلية في مدينة القدس والمسجد الأقصى كونها سياسات متفرقة أو ردود فعل ظرفية، لتندرج ضمن استراتيجية مركّبة تهدف إلى إعادة هندسة المدينة دينيًا وجغرافيًا وديموغرافيًا، بما يفضي إلى تثبيت سيطرة فعلية شاملة على المسجد الأقصى، وإعادة تعريف موقعه ضمن المنظومة السيادية الإسرائيلية.

وتقوم هذه الاستراتيجية على تداخل عدة مستويات من التدخل، تعمل بشكل متزامن وتراكمي لإنتاج واقع جديد يصعب فصله عن بنيته السياسية والأمنية.

أولًا: تثبيت السيطرة الإدارية كمدخل لإعادة تشكيل المدينة

شكّلت الإجراءات التي أعقبت احتلال القدس عام 1967 نقطة الانطلاق في بناء هذا المسار، حيث جرى تفكيك البنية الإدارية العربية، ودمجها ضمن المنظومة الإسرائيلية، بما في ذلك حلّ مجلس البلدية العربي، وإعادة تنظيم الحيّز الحضري بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية للمدينة.

وقد أسّس هذا التحول لبيئة قانونية وإدارية تتيح إعادة توزيع السيطرة على الأرض والسكان، وتحويل القدس من مدينة ذات طابع عربي–إسلامي إلى مجال خاضع لإدارة إسرائيلية مركزية، تمهيدًا لتكريس سياسات لاحقة على المستويات الأخرى.

ثانيًا: إعادة تشكيل الجغرافيا كأداة لإنتاج واقع جديد

عملت سلطات الاحتلال على إعادة تشكيل معالم المدينة بصورة منهجية، من خلال إزالة أحياء عربية تاريخية، مثل حارة المغاربة، وتوسيع الطرق، وتغيير البنية الجغرافية للمدينة، إلى جانب تحويل مواقع إسلامية إلى مرافق ذات طابع عسكري أو أمني.

وتشير هذه السياسات إلى إدراك عميق لأهمية الجغرافيا في الصراع، حيث يجري توظيفها لإعادة رسم المجال المكاني، بما يعزز السيطرة ويحدّ من إمكانية استعادة الحضور الفلسطيني فيه، ويُعيد تعريف العلاقة بين السكان والمكان.

ثالثًا: الحفريات والأنفاق كأداة لإعادة تعريف الرواية التاريخية

يمثّل العمل المستمر على الحفريات والأنفاق تحت المسجد الأقصى أحد أكثر المسارات حساسية، حيث يجري ربطه بمحاولات إثبات سرديات دينية–تاريخية، من خلال الادعاء بوجود "الهيكل" أسفل المسجد.

وفي هذا السياق، تُشكل الحفريات محاولة لإعادة إنتاج رواية تاريخية بديلة، تُستخدم كمرتكز سياسي وديني لتبرير السيطرة على المكان، لتعويض غياب أدلة حاسمة تدعم هذه الادعاءات الذي يُشكل إضعاف للسردية الصهيونية.

رابعًا: إدارة التصعيد عبر الأحداث المفصلية

تُظهر الأحداث الكبرى المرتبطة بالمسجد الأقصى، مثل حريق عام 1969، ومجزرة عام 1990، وافتتاح الأنفاق في التسعينيات، نمطًا متكررًا من إدارة التصعيد، حيث تتحول هذه الأحداث إلى نقاط مفصلية تختبر ردود الأفعال الشعبية والرسمية في المنطقة، وتُستثمر لتعزيز الإجراءات الأمنية، وتوسيع نطاق السيطرة.

ويعكس ذلك توظيف الأزمات بوصفها فرصًا لإعادة ضبط الواقع القائم، وفرض ترتيبات جديدة تحت غطاء الاستجابة للأحداث.

خامسًا: فرض الطقوس كمدخل لإعادة تعريف الوظيفة الدينية

تشير محاولات إدخال طقوس دينية يهودية داخل المسجد الأقصى إلى انتقال في طبيعة السياسات، من السيطرة على المكان إلى إعادة تعريف وظيفته الدينية، ويظهر ذلك في الدعوات المتزايدة للصلاة داخل المسجد، ومحاولات أداء شعائر تلمودية في ساحاته، وطرح مشاريع لإقامة منشآت دينية في محيطه.

ويمثّل هذا المسار خطوة متقدمة في إعادة تشكيل هوية المسجد، عبر خلق واقع ديني مزدوج يُمهّد لتغيير الوضع القائم بصورة تدريجية.

