في مقابلة مطولة مع بوابة "الهدف"، تناول الناشط اليساري الفرنسي توم مارتن أبعاد الجدل المتصاعد في فرنسا حول مشروع "قانون يادان"، الذي طُرح تحت عنوان مكافحة معاداة السامية، لكنه يثير انتقادات واسعة لكونه يستهدف، بحسب معارضيه، تقييد حرية التعبير وتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني.
وقدّم مارتن قراءة نقدية معمقة لمضامين المشروع، معتبراً أنه يسعى إلى طمس الفروق بين نقد الصهيونية كأيديولوجيا سياسية وبين معاداة السامية كجريمة كراهية، في سياق تصاعد محاولات التضييق على الحركات المناهضة للإمبريالية.
وأشار إلى أن المشروع يأتي في ظل تحّولات دولية وضغوط متزايدة مرتبطة بالحرب على غزة وتصاعد الحراك الشعبي المتضامن مع فلسطين، مؤكداً أن التراجع المؤقت عن القانون لا يعني نهاية المعركة، وإنما يُشّكل محطةً ضمن صراع أوسع على حرية التعبير وحدود العمل السياسي في فرنسا.
النص الكامل للمقابلة:
في وقت يشهد فيه المشهد الدولي تحوّلات جذرية في قراءة الصراع بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية في ظل حرب الإبادة الصهيونية ضد غزة وما يجري في الضفة ولبنان وفي المنطقة بأسرها تواصل باريس سياستها في تجريم حركة التضامن مع فلسطين. واليوم، يظهر ما يسمى بـ"قانون يادان" (الذي اقترحته النائبة كارولين يادان)، والذي تم اعتماده من قبل لجنة القوانين في يناير 2026، لإعادة رسم حدود المسموح والممنوع في الفضاء العام الفرنسي.
هذا المشروع لا يقتصر على كونه تشريعاً تقنياً لمكافحة معاداة السامية؛ بل هو، كما يصفه منتقدوه، "مقصلة" قانونية تسعى إلى محو الفوارق بين نقد الصهيونية كحركةٍ سياسية ومعاداة السامية كجريمة كراهية.
وفي خضم هذا المشهد المتفجر وتصاعد الرفض الشعبي في الشارع الفرنسي - كما يتجلى في عريضة وقعها أكثر من 700 ألف مواطن - تتكاثر التحذيرات من شخصياتٍ فكرية وقانونية. وفي مواجهة تعبئة كبيرة، تم سحب النص في النهاية، لكن الحكومة الفرنسية أعلنت نيتها تقديم مشروع جديد في يونيو المقبل.
يستضيف موقع "بوابة الهدف" الإخباري الناشط اليساري توم مارتان، الذي درس هذا القانون في مقال نشره في نهاية شهر يناير من هذا العام. ومن خلال رؤية نقدية معمقة، قام فيه بتفكيك جذور هذا النص، كاشفاً عن تحالف خفي بين «الماكرونية» واليمين المتطرف لحماية الكيان الصهيوني تحت غطاء مكافحة «الأشكال الجديدة من معاداة السامية».
*حول مسألة التاريخ واللغة*
1. الرفيق توم، لنبدأ بالمادة 4 من القانون. لقد حذّرت من قضية التحليلات التاريخية. كيف يمكن للقانون أن يسجن أكاديمياً لمجرد مقارنة سوسيولوجية بين ممارسات «الأبارتهايد» في "إسرائيل" والأنظمة الاستعمارية السابقة، بذريعة "التقليل من شأن الهولوكوست"؟
تنص المادة 4 من هذا المشروع، الذي تم تأجيله في نهاية المطاف، على اعتبار بعض المقارنات التاريخية شكلاً من أشكال إنكار الجرائم ضد الإنسانية. وبشكلٍ خاص، تشير إلى أن "مقارنة دولة إسرائيل بالنظام النازي تُعاقب باعتبارها تقليلاً فاضحاً من شأن الهولوكوست".
من جهتي، أرى أنه من الضروري مكافحة إنكار إبادة اليهود على يد النازيين؛ لكن هذا النص يقوم بخلط متعمد، فمن جهة يتجاهل الطابع الإبادي الموثق على نطاق واسع للسياسة الصهيونية في غزة، ومن جهةٍ أخرى يسعى إلى حظر التحليلات التي تبرز الطابع الفاشي للحركة الصهيونية. وهذا ما نجده، على سبيل المثال، في تحليل دانيال بلاتمان، الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس والمتخصص في الهولوكوست، الذي صرّح: "الفاشية موجودة بالفعل في إسرائيل". ومن خلال تجريم المقارنة، تحاول السلطات الفرنسية منع فهم الصهيونية كأيديولوجيا سياسية متجذرة في تاريخ التفوق العنصري والاستعمار الاستيطاني.
