Menu

خاص"بوابة الهدف".. "زلزال مايو" يضرب بريطانيا: صعود تاريخي لليمين المتطرف وغضب غزة يطيحان بحصون العمال ويُضعفان الثنائية الحزبية

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية

كشفت النتائج النهائية للانتخابات المحلية في بريطانيا عن واحدة من أقسى الضربات التي تلقاها حزب العمال في تاريخه الحديث، في ظل صعود لافت لحزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني، وتقدم ملحوظ لكل من حزب الخضر والليبراليين الديمقراطيين، في مشهد يعكس عمق التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.

ولعبت السياسة الخارجية البريطانية، على غير المعتاد في الانتخابات المحلية، دورًا مؤثرًا في تشكيل المزاج الانتخابي خلال انتخابات مايو/أيار 2026؛ إذ دخل موقف حكومة كير ستارمر من الحرب على غزة، إلى جانب التصعيد مع إيران، بقوة إلى دائرة اهتمام الناخبين، إلى جانب القضايا الاجتماعية والاقتصادية، ما حوّل الملف الخارجي إلى عامل سياسي ضاغط هزّ القواعد التقليدية لحزب العمال، وأسهم في إعادة رسم ملامح الخريطة الحزبية في بريطانيا بصورة غير مسبوقة.

وتشير النتائج والتحليلات الأولية إلى أن شرائح واسعة من الناخبين، خصوصًا في مدن مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام، استخدمت صناديق الاقتراع للتعبير عن غضبها السياسي، سواء تجاه سياسات الحكومة الخارجية، أو بسبب تراجع قدرتها على التعامل مع الأزمات الداخلية المتفاقمة، من التضخم وتدهور الخدمات العامة إلى أزمة الإسكان وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي مشهد يعكس تحولًا واضحًا في بنية الحياة السياسية البريطانية، بدت البلاد وكأنها تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها هيمنة الحزبين التقليديين؛ إذ تجاوز التنافس حدود العمال والمحافظين، وأصبح المشهد موزعًا بين خمس أو ست قوى سياسية متنافسة، لكل منها خطابها وقاعدتها الاجتماعية وجمهورها المختلف.

وأظهرت النتائج صعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة" بقيادة اليميني نايجل فاراج، مقابل خسائر كبيرة لحزب العمال الحاكم بقيادة رئيس الوزارء كير ستارمر.

كما أكدت النتائج تراجعًا تاريخيًا لحزب العمال في عدد من معاقله التقليدية، بعدما توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أكثر من خمسة آلاف عضو في المجالس المحلية في إنجلترا، إلى جانب أعضاء البرلمانين ذوي الحكم شبه الذاتي في أسكتلندا وويلز.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن حزب فاراج نجح في اختراق القاعدة الشعبية التقليدية لحزب العمال، ما يضع مستقبل قيادة ستارمر أمام اختبار سياسي صعب خلال المرحلة المقبلة.

حزب العمال: الخاسر الأكبر

تكبّد حزب العمال البريطاني خسائر وُصفت بـ"الكارثية"، بعدما فقد نحو 1446 مقعدًا محليًا، ليتراجع تمثيله إلى قرابة 1052 مقعدًا فقط، كما خسر السيطرة على عشرات المجالس البلدية، بينها معاقل تاريخية ضمن ما يُعرف بـ"الجدار الأحمر" شمال إنجلترا.

وأثارت النتائج موجة انتقادات داخل الحزب، ترافقت مع دعوات لرئيس الوزراء كير ستارمر لتقديم استقالته، أو الإعلان عن جدول زمني للتنحي عن السلطة.

ولم تقتصر الخسائر على الجانب العددي، بل امتدت إلى البعد المعنوي، إذ عكست النتائج اهتزازًا واضحًا في مستوى الثقة التقليدية بين الحزب والطبقة العاملة، التي شكّلت لعقود العمود الفقري لقاعدته الشعبية.