سادسًا: إعادة هندسة الديموغرافيا كرافعة للسيطرة

تُشكّل السياسات الديموغرافية أحد الأعمدة المركزية في هذه الاستراتيجية، حيث يجري العمل على تقليص الوجود الفلسطيني في القدس، مقابل تعزيز الوجود الاستيطاني، من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وتنفيذ مشاريع كبرى مثل "القدس الكبرى" و"الحوض المقدس".

وتؤدي هذه السياسات إلى تغيير التوازن السكاني في المدينة، بما يدعم تثبيت السيطرة الإسرائيلية على المدى الطويل، ويُضعف القدرة الفلسطينية على التأثير في مستقبلها.

سابعًا: السيطرة على الأقصى فوق الأرض وتحتها

تتخذ السيطرة على المسجد الأقصى شكلًا مزدوجًا، يجمع بين الإجراءات المفروضة على سطحه، وتلك الجارية في باطنه. فعلى مستوى السطح، تُفرض قيود على الترميم والبناء، وتُراقب حركة المصلين، وتُقيّد أنماط الوصول إلى المسجد.

أما في باطن الأرض، فتتواصل أعمال الحفر وبناء المنشآت، في إطار شبكة متشعبة من الأنفاق التي تعيد تشكيل البيئة المحيطة بالمسجد، وتؤثر على بنيته المادية والرمزية.

تصعيد متزامن مع إغلاق الأقصى خلال "عيد الفصح": الطقوس كأداة لفرض واقع جديد

لا يمكن قراءة تصاعد دعوات ما تُعرف بـ"جماعات الهيكل" خلال فترة "عيد الفصح" العبري بمعزل عن الإغلاق المستمر للمسجد الأقصى، إذ يظهر هذا التزامن كجزء من نمط متكامل يُستخدم فيه الإغلاق لتهيئة المجال أمام إدخال طقوس دينية جديدة داخل المسجد، عبر خلق فراغ ميداني يُعاد ملؤه بحضور استيطاني ذي طابع ديني.

في هذا السياق، تتصاعد دعوات هذه الجماعات لتنفيذ اقتحامات واسعة خلال الفترة الممتدة من الثاني وحتى التاسع من نيسان/أبريل، مع تحريض علني على أداء طقوس دينية داخل باحات المسجد، بما في ذلك ذبح القرابين الحيوانية. وقد رافقت هذه الدعوات محاولات ميدانية لإدخال قرابين إلى البلدة القديمة في القدس المحتلة، تمهيدًا لتنفيذ هذه الطقوس، بالتوازي مع استمرار إغلاق المسجد الأقصى وفرض قيود مشددة على دخول الفلسطينيين إليه.

ويعكس هذا التوازي بين الإغلاق والتصعيد الطقوسي نمطًا عمليًا يقوم على تفريغ المسجد من المصلين الفلسطينيين، مقابل فتح المجال أمام تكثيف الحضور الاستيطاني داخله ومحيطه. وفي هذا الإطار، اقتحم مستوطنون مقبرة باب الرحمة الملاصقة للسور الشرقي للمسجد الأقصى، وأدّوا طقوسًا تلمودية داخلها تحت حماية قوات الاحتلال، في خطوة تتجاوز البعد الرمزي، وتشير إلى توسيع نطاق الفعل الطقوسي ليشمل الفضاءات المحيطة بالمسجد.

ويترافق ذلك مع حملات تحريضية تقودها جمعيات استيطانية متطرفة، تشمل نشر مقاطع مصورة تدعو إلى إغلاق المسجد، والترويج لروايات دينية تزعم أحقيتهم بالمكان، في سياق تعبوي يسعى إلى إضفاء شرعية دينية على هذه التحركات، وربطها بهدف أوسع يتمثل في فرض نمط من التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.

استغلال الأحداث الإقليمية لإعادة تشكيل الواقع في المسجد الأقصى

تتسارع وتيرة هذه الإجراءات في ظل اتساع رقعة التوتر الإقليمي والمواجهة مع إيران، حيث يجري توظيف هذا السياق كبيئة سياسية وأمنية تتيح دفع هذه السياسات إلى مستويات أكثر تقدمًا، دون كلفة سياسية مباشرة، إذ تتخذ إجراءات الإغلاق والتقييد طابعًا أكثر شمولًا، يتقاطع مع محاولات إعادة تشكيل الهوية الدينية والقانونية للمسجد الأقصى.