2. يستهدف القانون مصطلحات محددة مثل "من البحر إلى النهر". هل نحن أمام محاولة فرنسية لإعادة تعريف "القاموس السياسي» للمقاومة الفلسطينية وتصنيفه كفعل إجرامي بدلًا من كونه أفقًا للتحرر؟
كان هذا المشروع يسعى بوضوح إلى تجريم معاداة الصهيونية، وخاصة المواقف التي تروّج لتحرير فلسطين "من البحر إلى نهر الأردن". وهذا ليس ظاهرة جديدة؛ فمنذ عقود، يسعى اللوبي المؤيد "لإسرائيل والقوى الإمبريالية الغربية" إلى نزع الشرعية عن حركة التحرر الوطني الفلسطينية من خلال تصنيف منظماتها كـ"إرهابية" وخلط مشروعها السياسي بـ"معاداة السامية". وهذا هو الهدف تحديداً من هذا المشروع: محاولة عزل نضال الشعب الفلسطيني عن حركته الواسعة للتضامن الدولي.
إذا جاءت هذه الهجمة اليوم، فذلك لأن جيلاً جديداً من الناشطين قد برز، وهو جيل منخرط في النضال ضد الإبادة في فلسطين، وقد فهم ضرورة تفكيك المشروع الصهيوني من البحر إلى النهر. ليس فقط لأنه استعمار استيطاني غير شرعي في أرض فلسطين، بل لأن النضال ضد "إسرائيل" يعني في النهاية النضال ضد الإمبريالية وسياساتها الرجعية والمعادية للشعوب في جميع أنحاء العالم. وهذه الرؤية السياسية هي التي تفسر مركزية قضية تحرير فلسطين.
*الفخ الذي تنصبه IHRA*
3. توقفت مطولاً عند تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA). وبصفتك مراقباً للمشهد الفرنسي، لماذا أصرت كارولين يادان على تحويل هذا التعريف "غير الملزم" إلى قانون يعاقب بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها 75 ألف يورو؟ ألا يمثل ذلك "خصخصة" للقانون لصالح أجندة دولة أجنبية؟
منذ اعتماد تعريف IHRA لمعاداة السامية قبل عشر سنوات، والذي يتضمن 7 أمثلة من أصل 11 تتعلق "بإسرائيل"، يسعى أنصاره إلى إدخاله في التشريعات الغربية. وهذه السياسة تواجه اعتراضات واسعة، وقد مني اللوبي المؤيد "لإسرائيل" بعدة انتكاسات؛ ففي فرنسا مثلاً، رفضت بلدية ستراسبورغ اعتماد هذا التعريف، معتبرة أنه يقيد حرية التعبير.
لكن يجب أن نكون واضحين: القضية لا تتعلق فقط باتباع "أجندة دولة أجنبية"، بل أيضاً بتجريم الحركة المناهضة للإمبريالية التي تعارض دور "إسرائيل" كشريكٍ استراتيجي ونقطة ارتكاز لمصالح الغرب في العالم العربي. وفي النهاية، من خلال تجريم التضامن مع فلسطين، تدافع الدول الإمبريالية عن مصالحها الخاصة.
4. كيف تفسر صمت "النخبة الليبرالية" في فرنسا تجاه هذا القانون، رغم أنه يمنح جمعيات مكافحة العنصرية حق الادعاء المدني ضد أي منتقد "لإسرائيل"، مما يفتح الباب أمام «مكارثية» قضائية؟
البرجوازية الفرنسية منقسمة حول هذه المسألة. وبفضل التعبئة الشعبية، تم سحب المشروع بعد أن أعلن الحزب الاشتراكي وتيارات من يمين الوسط وحتى بعض أعضاء الأغلبية الحاكمة عدم دعمهم له. ولم يكن ذلك بالطبع دعماً لفلسطين، بل تعبيراً عن موقف "ديغولي" يرى أن استقرار المصالح الإمبريالية في غرب آسيا يمر عبر حل "سياسي". ويتمثل ذلك في الترويج لحل الدولتين مع سلطة فلسطينية متعاونة وأنظمة رجعية تابعة لها لضمان استمرار المشروع الصهيوني.
كما أن فرنسا قوة إمبريالية من الدرجة الثانية، وتحاول بناء طريق ثالث مستقل عن الولايات المتحدة و"إسرائيل" للحفاظ على نفوذها؛ ولذلك، ترى هذه القطاعات من البرجوازية أن تجريم التضامن أمر مفرط، وتدعو إلى مواقف "أكثر توازنًا" مقارنة بمواقف ترامب ونتنياهو وحلفائهما في فرنسا.
• *السلطوية الماكرونية و"الإسلامو-يسارية"*
5. وصفت هذا القانون بأنه تعبير عن "أزمة بنيوية للإمبريالية الفرنسية". هل تعتقد أن اختراع مصطلح «الإسلامو-يسارية» (كما فعل تاغييف) كان تمهيداً لتمرير «قانون يادان» بهدف عزل قوى اليسار الراديكالي عن قواعدها الشعبية المتضامنة مع فلسطين؟
منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الكتلة الاشتراكية، غيّرت الإمبريالية الغربية تدريجياً نموذجها؛ فبعد الترويج لـ"نهاية التاريخ"، تبنت في مطلع الألفية "صراع الحضارات"، الذي يقسم العالم بين "حضارة" و"همجية".