وأظهرت النتائج تقدمًا لافتًا لحزب "إصلاح المملكة المتحدة"، بقيادة فاراج، الذي حصد أكثر من 640 مقعدًا محليًا، مقابل تراجع كبير لحزب العمال في عدد من معاقله التقليدية.

وفي تحليل نشرته صحيفة "التايمز"، قال الكاتب باتريك ماغواير إن حزب العمال تلقى خسائر مؤلمة في مناطق تاريخية محسوبة عليه، بينها "تيمسايد" شمال شرقي إنجلترا، حيث انتزع حزب الإصلاح 14 مقعدًا، إضافة إلى "هالتون" بـ15  مقعدًا، و"ويغان" بـ21 مقعدًا، وصولًا إلى سيطرة كاملة في "هارتلبول" عبر الفوز بـ12 مقعدًا.

وأضاف ماغواير أن هذه المناطق لم تعد مجرد دوائر انتخابية عادية، بل شكّلت لعقود الركيزة الأساسية التي استند إليها نواب حزب العمال حتى في أصعب مراحله، معتبرًا أن اختراق حزب الإصلاح لهذه الحصون التقليدية هزّ شعور الثقة الذي تمتع به قادة الحزب لسنوات طويلة.

ويرى محللون أن هذه النتائج تعكس تحولات أعمق في الخريطة الانتخابية البريطانية، وتؤشر إلى تراجع نفوذ حزب العمال في مناطق واسعة من شمال إنجلترا، لصالح صعود التيارات اليمينية والشعبوية.

حزب الإصلاح Reform UK : الاكتساح اليميني

حقق حزب "إصلاح المملكة المتحدة" بقيادة نايجل فاراج، الذي لعب دورًا بارزًا في الدفع نحو استفتاء عام 2016 وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، صعودًا لافتًا في الانتخابات المحلية، بعدما حصد 1453 مقعدًا، بزيادة بلغت 1451 مقعدًا مقارنة بالدورة السابقة، ليبرز كأحد أسرع القوى السياسية نموًا في المشهد البريطاني.

واستطاع الحزب التوغل في معاقل عمالية تاريخية شمال إنجلترا، مستفيدًا من حالة الغضب الشعبي تجاه الحكومة، ومن خطاب سياسي يربط بين الهجرة والأزمة الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات العامة.

ورغم هذا التقدم الواسع، لم يتمكن الحزب من تحقيق جميع أهدافه الانتخابية؛ إذ نجح حزب المحافظين في الاحتفاظ بجميع مقاعد مجلس مقاطعة هارلو في إسيكس، والبالغ عددها 11 مقعدًا، كما أخفق حزب الإصلاح في السيطرة على مجلس بيكسلي في لندن، الذي كان يُعد أحد أبرز أهدافه.

وتشير تقارير بريطانية إلى أن فاراج استفاد من تصاعد الإحباط الشعبي تجاه النخب السياسية، عبر طرح مواقف مثيرة للجدل، من بينها التلويح بإعادة النظر في بعض الاتفاقيات التي أبرمها حزب العمال مع الاتحاد الأوروبي، والدعوة إلى تعزيز التقارب مع الولايات المتحدة في ملفات دولية، بينها التوتر مع إيران.

حزب الخضر: المستفيد من غضب غزة

حقق حزب الخضر قفزة لافتة بزيادة تجاوزت 400 مقعد، ليرفع رصيده إلى نحو 587 مقعدًا محليًا، مستفيدًا بشكل مباشر من غضب الشباب والناخبين المسلمين واليساريين تجاه موقف حكومة العمال من الحرب على غزة.

وبات الحزب يمثل، في العديد من المدن الكبرى، المظلة السياسية الجديدة للناخبين التقدميين الذين رأوا أن حزب العمال تخلى عن خطابه الأخلاقي التقليدي في السياسة الخارجية.

الليبراليون الديمقراطيون: التقدم الهادئ

وعزز الحزب الليبرالي الديمقراطي حضوره المحلي بإضافة ما بين 154 و155 مقعدًا، ليرفع رصيده إلى نحو 844 مقعدًا، مع نجاحات لافتة في الضواحي الثرية وجنوب إنجلترا وبعض مناطق لندن.

