Menu

سؤال الحياة؛ والكتابة في رواية "جسر عبدون"

بسّام عليّان

نشر في مجلة الهدف العدد (82) (1556)

في روايته؛ وفي صفحة العنوان (الغلاف)، كتب قاسم توفيق، وبخط كبير اسم روايته "جسر عبدون" وتحته بخط أصغر وبين علامتي تنصيص كتب "أكثر من رواية".

قاسم توفيق؛ هذا المصرفي المحنك استطاع أن يجذب القارئ من خلال عنوان كبير يحمل اسم حقيقي لجسر معلق في العاصمة الأردنية عمان؛ وهو جسر ما زال يثير كثيراً من الألغاز وكثيراً من الإشكالية الاجتماعية في الأردن؛ وبين المجتمع الأردني. واستطاع الكاتب أن يبحث في روايته عن قصة من خلال سؤال الحياة الفسيفسائية برؤية متشابكة تعكس حال التعقيد الذي تسرب إلى المشهد الذي نعيشه ونعانيه كل يوم. ربما كانت محاولة جادة للإحاطة بما يؤرقنا ويثقل كاهلنا في هذا الزمن المر وهذه الحياة المستعصية على الفهم والإدراك.

وقد جاءت الرواية في جزأين؛ وهي رواية طويلة نوعاً ما: الجزء الأول جاء بعنوان "أوطان صغيرة"، فيما الجزء الثاني جاء بعنوان "أوطان مهشمة"، ويأتي اختيار الكاتب هذه الصفة ليدلل على تشتت الشخصيات ومعاناتها وتفتت دواخلها. وجاء تحت كل جزء عناوين فرعية تعطي القارئ تلميحاً وأحيانًا تصريحًا بما يلي من سرد وأحداث. وكان السارد في جميع أجزاء الرواية مسيطرًا على العناوين الفرعية إذا جاز التعبير، بينما كان ضمير المتكلم من تولى عملية السرد في الرواية الداخلية وعلى لسان بطلها. وظلت شخصيات الرواية على مدار (352) صفحة تعاند أقدارها وتبحث عن طريق للخلاص ومخرج من المأزق الذي وجدت نفسها عالقة فيه. شخصيات متشظية تحاول لملمة أجزائها للوقوف في وجه مشاكل وإرهاصات الحياة. تمر بأزمات حادة تزلزل كيانها وتدفعها إلى تخوم بعيدة عن نقطة الاتزان النفسي والاجتماعي، تجذف ضد تيار ما لا يرحم، ولا ينظر في وجوه من يقعون فيه لأنهم مجرد أجسام تخضع لقوانين الفيزياء المجردة من المشاعر والأحاسيس.

وفي بدايات الرواية استطاع الكاتب أن يقدم شخصية نوح العكاوي ابن آدم العكاوي صاحب مطبعة العكاوي الذي ولد وعاش في عمان.

كما يقدم شخصية استثنائية تكشف عن الكثير من خلال رائف الساقي الشاب الذي اهتز من الداخل ولم يعد يحتمل الاكتئاب والسوداوية التي سيطرت على مشاعره والتي جسدها في كتابة روايته الوحيدة "الانحدار" التي ظن أنها ستعينه على تجاوز المرحلة، لكنه وقف على جسر عبدون في المشهد الختامي ونثر أوراقها فتطايرت في الهواء حتى حطت على الأرض وسط دهشة الجميع، وكأنه يلقي عبئًا ثقيلًا أتعبه لسنوات طويلة.

وجسر عبدون على أي حال هو معلم معماري بارز ينطوي على قدر من الجمال، ويشكل مدخلاً إلى حي عبدون الذي يعد من أفخم أحياء مدينة عمان للقادم من جهة الدوار الرابع، ومن هنا جاءت تسميته.

ولكن، ما الذي جعل الروائي قاسم توفيق يتخذ من هذا الجسر عنواناً لروايته؟ وما الأخبار والأفكار والمعاني التي أراد الكاتب توصيلها للقارئ عبر هذا الجسر؟!

