Menu

تقريرمتطوعون وسط الركام ينقذون الذاكرة.. مكتبة المسجد العمري تقاوم الإبادة الثقافية

أحمد زقوت

خاص_بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، وبين ركام الحرب وغبار الدمار، يواصل متطوعون فلسطينيون جهودهم لإنقاذ ما تبقى من مكتبة المسجد العمري الكبير، إحدى أقدم المكتبات التاريخية في القطاع، والتي صمدت لقرون حافظةً للإرث المعرفي، قبل أن تتعرض لأضرار جسيمة جراء قصف طائرات الاحتلال "الإسرائيلي" خلال العدوان الأخير، ما حوّل قاعاتها إلى ركام وتناثرت معه الكتب والمخطوطات، فيما دُفن بعضها أو احترق وتلف.

ورغم حجم الدمار، لم يتوقف العمل التطوعي، إذ بادر شباب وناشطون من غزة إلى دخول المكان والبدء بعمليات إنقاذ دقيقة لما يمكن استعادته من هذا الإرث المهدد بالاندثار، في ورشة ميدانية تُسابق الزمن داخل المكتبة التي تحولت إلى ركام.

وبإمكانات بسيطة وإصرار كبير، يؤكد المتطوعون أنّ ما تهدّم من حجارة يمكن ترميمه، لكن ما يُفقد من ذاكرة وتاريخ لا يُعوّض، معتبرين أنّ ما يقومون به هو حماية للهوية الثقافية الفلسطينية وإبقاء لغزة روايتها حاضرة رغم الدمار.

020326_Gaza_OSH_01(81).jpg
 

حماية الذاكرة

تتحرك المتطوعة رنيم شعبان بين الركام بخطوات حذرة داخل مكتبة المسجد العمري، حيث اختلط الغبار برائحة الورق المحترق، وتحولت القاعة التي كانت تعج بالكتب إلى مساحة صامتة يثقلها الدمار. تنحني بين الحجارة المتساقطة، تزيح بيديها طبقات الغبار عن غلاف كتابٍ بالكاد ما زال متماسكاً، ثم ترفعه بحذر شديد وكأنها تخشى أن يتفتت بين أصابعها.

في المكان رفوف مقلوبة، وأوراق متناثرة، ومخطوطات متضررة، ومع ذلك تواصل رنيم عملها بإصرار، تفرز ما يمكن إنقاذه وتضعه جانباً بعناية، معتبرة أن هذه الكتب ليست مجرد أوراق بل ذاكرة تقاوم الفناء، لكن برغم القسوة تبقى خطواتها ثابتة في محاولة لمنح ما تبقى من الصفحات فرصة جديدة للحياة.

020326_Gaza_OSH_01(85).jpg
 

تؤكد شعبان في حديثها لـ "بوابة الهدف" أنّ لحظة دخولها مكتبة المسجد العمري كانت صادمة، إذ تحوّل المكان من مكتبة عامرة بالكتب إلى ركام وصمت، قائلة: "شعرت أنني أمام ذاكرة كاملة تحترق".

وتضيف أنّ دافعها للمشاركة هو "المسؤولية تجاه التاريخ والمعرفة"، معتبرة أنّ الكتب جزء من هوية غزة، وأن فقدانها خسارة لا تُعوّض.

وحول آلية العمل في إنقاذ الكتب والمخطوطات، توضح شعبان أنّ العملية تتم يدوياً عبر إزالة الركام وفرز ما يمكن إنقاذه من الكتب والمخطوطات، برغم ما يرافق ذلك من صعوبة ودقة بالغة، وذلك في ظل ظروف خطرة وإمكانات محدودة للغاية.

وتختم بالقول، إنّ التجربة علمتها أن حماية الذاكرة شكل من أشكال الصمود، وغزة رغم الدمار تبقى مساحة للمقاومة الثقافية ومحاولة إنقاذ ما تبقى من التاريخ والمعرفة.