ورغم هذا التقدم، لا يزال الحزب يفتقر إلى حضور سياسي واسع أو قبول جماهيري قوي في مناطق عديدة من بريطانيا، خصوصًا بين فئات الشباب والطبقة العاملة.

المستقلون: احتجاج سياسي خارج الأحزاب

كما حقق المستقلون والجماعات المحلية اختراقات مهمة، خاصة في المناطق التي شهدت احتجاجات واسعة ضد الحرب على غزة، وفي الأحياء ذات الكثافة المسلمة في لندن وبرمنغهام، حيث برزت حملات انتخابية رفعت شعارات مناهضة لسياسات الحكومة الخارجية، وربطت بين العدالة الاجتماعية داخليًا والموقف الأخلاقي من القضية الفلسطينية.

وتُظهر البيانات الديموغرافية في لندن أهمية هذا التحول؛ إذ تبلغ نسبة المسلمين نحو 39.9% في "تاور هامليتس"، و34.8% في "نيوهام"، و31.3% في "ريدبريدج"، مقابل 18.8% في "إيلينغ"، و18.6% في "إنفيلد"، و15.9% في "هارو".

وقد تحولت هذه المناطق إلى ساحات اختبار حقيقية لتأثير الحرب على غزة في السلوك الانتخابي داخل الجاليات المسلمة والآسيوية في بريطانيا.

لماذا سقط ستارمر والعمال؟

"عقاب غزة" في قلب العاصمة:

في عدد من أحياء لندن، بدا التصويت وكأنه استفتاء مباشر على موقف الحكومة البريطانية من الحرب على غزة.

ففي منطقة "إيلينغ"، احتفظ حزب العمال بالسلطة المحلية، لكنه خسر عددًا مؤلمًا من المقاعد لصالح حزب الخضر والمستقلين، بينما واصل المستقلون والقوى المحلية المناصرة ل فلسطين توسيع نفوذهم في شرق لندن، لا سيما في "تاور هامليتس".

لكن التراجع لم يكن مرتبطًا بالسياسة الخارجية وحدها؛ إذ عبّر كثير من الناخبين، خصوصًا في "سوثهول" و"إيلينغ"، عن غضبهم من السياسات المحلية للمجلس البلدي، وعلى رأسها التوسع العمراني المكثف ومشاريع التطوير العقاري التي اعتبرها السكان تهديدًا لهوية الأحياء وسببًا مباشرًا في ارتفاع أسعار السكن والإيجارات.

كما أثار نظام "شوارع الأحياء منخفضة المرور"  (LTNs) حالة استياء واسعة، بعدما اعتبره كثير من السكان مشروعًا نخبويًا زاد من الازدحام المروري وأثّر سلبًا على الأنشطة التجارية المحلية وحركة السكان اليومية.

هذا التراكم بين الغضب المحلي والاستياء من الموقف البريطاني تجاه غزة خلق بيئة مثالية لتآكل جزء من القاعدة الانتخابية التقليدية لحزب العمال، خصوصًا داخل الجاليات الآسيوية والمسلمة.

وتشير التحليلات الانتخابية إلى أن شريحة واسعة من الناخبين المسلمين والشباب اعتبرت موقف ستارمر "متماهيًا" مع السياسات الإسرائيلية والأميركية، خاصة بعد تصريحاته الأخيرة التي قال فيها إن الشرطة يمكن أن تمنع تظاهرات مؤيدة لفلسطين إذا رأت احتمال رفع هتافات معادية للسامية خلالها.

ودفع ذلك أعدادًا متزايدة من هؤلاء الناخبين إلى التصويت للمستقلين أو لحزب الخضر، باعتباره الخيار الأقرب أخلاقيًا وسياسيًا إلى مواقفهم.