ربما هناك لغز ما أو قصة داخلية عند الكاتب؛ تركها للقارئ إذا استطاع استنباطها من فحوى الرواية.

حفلت الرواية بالعديد من المشاهد المتداخلة، وإن كانت عمّان هي العامل المشترك بين هذه المشاهد فذلك لأنها شكلت نقطة البداية أو النهاية لكثير من الشخوص، سواء الذين غادروها وعادوا إليها، أو الذين راوحت حياتهم بين ظرف وآخر داخل هذه المدينة، إلا أن مشهدية الأحداث امتدت من «الدفة» (المدينة الخليجية المتخيلة) إلى الولايات المتحدة، مروراً ب مصر ولبنان وإيطاليا، إضافة إلى عمان، وكانت عمان بسيميائها وظروفها وأجوائها ومركباتها هي ما ترك معظم الأثر في نفسيات الناس وضمائرهم ومصائرهم.

رائف كاتب مغمور يدفع صاحب دار نشر مرموقة إلى قراءة مخطط الرواية التي كتبها، ويتجاوز بروتوكولات العمل في هذه الدار، وقد ترك صاحب الدار «نوح» هذه المهمة لمديرتها، إلا أنه يفاجأ بمضمون الرواية المقدمة ويعقد مقارنة بين بطل الرواية التي بين يديه ومشاهد من سيرته الذاتية تطوف بمخيلته وقد أنهى قراءة هذا العمل، فكان أن فاز الكاتب المغمور بلقب «صعلوك»، وعاد يحاول فك عزلة فرضها على نفسه لإنجاز هذا العمل، دون أن يحصل القارئ على أسباب تفسر هذه العزلة، فإلى أي شيء قادته محاولاته؟ يتناقض موقف الدار من هذا «الصعلوك»، وفي تفاصيل هذا التناقض يمر كاتب «جسر عبدون» بتفاصيل علاقات الكُتّاب بدور النشر وآمالهم وآلامهم، وما بين الجانب الثقافي والجانب التجاري لدور النشر تتحدد مصائر كثيرين من الطامحين لرؤية أسمائهم مطبوعة على كتاب على رف مكتبة أو حتى على واجهة كشك كتب على رصيف إحدى الطرق.

كما ضجت الرواية في كثير من المتناقضات والمصادفات والتساؤلات في محاكمة لسياق الأحداث، ليس بالضرورة للخروج بإدانة لشخص أو لجهة بعينها، بل هي ببساطة محاولة لفهم ما يجري من أحداث على امتداد جغرافيا العالم وإرهاصاته.

وفي إحدى صور الرواية يسرد قاسم توفيق على لسان صاحب دار النشر «نوح» المشاعر التي تدفقت عليه مع بدايات تشكل صحوته تجاه جماليات الحديقة في بيته: «يوشك أن يسقط على الأرض من دفق الأحاسيس التي تنهمر، أحلام حلوة وذكريات قديمة، طفولة ومراجيح وبيوت جيران، وبنات يتباهين ببروز صدورهن، وفلك التي خانته بموتها المفاجئ».

وتطرق الكاتب على نحو محدود إلى بعض سلوكيات سارة وصديقتها «أودري» أردنية الأصل أمريكية المولد، وبطريقة أقرب إلى العفوية، كأنه أراد التنبيه إلى المخاطر المحتملة لنشوء هذه الأنماط من السلوك في المجتمع بتأثير العولمة.

كما استطاع الكاتب ومن خلال الولوج في فصول الرواية؛ والأقل حدة نصل إلى أزمة سلافة (مديرة دار النشر)، المرأة المتواضعة الجمال وعقدة الأب الذي هجر العائلة وتزوج من أخرى؛ وترك ابنته في أول شبابها أن تشق حياتها بنفسها دون أن يقف إلى جانبها. سلاسل تثقل كاهل الشخصيات وتضيق عليها ولا تمنحها فرصة للعيش والانطلاق في الحياة كما هي في الحياة الشائعة عند بنات جيلها، خاصة عندما ترى الاختلال في كل شيء حولها.