"إسعاف أولي" للكتب والمخطوطات

داخل أروقة المسجد المُدمّر، تعمل المتطوعة دعاء دويمة على تنظيف الكتب واحدة تلو الأخرى باستخدام فرش صغيرة وقفازات وأدوات بدائية، في محاولة لإعادة الحياة إلى ما تبقى من الذاكرة المكتوبة للمكان.

وتوضح دويمة في حديثها لـ "الهدف" أنّ هذه العملية تُعد بمثابة "إسعاف أولي" للكتب، إذ يتم التعامل مع كل كتاب بعناية شديدة، وفرز المواد المتضررة وعزلها عن غيرها بهدف الحد من انتشار التلف والرطوبة والعفن، رغم صعوبة المهمة وغياب المعدات المتخصصة اللازمة لعمليات الترميم الحقيقية.

وتشير إلى أن العمل يتم في ظروف قاسية داخل مبنى متضرر بشكل كبير، ما يجعل كل خطوة محسوبة، وكل كتاب يتم إنقاذه يمثل إنجازاً صغيراً في مواجهة خسارة ثقافية كبيرة، مؤكدة أنّ ما يقومون به هو محاولة للحفاظ على ما تبقى من الذاكرة التاريخية للمكان ومنع اندثارها بالكامل.

وتلفت دويمة إلى الأهمية التاريخية لمكتبة المسجد العمري، باعتبارها من أبرز المكتبات في فلسطين، وتُصنَّف ثالث أكبر مكتبة بعد مكتبة المسجد الأقصى في القدس ومكتبة أحمد باشا الجزار في عكا، ما يمنح عملية إنقاذ محتوياتها قيمة ثقافية ومعرفية مضاعفة.

وفي سياق الحديث عن المكان، يُعدّ الجامع العمري الكبير في مدينة غزة واحداً من أقدم وأهم المعالم التاريخية في القطاع، إذ يعود تأسيسه إلى أكثر من ألف عام، وشهد عبر تاريخه الطويل عدة مراحل من البناء والتوسعة والتجديد في عصور متعاقبة، ما جعله شاهداً حياً على تعاقب الحضارات وامتداد الوجود الإنساني في المدينة.

نجاة 4 آلاف كتاب من أصل 20 ألفاً

وبشأن حجم الدمار الذي طال مكتبة المسجد العمري، تشير مديرة مؤسسة "عيون على التراث" حنين العمصي إلى أنّ مبادرة إنقاذ المكتبة انطلقت فور تمكن الفريق من الوصول إلى الموقع عقب القصف، مبينة أنّها لم تتوقع حجم الكارثة، إذ معظم الرفوف انهارت بالكامل، وتناثرت الكتب والمخطوطات أو دُفنت تحت الأنقاض.

وتؤكد العمصي في حديثها مع "الهدف" أنّ المكتبة كانت تضم نحو 20 ألف كتاب ومخطوطة في مجالات الفقه واللغة والتاريخ والطب والقانون، إلا أنّ التقديرات الأولية تشير إلى أنّ الجزء الأكبر منها تعرض للتلف، فيما لم ينجُ سوى نحو 3 إلى 4 آلاف كتاب فقط يمكن العمل على إنقاذها وترميمها.

وتوضح أن الفريق المكوّن من 11 فردًا من تخصصات جامعية مختلفة يعمل على جمع ما تبقى من المواد القابلة للحفظ قبل تدهورها أكثر بفعل الرطوبة والغبار والعوامل البيئية داخل المكان المدمّر، في سباق مع الزمن للحفاظ على هذا الإرث من الاندثار.

020326_Gaza_OSH_01(72).jpg
 

وتلفت مدير المؤسسة إلى أنّ من بين ما تم العثور عليه مخطوطات نادرة تعود إلى الحقبة العثمانية، بالإضافة إلى وثائق وكتب تراثية ذات قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، مؤكدة أنّ فقدانها المحتمل يمثل خسارة معرفية لا يمكن تعويضها.