ولم يقتصر هذا التحول على الجانب الرمزي، بل ظهر بوضوح في نتائج الدوائر ذات الكثافة السكانية المسلمة المرتفعة، حيث تراجع أداء حزب العمال بصورة ملموسة مقارنة بالدورات السابقة.

تفكك "الجدار الأحمر" والملف الإيراني:

لم يكن تأثير السياسة الخارجية وحده كافيًا لتفسير هذا الانهيار؛ إذ ترافق مع شعور متزايد بأن حكومة العمال منشغلة بالتوترات الجيوسياسية، بما فيها التصعيد مع إيران، على حساب الأزمات المعيشية الداخلية.

ففي مدينة "ويغان"، خسر حزب العمال جميع المقاعد العشرين التي كان يدافع عنها تقريبًا لصالح حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، فيما تقلص نفوذه بصورة حادة في "سالفورد" ومناطق شمالية أخرى كانت تُعد حصونًا عمالية مغلقة لعقود.

ويرى مراقبون أن ستارمر أخفق في تحقيق التوازن بين تقديم نفسه بوصفه "رجل دولة" في السياسة الخارجية، وبين تلبية احتياجات الطبقات الشعبية التي كانت تنتظر حلولًا ملموسة لأزمات المعيشة والبطالة والخدمات العامة.

في المقابل، نجح حزب الإصلاح بقيادة فاراج في استغلال هذا الفراغ عبر خطاب يربط بين تراجع الخدمات العامة وابتعاد النخبة السياسية عن هموم البريطانيين، وهو خطاب وجد صدى واسعًا داخل الطبقات العاملة التي شعرت بأن حزب العمال لم يعد يمثلها.

زلزال وستمينستر وانهيار ويلز:

امتدت الخسائر إلى رموز النفوذ السياسي التقليدي لحزب العمال؛ إذ فقد الحزب السيطرة على عدد من المجالس المهمة، بينما تمكن المحافظون من استعادة نفوذهم في بعض المناطق، بينها مجلس "وستمينستر".

أما في ويلز، فقد تلقى حزب العمال هزيمة تاريخية، بعدما فقد هيمنته لأول مرة منذ أكثر من قرن، مع صعود حزب "بلايد كامري" وحزب الإصلاح بصورة لافتة، في تحول وصفته الصحافة البريطانية بأنه "نهاية العصر العمالي الويلزي".

ويعكس هذا التحول تراجع قدرة الحزب على الحفاظ على تحالفه التاريخي بين الطبقة العاملة والأقليات واليسار المدني، بعدما تآكلت الثقة بقيادته على المستويين المحلي والدولي.

الأزمات المعيشية وملف العقارات

إلى جانب تداعيات السياسة الخارجية، برزت الأزمات المعيشية الداخلية عاملًا حاسمًا في تراجع شعبية حزب العمال، وعلى رأسها أزمة الإسكان وارتفاع تكاليف المعيشة.

فقد واجهت حكومة ستارمر انتقادات متزايدة بسبب عجزها عن تقديم حلول ملموسة لأزمة السكن، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار الإيجارات وتراجع فرص التملك، خصوصًا في المدن الكبرى.

وفي مدن مثل لندن ومانشستر، عبّر كثير من السكان عن شعور متنامٍ بأن سياسات التخطيط العمراني والتوسع العقاري لم تعد تراعي احتياجات الطبقات المتوسطة والفقيرة، بل تميل نحو مشاريع استثمارية رفعت أسعار العقارات وعمّقت أزمة السكن.

كما ساهم بطء الاستجابة الحكومية لهذه الملفات في تعزيز الانطباع بأن أولويات الحكومة أصبحت بعيدة عن هموم الحياة اليومية، ما انعكس مباشرة على المزاج الانتخابي في دوائر كانت تُعد تقليديًا من أبرز معاقل حزب العمال.