نوح أصبح يدير مطبعة أبيه التي تحولت بعد حين إلى دار نشر محترمة. وسلافة- مديرة دار النشر التي يمتلكها نوح العكاوي- صارعت الظروف الصعبة التي حاصرتها من كل اتجاه، قاومت ووقفت على قدميها لتعلن انتصارها المدوي على الحياة بالجد والاجتهاد والصبر وقوة التحمل، بينما كانت شخصية أبيها سلبية ومنهزمة.

نستطيع أن نقول، إن الرواية رغم كل هذا التناقض وذلك الاضطراب؛ ظلت تحافظ على قدر كبير من الجمالية والأسلوبية واللغوية والفكرية والفلسفية التي شكلت صور عدة من حكايات الناس خلف طقوس عمّان المدينة. مما يضعك أمام تساؤل كبير للفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو: «كيف يستطيع نص ما أن يضع أمام أعيننا شيئا نصبح قادرين على رؤيته؟» فمثلاً في هذه الرواية تكتشف المدن وتطلع على أسرارها من خلال شخوصها، الذين يحمل كل واحد منهم حكايته الخاصة. كما أنك تستطيع الإلمام بملامح المدينة وحضورها من خلال النص؛ إذ تصطدم أثناء الاندماج في القراءة بمدينة «الدفة» المتخيلة، التي تعتقد لوهلة أنها موجودة فعلاً. فمثلما للواقع مدنه وتفاصيل حياتها، للروايات أيضاً مدنها، التي لا تقل أهمية من حيث حضورها الأدبي عن تلك التي نعرف، إذ تقول الرواية إن: «الدفّة المكتظّة بالأسواق التجاريَّة والبنوك والمطاعم ومحلات الملابس العالميَّة ومكاتب الطيران قطعة من الأرض لا تغيب عنها الشمس، فهي مُضاءة ومكتظّة بالبشر والحركة أربعاً وعشرين ساعة في اليوم».

ومن خلال هذه الفقرة يمكن أن نستشف أيضاً أن استحضار «الدفة» المدينة المتخيلة روائياً ليس فقط للحديث عنها كمدينة تعيش أعلى درجات التطور، بل إن فكرته تتجاوز ذلك، ليقول إن مجدها بُني بسواعد من يسكن أحياءها العشوائية، إذ لا يمكن الإيمان المطلق بفكرة الوطن الذي يتساوى فيه الجميع، بل إن الجزم بذلك ضرب من الجنون. وهذا ما يوضحه في هذه الفقرة التي يقول فيها إن «الضاحية التي تحتاج إلى الكثير من الخدم لتحافظ على جمالها وألقها، لا بدّ لها من وجود مُستوعَب يحتويهم، ومكان قريب يستريحون فيه، ويلتقطون أنفاسهم كي يظلوا قادرين على الخدمة من غير الطبيعي أن يُلقَى بهم في بركسات متنقلة في الصحراء».

يدرك الكاتب تماماً لماذا أراد الخوض في هذه المعادلة التي تبدو للبعض غريبة بعض الشيء، فهو لم يتناول فكرة المدينة من وجهة نظر عامة أي واحدة متطورة والأخرى فقيرة، بل نظر إلى الفرد القابع فيها، ذلك الفرد الذي يصارع آناء الليل وأطراف النهار من أجل تحصيل أبسط حاجياته اليومية، لكنه في المقابل ساهم في جعلها مدناً مشتهاة، فالفكرة التي تخطر على بالنا من أول وهلة حيالها أنها توفر كل وسائل الرفاهية، ولا أحد فيها يعاني، لكن في حقيقة الأمر أن الجهد الكبير الذي يصنع بهاءها وراءه عمال يأخذون مبالغ زهيدة لا توفر لبعضهم حياة كريمة. ولربما اختلق هذه المدينة ولم يأت على ذكر اسم مدينة حقيقية، كي لا ينصبَّ اهتمام القارئ المحمل بأفكار مسبقة على مدينة بعينها، بل أراد لفكرته أن تكون أكثر اتساعاً، ففي كل مكان هناك أشخاص هامشيون يحركون الأشياء بصمت، ويرحلون بالصمت ذاته.