في السياق، يؤكد عضو هيئة العمل الوطني والأهلي في القدس، مازن الجعبري، في تصريح خاص لمركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، أن ما يشهده المسجد الأقصى في الآونة الأخيرة يمثل مرحلة متقدمة من مخطط استراتيجي تتبناه الحكومة الإسرائيلية، وتدفع به قوى اليمين المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير، بالتوازي مع تحالفات متنامية مع منظمات "الهيكل" الاستيطانية. وأوضح أن التطورات الجارية تعكس توجّهًا ممنهجًا لإعادة صياغة الواقع التاريخي والقانوني للمسجد، وفرض وقائع جديدة تستهدف هويته الإسلامية.

وأشار إلى أن حرب الإبادة على قطاع غزة، إلى جانب حالة التصعيد الإقليمي المرتبطة بالمواجهة مع إيران، وفّرتا غطاءً سياسيًا وأمنيًا غير مسبوق لتسريع تنفيذ هذه المخططات، في ظل انشغال الإقليم والعالم بتداعيات الحرب واحتمالات توسعها، ما أتاح هامشًا واسعًا لفرض إجراءات ميدانية في القدس دون رقابة أو ضغط دولي فاعل.

وأوضح أن هذه المرحلة شهدت خطوات استهدفت البنية البشرية والإدارية للمسجد الأقصى، حيث أصدرت سلطات الاحتلال أوامر إبعاد طالت أكثر من 500 شخص، بينهم عدد من أئمة المسجد وحراسه، في سياق تفريغ المسجد من رموزه الدينية والوظيفية، وإضعاف الجهة المشرفة عليه. كما ترافقت هذه الإجراءات مع تضييق على صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية، من خلال منع الاعتكاف، وحظر إدخال وجبات الإفطار للصائمين، وتعطيل مشاريع حيوية، بما يؤثر على قدرتها في إدارة شؤون المسجد.

ومع حلول شهر رمضان، فُرض إغلاق طويل للمسجد الأقصى بقرار عسكري، شمل منع صلوات الجمعة والتراويح والتهجد، مع تمديد هذا الإغلاق حتى منتصف نيسان/أبريل 2026 بذريعة "السلامة العامة"، في سياق يتصل بحالة الطوارئ المرتبطة بالحرب على غزة والتصعيد مع إيران، بما يتيح عزل المسجد الأقصى عن محيطه البشري.

ويأخذ هذا الإغلاق طابعًا ميدانيًا ممتدًا، حيث تُحاصر قوات الاحتلال أبواب المسجد، وتفرض قيودًا صارمة على دخول البلدة القديمة، بما يحوّلها إلى فضاء خاضع لسيطرة أمنية مشددة، تتقاطع فيه إجراءات العزل مع محاولات فرض واقع جديد داخل المسجد.

خاتمة

تكشف مجمل المعطيات عن انتقال واضح في طبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى، من إدارة الصراع على المكان إلى العمل المنهجي لإعادة تشكيله، ويتجلى هذا التحول في تداخل أدوات متعددة تشمل الإغلاق، وتقييد الوصول، وتصعيد الحضور الاستيطاني، ومحاولات إدخال طقوس دينية جديدة، بالتوازي مع استثمار السياقات الإقليمية لتوفير غطاء سياسي وأمني لهذه الإجراءات.

وفي هذا الإطار، أصبح الإغلاق أداة مركزية لإعادة تنظيم الحضور داخل المسجد، عبر تقليص الوجود الفلسطيني وتهيئة المجال أمام فرض أنماط جديدة من السيطرة، ويقترن ذلك بمحاولات متزايدة لإعادة تعريف الوظيفة الدينية للمسجد الأقصى، من خلال الدفع نحو واقع يتيح تعددية الطقوس، بما يمهّد لتغيير تدريجي في طبيعته وهويته.

ويشير التزامن بين الإغلاق المستمر، وتصاعد الدعوات الطقوسية خلال المناسبات الدينية اليهودية، واستثمار حالة الانشغال الإقليمي بالحروب والتوترات، إلى نمط متكامل من السياسات يهدف إلى فرض وقائع ميدانية جديدة يصعب التراجع عنها. ويُظهر هذا النمط اعتماد مقاربة تراكمية تقوم على تثبيت خطوات جزئية متتابعة، تتحول مع الوقت إلى بنية واقع جديد على الأرض.

وعلى هذا الأساس، تتجه هذه السياسات نحو تكريس مسار يقوم على إعادة توزيع السيطرة داخل المسجد الأقصى، تمهيدًا لتعزيز التقسيم الزماني والمكاني، وربطها لاحقًا بإعادة تعريف أوسع للسيادة على المكان. وفي ظل غياب ضغط دولي فاعل، واستمرار توظيف السياق الإقليمي كغطاء لهذه الإجراءات، تتسع قدرة سلطات الاحتلال على المضي في هذا المسار، بما يعزز احتمالات تثبيت هذه التحولات وتحويلها إلى واقع دائم.