يوسف قنديل لـ "بوابة الهدف": غزة والسياسات الخارجية أعادت تشكيل المزاج الانتخابي في بريطانيا

داخل هذا المناخ السياسي المشحون، برز اسم المرشح الفلسطيني-البريطاني يوسف قنديل، الذي خاض انتخابات المجلس المحلي في "غرينفورد برودواي" مرشحًا مستقلاً، بعدما جرى استبعاده سابقًا من الترشح عن حزب العمال، بسبب خلافات داخلية مرتبطة بمواقفه السياسية، خصوصًا تجاه القضية الفلسطينية، إضافة إلى مواقفه من بعض القضايا الاجتماعية والمحلية في بريطانيا.

قنديل، وهو مهندس مدني وعالم بيئة، ويقيم في منطقة "إيلينغ" منذ أكثر من 25 عامًا، قدّم في حملته الانتخابية خطابًا يجمع بين القضايا المحلية، مثل تحسين نظافة الشوارع وتعزيز الأمن وتطوير الخدمات العامة، وبين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، في محاولة لربط ما يجري في غزة بأزمة التمثيل السياسي داخل بريطانيا.

ويحتفظ قنديل بثلاثة مفاتيح حديدية قديمة، يقول إنها تعود لمنزل عائلته في قرية "الدوايمة" الفلسطينية، التي أُجبرت عائلته على مغادرتها خلال النكبة، ويعتبرها رمزًا لـ"حق لا يسقط بالتقادم". كما يصف أشجار الصبار بأنها تمثل ـ بحسب تعبيره ـ ذاكرة البيوت الفلسطينية المدمرة وحدودها الباقية في الوعي والذاكرة.

قنديل.jpg
 

ويقول قنديل: "أحمل مفاتيح بيتي المسلوب كرمز لمقاومة لا تنتهي، تماماً كما ترمز أشجار الصبار إلى حدود بيوتنا في فلسطين. كان ترشحي في هذه الانتخابات امتدادًا لرفض الظلم، سواء في وطني الأم أو في شوارع لندن التي أطالب بأن تكون أكثر نظافة وأمنًا وعدالة".

ويروي قنديل أن والده نجا من مجزرة "الدوايمة" عام 1948، لأنه كان خارج القرية يقطف الزيتون لحظة اقتحامها من قبل الكتيبة 89 "الإسرائيلية"، بينما قُتل عدد من أفراد عائلته خلال تلك الأحداث، بينهم شقيقته واثنتان من عماته، إضافة إلى جده الذي كان ضمن مجموعة من كبار السن الذين احتموا بالمسجد، قبل أن يتعرضوا للقتل.

وبحسب شهادات ووثائق تاريخية متداولة، أسفرت مجزرة الدوايمة عن مقتل مئات الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، وتُعد من أبرز وأشد الأحداث دموية خلال النكبة الفلسطينية.

ويقول قنديل إن هذه الذاكرة العائلية جعلت مواقف رئيس الوزراء كير ستارمر من الحرب على غزة "صادمة ومؤلمة" بالنسبة له ولشريحة واسعة من العرب والمسلمين في بريطانيا، مضيفًا أن تصريحات ستارمر خلال بداية الحرب فُهمت داخل هذه الجاليات على أنها تبرير للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.

بريطانيا.png
 

كما كشف قنديل أن محاولاته للترشح باسم حزب العمال واجهت عراقيل منذ عام 2020، حتى خلال فترة قيادة جيريمي كوربين، معتبراً أن الحزب "لم يعد قريباً من قضايا اليسار التقليدي أو الحقوق الفلسطينية".

ويرى قنديل أن الخسائر الكبيرة التي تعرض لها حزب العمال تعود إلى عاملين رئيسيين: أولًا، موقف رئيس الوزراء كير ستارمر من الحرب على غزة، والذي خلق ـ بحسب وصفه ـ "شرخًا عميقًا" بين الحزب والجاليات العربية والإسلامية والشباب المؤيد لفلسطين. وثانيًا، ما وصفه بـ "الارتهان للوبيات الداعمة لإسرائيل"، مشيرًا إلى أن تكرار ستارمر وصف نفسه بأنه "صهيوني" عمّق شعور قطاعات واسعة من المسلمين بأن الحزب لم يعد يمثل مواقفهم الأخلاقية والسياسية.