وهنا؛ يحاول الكاتب أن يوُجد الأدب الذي يتجاوز الحكايات العادية ليطرح التساؤلات، لكن في المقابل حين أتى الكاتب على ذكر المدن الموجودة خارج الأدب، كان وفياً لما يمكن أن تخفيه تلك المدن، إذ يتحدث في الرواية عن عمّان العاصمة الأردنية؛ ومشاكل الفرد الأردني التي يشترك فيها مع الكثير بقوله: «كلّ ما في الأمر أنّ الجلسات التي كانت تجمعهم ليست عبثاً ولا ترفاً، وإن كانت طقوسها تحكي أنها كذلك، فقد كانت في حقيقتها مساحة الحرية الضيقة التي يترقبّونها كلّ أسبوع للراحة والتنفيس عن قهرهم من فوضى العيش الذي صار علامة بارزة في عمّان، المدينة التي لم تعد تبيت ليلة دون أن تحمل في داخلها أخبارًا وأحداثًا مؤلمة».

وكتأويل لرمزية العنوان التي تذهب إلى "جسر عبدون"، والذي يشهد كثير من حالات الانتحار، هو تعامل الإنسان مع ما يزعجه وكيفية تخلصه من كدر الحياة المزعجة، فالرواية تناولت شخصية رائف الذي تخلص من أوراق الرواية من أعلى الجسر، في حين اعتقد كل من رآه أنه يحاول الانتحار، هنا فكرة الجسر كوسيلة للخلاص.

لقاسم توفيق تصوره الخاص عن العزلة، فهو يرى أن «كلّ من اختاروا العزلة لم يكونوا وحيدين بل كانوا متّحدين مع النجوم والكواكب والحيوانات والطيور والحشرات والنباتات، حتى إنّ اعتزال الفلاسفة والمفكرين ليس حقيقة، فلا بدّ أنهم كانوا مع عشرات بل مئات الكتب

وهنا؛ أجاد الكاتب توصيف الواقع الذي لا يلحظه أغلبنا. وهذا ما نلمسه في الرواية التي يدعو فيها الكاتب إلى التحلي بالوعي الإنساني الذي يجعلنا نلمس الأعذار لغيرنا.

وفي سؤال الحياة في رواية "جسر عبدون"، تحاول أن تحتفي بكل ما في الحياة من جماليات وانتصارات ومتع وأفكار نبيلة، دون إغفال ما يسود الحياة من فساد وخيبات وانكسارات، وهي سردية بانورامية ممتعة، تحضر فيها سير شخصيات تخوض مغامراتها على مسرح واسع للأحداث بين مكانين "الدفة"، "عمان". وهي فعلاً أكثر من رواية في رواية واحدة. وهي رواية شاسعة تطرح أسئلة كثيرة وقضايا ملحّة تجبر القارئ على الالتفات لتأمّل ما يحدث، وربما يعيد القراءة في بعض المواضع، وربما يقفز عن اللغة في مواضع أخرى ليصل إلى الحدث، مبيناً أن المؤلف في هذه الرواية كان يبحث عن فسيفسائية برؤية متشابكة تعكس حال التّعقيد الذي تسرّب إلى المشهد الذي نعيشه ونعاينه ونعانيه؛ وهي رواية تكشف انعكاسات الآليات الاجتماعية الناجمة عن تطور العصر.

جدير بالذكر أن قاسم توفيق ولد عام 1954، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية عام 1978، وقد حصل على جائزة كتارا للرواية العربية (2018) عن روايته "نزف الطائر الصغير"، وأصدر مجموعة كبيرة من الروايات والمجموعات القصصية خلال الفترة الممتدة بين العامين 1987 و2021، كان آخرها حانة فوق التراب (2015)، و"ميرا" (2018)، و"نشيد الرجل الطيب."