وتصف العمصي لحظة دخول الفريق إلى المكتبة بأنّها كانت "مؤثرة وصادمة"، لافتةً إلى أنّ القاعات كانت مليئة بالكتب المبعثرة دون أي تنظيم، وسط تدهور بيئي خطير زاد من سرعة تلف المواد الورقية، نتيجة الرطوبة والهواء المفتوح وحتى دخول بعض الكائنات إلى المكان المهجور.

وتشدد على أنّ الفريق يعمل في ظروف قاسية للغاية، ضمن مهمة إنسانية وثقافية تهدف إلى إنقاذ ما تبقى من ذاكرة مكتبة المسجد العمري، التي تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والدينية لمدينة غزة.

وتأتي هذه الجهود في ظل أضرار واسعة طالت التراث في قطاع غزة، حيث تشير بيانات رسمية إلى تضرر أكثر من 300 موقع أثري وديني في غزة والضفة المحتلة منذ أكتوبر 2023، ما يجعل إنقاذ مكتبة المسجد العمري خطوة رمزية ومركزية في حماية الهوية الثقافية الفلسطينية.

استهداف الهوية

من جانبه، يصف مدير دائرة المواقع الأثرية في وزارة السياحة والآثار بغزة حمودة الدهدار ما جرى للإرث المادي خلال الحرب بأنّه "استهداف متعمد لطبقات الهوية الفلسطينية"، مشيراً إلى أنّ الإرث العمراني في غزة، الممتد من العصور المملوكية والأيوبية والعثمانية، تعرض لدمار واسع، حيث دُمّر أكثر من 90% من أصل 283 موقعاً أثرياً.

ويضيف الدهدار لـ "الهدف" أنّ القصف شمل أيضاً تدمير حي الشجاعية بما يحويه من طبقات تاريخية ومساجد وآثار، إلى جانب نهب متحف قصر الباشا الذي كان يضم أكثر من 17 ألف قطعة أثرية، وإتلاف مخطوطات نادرة بينها مزامير داود ونسخة عثمانية من القرآن الكريم.

وبرغم حجم الدمار، يشير إلى عمل فريق تطوعي صغير وثّق ما تبقى من المواقع الأثرية تحت القصف، وحاول حماية أجزاء من الإرث العمراني، وكان من أبرز تدخلاته إنقاذ أجزاء من سوق القيسارية قبل أن يتعرض لاحقاً لقصف جديد.

كيّ الوعي: جريمة ثقافية منظمة

بدوره، يؤكد رئيس قسم المكتبات في بلدية غزة، رائد الوحيدي، أنّ المدينة فقدت جزءاً كبيراً من مكتباتها العامة، حيث دُمّرت مكتبة بلدية رشاد الشوا بالكامل، فيما فقدت مكتبة غزة العامة أكثر من 80% من محتواها، وتعرض مركز هولست الثقافي لأضرار جسيمة رغم احتوائه على نحو 100 ألف كتاب.

ويصف الوحيدي لـ "الهدف" هذا الاستهداف بأنّه "ضرب للوعي ومحاولة لقطع ذاكرة الأجيال"، مشيراً إلى أنّ آلاف المراجع والموسوعات التي كانت تشكل أساساً لعمل الباحثين ضاعت تحت الركام ولا يمكن تعويضها.

وفي السياق ذاته، يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي أنّ ما طال المواقع الأثرية والتاريخية في قطاع غزة لا يمكن اعتباره أضرار حرب عابرة، بل يمثل "استهدافاً واسعاً وممنهجاً للبنية الثقافية"، يشكل انتهاكاً خطيراً يصل إلى مستوى جرائم الحرب وفق اتفاقية لاهاي لعام 1954 واتفاقيات اليونسكو.
020326_Gaza_OSH_01(40).jpg
020326_Gaza_OSH_01(52).jpg
020326_Gaza_OSH_01(35).jpg
020326_Gaza_OSH_01(34).jpg
020326_Gaza_OSH_01(31).jpg