ورغم حصوله على 383 صوتًا فقط، بنسبة تقارب 8% من الأصوات، اعتبر قنديل أن النتيجة تمثل مؤشرًا على تصاعد المزاج الاحتجاجي داخل الأحياء متعددة الثقافات في لندن.

وقال قنديل: "الجالية العربية والإسلامية تمتلك قوة تصويتية قادرة على التأثير في نتائج الانتخابات، وربما إسقاط شخصيات سياسية بارزة، لكن المشكلة تكمن في غياب التنظيم السياسي الموحد؛ فلو جرى توحيد هذه الجهود، لكان بالإمكان إحداث تغيير حقيقي في الخريطة السياسية البريطانية".

وفي ختام حديثه، اعتبر قنديل أن استعادة حزب العمال لثقة جزء من الشارع البريطاني، خصوصًا النقابات والجاليات المهاجرة، تتطلب مراجعة شاملة لسياساته وتغيير نهجه القيادي، مضيفًا أن طريقة إدارة الحزب لملفات غزة والتوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد مع إيران، وضعت الحزب في مواجهة مباشرة مع قطاعات من الناخبين الذين يرون أن العدالة وحقوق الإنسان يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من السياسة البريطانية داخليًا وخارجيًا.

لويس بريهوني لـ"بوابة الهدف": نتائج الانتخابات تعكس "أزمة شاملة" للإمبريالية البريطانية.

أكد الكاتب والباحث الأيرلندي لويس بريهوني، المقيم في بريطانيا، أن نتائج الانتخابات البريطانية الأخيرة لا تعكس مجرد تغيّر في موازين القوى الحزبية، بل تكشف ـ بحسب وصفه ـ عن "حالة أزمة شاملة" يعيشها النظام السياسي البريطاني، باعتبارها انعكاسًا مباشرًا لأزمة أعمق في البنية الاقتصادية والسياسية في البلاد، وتراكمات طويلة فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجتها.

وقال بريهوني في تصريح خاص لـ"بوابة الهدف"، إن حالة الغضب الواسعة تجاه زعيم حزب العمال كير ستارمر لا ترتبط بشخصه فقط، بل تتعلق بطبيعة حزب العمال نفسه، الذي أمضى ـ بحسب تعبيره ـ أكثر من 120 عامًا في خدمة المشروع السياسي الإمبريالي البريطاني ومؤسساته الحاكمة.

بريطانيا 0.jpg
 

وأضاف أن الحزب دعم، منذ مراحله المبكرة، سياسات استعمارية وعنصرية، بدءًا من تأييد وعد بلفور، مرورًا بالحروب والتدخلات العسكرية البريطانية، وصولًا إلى دور حكومة توني بلير في غزو العراق، إضافة إلى ما وصفه بتورط الدولة البريطانية في ممارسات قمعية ضد الأيرلنديين وحركات التحرر في كينيا ومالايا.

ويرى بريهوني أن حكومة العمال الحالية واصلت داخليًا سياسات تشديد قوانين الهجرة، بالتزامن مع تصاعد معدلات الفقر، ما عمّق حالة السخط داخل قطاعات واسعة من المجتمع البريطاني.

اقتصاد "تايتانيك" وصعود فاراج

وفي قراءته للوضع الاقتصادي وتأثيره على نتائج الانتخابات، شبّه بريهوني الاقتصاد البريطاني بسفينة "تايتانيك" المتجهة نحو الغرق وسط أزمات متراكمة، معتبرًا أن الطبقة الحاكمة لم تعد تثق بقدرة  كير ستارمر على إدارة المرحلة المقبلة.

وقال إن ما تحتاجه المؤسسة الحاكمة ـ من وجهة نظره ـ هو "قيادة قوية وفعالة" قادرة على إدارة الانهيار الاقتصادي المتصاعد، وهو ما يفسر جزئيًا صعود نايجل فاراج وحزب "إصلاح بريطانيا"، الذي استغل هذا الانهيار لصالحه.

