كل عام في الخامس من نيسان يتملكنا العجز أمام أحداق أطفال فلسطين في ذكرى اليوم المخصص لقضاياهم، إذ نجدهم أكثر من يدفع ضريبة الحرب ويجابه جحافلها بطفولة بريئة قفزت مباشرة نحو مراحل التمسك بحبال الشهادة والفداء، وسط حرمانهم من أبسط حقوقهم وتعايشهم مع لحظات الاستشهاد اليومي، لتكتظ أرواحهم في السماء مزاحمة كبار الشهداء..
تَيتِيم ووجع وقصف وحشي يتغذى على أرواح الأطفال، فيدفعون الثمن الأعلى متجاوزين القهر والقمع والتهجير وسط الوجع الذي سكن قلوبهم وجعل صغيرهم يفكر بوصية يكتبها حباً بأهله واستسلاماً لاستشهاد يحتضن روحه في أي لحظة، في قطاع غزة حيث تجاوز شهداؤها من الأطفال 21000 طفل وفقد85000 أحد أبويه، أو كليهما، ليعايش الأحياء منهم مشاريع شهادة منتظرة، تنتهكها الظروف الاجتماعية والحاجات التعليمية والنفسية وحتى التربوية، فيما يتمنون مستقبلاً يؤكد حقوقهم واقعياً لا ورقياً، بالرغم من أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أقره منذ العام 1995 في المؤتمر الأول للطفل الفلسطيني إلا أن الواقع المعيش لم يتمكن من رفع المقصلة عن أعناق أطفالها ولم يتمكن من إيقاف إبادة الطفولة التي يتعمدها العدو إذ يدرك أن الأطفال الفلسطينيين هم جذوات مشتعلة لثورة لن تتوقف رغم الحزن الساكن بأرواحهم والذي دفع الطفلة رشا العرعير- لم تتجاوز الـ10 أعوام- لكتابة وصية تطلب من أهلها:
"ألا يبكوا عليها ويقوموا بتوزيع مقتنياتها على قريباتها والمحتاجين وكذلك مصروفها الشهري مؤكدة ألا يصرخوا على أخيها" لم تدرك روحها الغضة أنه استشهد معها ممسكاً بيدها نحو السماء!! ..
كذلك الطفلة هيا البالغة11 عاماً، كتبت وصية مازالت تعاود الظهور على صفحات ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي، إذ بات متداولاً بكثرة عبر "الغروبات" العربية والأجنبية التي ترجمت نص الرسالة وتناقلته!!:
وصية مؤثرة لطفلة فلسطينية تعيش ويلات الحرب ويحيط الخراب والدمار بكل ما هو حولها تحرك مشاعر الكثير من "اليوتيوبر والبلوغر" والمؤثرين كتبت فيها بخط يدها البريئة: "مرحباً، أنا هيا وسأكتب وصيتي الآن نقودي 80 شيكلاً منها 45 شيكلاً لماما و5 لزينة و5 لهاشم و5 لتيتا و5 لخالتو هبة و5 لخالتو مريم و5 لخالو عبود و5 لخالتو سارة.
وتابعت: "ألعابي وجميع أغراضي لصديقاتي زينة وريما ومنة وأمل وملابسي لبنات عمي وإذا تبقى شيء تبرعوا بها للفقراء والمساكين بعد غسلها طبعاً وإكسسواراتي لبنات عمي وسارة وبنت خالتي هبة".
هي نصوص لا تخلو من البراءة، تخبرنا بكم المعاناة التي عاشتها طفلتان من أطفال غزة آثرتا التضحية ضمن سطورهما فنصا وصيتيهما يوحيان أنهما ستموتان أو تستشهدان بينما جميع أفراد عائلتيهما وأقاربهما على قيد الحياة وكلاهما تورثهم نقودها وممتلكاتها الغالية مع غياب واضح لنصيب الأب في وصية هيا الذي يبدو أن الطفلة آثرت فكرة الاستشهاد للحاق بوالدها وهذا ما جعلها تكتب وصيتها أمام ما تراه من حرب دائرة حولها يشنها الكيان المحتل!!
تلك اليد التي يفترض أنها تداعب خدود الورد وأكمامه تقطف التفاح وترقص تحت أشعة الشمس تداعب أصابعها قطر ات الماء في جدول قريب تفكر كيف تلعب مع أصدقائها وكيف تساعد والدتها وإخوتها نسيت طفولتها! خرت طفولتها راكعة أمام قوة تلك الفتاة فتخطتها لتنضج قبل الأوان وبدل أن تذاكر دروسها وتكتب وظائفها قبل أن تخط اسمها على الرمل الفلسطيني قد كتبت وصيتها!!
كتبتها ليقرأها العالم وتنضم حروفها لقافلة التخاذل والتغاضي من إنسانية تآكلت أمام كم الويلات الهائلة، أمام أطفال غادرتهم طفولتهم، لفوا بأكفان بيضاء قبل الأوان بعمر أيام وساعات،
أطفال غادرتهم أمهاتهم وعائلاتهم تحاول أكفهم الصغيرة البحث عن بصيص أمل يحاولون مسك مشاعل الحرية ليضيئوا دروب الغد والانتصار لكنهم بجاهزية كاملة للالتحاق بذويهم وسط سبيل سماوي مفتوح لاستقبالهم مادامت البشرية جمعاء والمنظمات الدولية قد صمت آذانها، وعميت عيونها!