ويأتي مصطلح "الإسلامو-يسارية" ضمن هذا السياق؛ إذ مهّد الطريق لتجريم نضال مناهض للاستعمار يُقدَّم اليوم كـ"حرب دينية" أو "صراع حضاري ضد الإسلاميين". وهذه العملية تهدف إلى إسكات المعارضين السياسيين عبر شيطنة "أعداء داخليين وخارجيين" وتجريدهم من إنسانيتهم وطابعهم السياسي.
6. بالحديث عن ريما حسن وجان-لوك ميلانشون، هل تعتقد أن هذا القانون صُمم خصيصاً لعرقلة صعود حركة "فرنسا الأبية" عبر بوابة القضية الفلسطينية؟
أهداف هذا القانون واسعة وتستهدف جميع القوى التقدمية والثورية الداعمة لفلسطين. وفي الوقت نفسه، تتعرض "فرنسا الأبية" لحملة "كوربنة" تهدف إلى تحييدها، لأنها لا تزال واحدة من آخر القوى البرلمانية التي لم تخضع بالكامل للأجندة الرجعية.
ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن هذه الحركة تعاني من نواقص عديدة، خاصة في مواجهة الإمبريالية والصهيونية؛ فعلى سبيل المثال، لا تزال تدافع عن "حل الدولتين"، وهو ما أعتبره خطأً سياسياً.
*الاستباق القضائي والمستقبل*
7. طرح عالم الاجتماع إريك فاسين فرضية أن هذا القانون يُمثّل "رقابة استباقية" لتفادي تداعيات الأحكام الدولية (مثل محكمة العدل الدولية). هل توافق على أن فرنسا تحاول "تحصين" إسرائيل قانونياً داخلياً قبل إدانتها دولياً بجرائم إبادة جماعية؟
من الواضح أن الدولة الصهيونية تواجه تحديات متزايدة، سواء في فرنسا أو على الصعيد الدولي، وقد أصبح شعار "من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة" الشعار المركزي لجيل تَشكّل في خضم النضال ضد الإبادة.
وقد جاء هذا المشروع استجابةً لهذا الواقع: فهدف القوى الغربية هو ضمان استقرار المشروع الصهيوني، باعتباره حارساً لمصالحها في المنطقة. وفي الحقيقة، هذا يعكس ضعفها أكثر مما يعكس قوتها.
8. أخيراً، في مقالك دعوت إلى "معاداة صهيونية متماسكة". في ظل التصعيد الأمني واستخدام قوات النخبة لتفريق الاعتصامات الطلابية في السوربون، كيف يمكن لهذا الجيل الجديد من الناشطين أن يتنفس في ظل قانون يعتبر "التحريض غير المباشر" جريمة إرهابية؟
علينا أولاً التأكيد على أن تجريم معاداة الصهيونية لا يلغي شرعيتها. ومن المهم تكرار ذلك. كما أن المعركة لم تنتهِ بعد. ويجب اعتبار هذا التراجع الحكومي نقطة انطلاق لتوسيع وتعزيز الاحتجاج، خاصة مع إعلان نية تقديم مشروع جديد في يونيو 2026.
كما أود التذكير بأن مقاطعة "إسرائيل" تعرضت أيضاً لهجوم قضائي في أوائل العقد 2010، حيث جرت العديد من المحاكمات، وأُدين بعض الأشخاص وتمت تبرئة آخرين. وبعد عشر سنوات من النضال السياسي والقانوني، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فرنسا بسبب تقييدها لحرية التعبير، وأكدت قرارات قضائية أن المقاطعة أصبحت قانونية.
في رأيي، يُشّكل ذلك مصدر إلهام للنضال القادم؛ لكن لا شيء سيتحقق دون تنظيم جماعي وتضامن راسخ بين جميع مكونات هذا المعسكر.
توم مارتن هو مناضل مناهض للإمبريالية وللصهيونية، يقيم في مدينة تولوز بفرنسا. شغل منصب المتحدث باسم "رابطة فلسطين ستنتصر" (Collectif Palestine Vaincra) حتى قرار حلّها في فبراير 2025.
شارك مارتن في كتابة مقدمة كتاب "لا شيء أغلى من الحرية" للحكيم جورج حبش "الصادر عن دار نشر "أوائل صباحات نوفمبر" - Premiers Matins de Novembre. كما أنه عضو فاعل في مجموعة "Vacarme(s) Film" السينمائية التي أنتجت الفيلم الوثائقي الشهير "فدائي: معركة جورج عبد الله". يظهر توم مارتن بانتظام كمحلل ومتحدث في العديد من وسائل الإعلام الفرنسية والعربية، ولا سيما قناة الميادين اللبنانية ومنصة "Le Média" الفرنسية.