وأضاف، انسجامًا مع طرح "المجموعة الشيوعية الثورية" (RCG)، أن أي حزب سيتولى إدارة الدولة البريطانية سيواجه اقتصادًا مأزومًا، وسيواصل ـ على الأرجح ـ سياسات عدائية تجاه المهاجرين والفقراء والفئات المهمشة.

نقد اليسار البريطاني

ووجّه بريهوني انتقادات حادة لقطاعات من اليسار البريطاني التي اعتقدت أن الانتخابات يمكن أن تُستخدم لخدمة القضايا التقدمية أو المناهضة للعنصرية والداعمة لفلسطين.

وقال إن هذه القوى وقعت مجددًا في "فخ" الدعوة للتصويت لحزب العمال رغم الخلافات الجوهرية معه، في حين فشل المرشحون المستقلون في تحقيق اختراق سياسي ملموس بسبب غياب تنظيم جماهيري فعّال على الأرض.

كما تطرق إلى حزب الخضر، معتبراً أنه نجح في ملء جزء من الفراغ داخل اليسار البريطاني، لكنه أخفق ـ بحسب رأيه ـ في اختبار المبادئ الأساسية، بسبب رفضه وصف "الصهيونية بالعنصرية"، إلى جانب دعمه سياسات تقشف في بعض المجالس المحلية.

"المقاومة الحقيقية خارج صناديق الاقتراع"

وشدد بريهوني على أن الانتخابات، بطبيعتها، تخدم الطبقة الحاكمة، ولن تكون كافية لكسر ما وصفه بـ"سياسات التحريض على الحروب" أو إنهاء ملاحقة النشطاء المعارضين للحرب على غزة.

وأضاف أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون انتخابيًا فقط، بل في بناء حركة شعبية قادرة على مواجهة سياسات الدولة البريطانية والدفاع عن ضحايا الفقر والعنصرية والحروب.

وختم بالقول: "السؤال الحقيقي الذي يواجه المناهضين للإمبريالية ليس من سيفوز في الانتخابات، بل كيف يمكن بناء حركة مقاومة حقيقية في الشارع قادرة على مواجهة سياسات الدولة والدفاع عن كل من يتعرض لها".

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يعكس اتجاهاً متنامياً داخل بعض أوساط اليسار الراديكالي البريطاني، الذي بات ينظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها أزمة بنيوية تتجاوز حدود الأحزاب والانتخابات، وتمس طبيعة النظام السياسي والاقتصادي البريطاني نفسه.

الخلاصة: نهاية بريطانيا الثنائية

أثبتت انتخابات مايو/أيار 2026 أن بريطانيا دخلت مرحلة سياسية جديدة، لم يعد فيها الحزبان الكبيران قادرين على احتكار المشهد كما في العقود الماضية.

وكشف "زلزال مايو" عن تحولات عميقة في المزاج البريطاني، حيث بات الناخب يربط بين أخلاقيات السياسة الخارجية وكفاءة الإدارة الداخلية، ويعاقب الحكومات التي تفشل في تحقيق هذا التوازن.

كما أظهرت النتائج أن قضايا مثل غزة و إيران أصبحت جزءًا من الحسابات الانتخابية اليومية، خصوصًا لدى الشباب والأقليات والطبقات المتضررة اقتصاديًا، في حين برزت القضايا المحلية ـ من الإسكان والخدمات البلدية إلى التخطيط العمراني ـ كعوامل حاسمة في تشكيل السلوك الانتخابي.

وفي ظل هذا التشظي المتسارع، تبدو بريطانيا مقبلة على مرحلة من الائتلافات الهشة والسيولة السياسية، مع تراجع واضح لهيمنة حزبَي العمال والمحافظين، وصعود نظام متعدد الأقطاب قد يعيد تشكيل الحياة السياسية البريطانية خلال السنوات المقبلة.