منذ وقوع النكبة الفلسطينية عام 1948، لم تتوقف سياسات التهجير والاقتلاع التي مارستها العصابات الصهيونية بدايةً، والتي اعتمدت آنذاك على المجازر الميدانية، وتدمير القرى، والاستيلاء المباشر على الأراضي بالقوة العسكرية، مستخدمة البندقية والدبابة كأدوات تقليدية في مشروع يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والجغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني.
النكبة الرقمية
ومنذ ذلك التاريخ، لم يتغير جوهر المشروع الاستعماري، بل تطورت أدواته وأساليبه، إذ انتقل من الاعتماد على "البندقية" كوسيلة مباشرة للقتل والتهجير، إلى توظيف "الخوارزمية" والتقنيات الرقمية كأدوات لإدارة العنف والسيطرة.
يعكس هذا التحول بروز ما يمكن وصفه بـ "سياسة محو" أكثر تعقيدًا، تُستخدم فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية مثل "لافندر" و"هافِير" المرتبطة بوحدات استخباراتية، من بينها وحدة 8200 في جيش الاحتلال.
وتعمل هذه الأنظمة على تحويل الإنسان الفلسطيني إلى بيانات داخل قواعد عسكرية، بما يساهم في تقليص التدخل البشري لصالح القرار الآلي، الأمر الذي يؤدي إلى تسريع وتوسيع نطاق عمليات الاستهداف خلال العدوان على قطاع غزة، ضمن ما يُوصف بـ "النكبة الرقمية".
أتمتة الاستهداف وتراجع التدخل البشري
في هذا السياق، يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي إلياس حنا أنّ جيش الاحتلال شهد تحولًا في آليات استهداف الفلسطينيين منذ عام 1948، من الأدوات التقليدية المباشرة إلى الاعتماد المتزايد على البيانات الرقمية في تحديد الأهداف العسكرية، ضمن منظومة توظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي على المستويات السياسية والاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، بما يُحدث تحولًا عميقًا في آليات اتخاذ القرار داخل ساحات القتال.
ويوضح حنا في حديثه لـ "بوابة الهدف" أنّ هذه المنظومات تعتمد على جمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها، ثم اقتراح أهداف بشكل آلي بهدف تسريع القرار العسكري وتقليص زمن الاستجابة الميدانية.
ويشير إلى أنّه عند تراجع ما يُعرف بـ "بنك الأهداف" الإسرائيلي، يتم توليد أهداف جديدة اعتمادًا على البيانات الضخمة والمصادر المفتوحة، مع تحديثها بشكل مستمر، بما يضمن استمرار تدفق الأهداف ضمن دورة تشغيل شبه آلية للمنظومة العسكرية.
حرب رقمية وكيلية
ويبين الخبير العسكري أنّ هذا النموذج يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ "حرب رقمية وكيلية"، حيث تُمنح المنظومات التقنية دورًا شبه مستقل في جمع المعلومات وتحليلها واقتراح الاستهداف، مع تقليص واضح للتدخل البشري المباشر، رغم بقاء انحيازات كامنة في عملية اختيار الأهداف.
ويشير حنا إلى أنّ أبرز هذه الأنظمة هو "لافندر"، وهو نظام يحلل بيانات واتصالات رقمية لإنتاج قوائم بأشخاص يُشتبه بارتباطهم بأهداف عسكرية وتصنيفهم كأهداف محتملة، عبر آلية تعتمد على التقييم الاحتمالي مع تقليص التدقيق البشري إلى الحد الأدنى.
كما يستخدم جيش الاحتلال نظام "غوسبل/هبصورا" في اختيار المباني والمنازل السكنية وتصنيفها كمواقع مشبوهة، ما قد يؤدي إلى استهداف واسع يطال أحياء كاملة. أما نظام "أربل"، فيعمل على تحسين دقة الإطلاق عبر دمج المعطيات الاستخباراتية مع الأنظمة العملياتية، بما يشمل توجيه الذخائر الثقيلة والأنظمة المتفجرة في البيئات المكتظة.
ويلفت الخبير إلى وجود أدوات تحليل إضافية تُستخدم في تتبع البيانات الميدانية والاتصالات والأنشطة الرقمية، وتُسهم في توجيه الضربات أو ترشيح أهداف جديدة بشكل آلي أو شبه آلي، ضمن منظومة أوسع من الرقابة الرقمية والاستخبارات الحاسوبية.
ويحذر من أنّ هذه المنظومات لا تميّز بدقة بين المدنيين والمقاتلين، خاصة في بيئات معقدة مثل قطاع غزة، مشيرًا إلى وجود تقديرات عسكرية قد تسمح بقبول "هامش من الخسائر المدنية" بحسب طبيعة الهدف.
ويرى حنا أنّ هذا النهج يثير إشكالات قانونية وأخلاقية خطيرة، في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، وما قد يترتب عليه من توسيع نطاق استهداف المدنيين وتعميق أنماط العنف الجماعي.
الخوارزميات وإعادة إنتاج النزوح القسري
لا يقتصر أثر الخوارزميات على أدوات القتل المباشر، بل يمتد ليشكّل منظومة متكاملة لإعادة إنتاج واقع النزوح القسري، عبر شبكات مراقبة ذكية تضع الجغرافيا الفلسطينية تحت رصد دائم في غزة والضفة، بما يعيد إلى الأذهان مشاهد التهجير عام 1948.
وتندرج هذه البنية ضمن تحول يجعل من فلسطين فضاءً خاضعًا لرقابة رقمية متكاملة، حيث تتداخل أنظمة الاستهداف مع المراقبة اللحظية، بما يكرّس "تحكمًا شاملًا" في الجسد والمكان ويعيد إنتاج سياسات الإقصاء بصيغة تقنية حديثة.
ويشمل ذلك أنظمة تحليل الهوية والحركة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب "منظومة الذئاب" التي تعتمد على قواعد بيانات موسعة لتتبع الأفراد وتحديث سجلاتهم بشكل آلي ومستمر.
وتتجلى الملاحقة العابرة للحدود عبر "البصمة الرقمية" التي قد ترافق الفرد حتى بعد النزوح، ما يكرّس حالة من المراقبة المستمرة، ومنها أنظمة مثل "أين أبي؟" التي تترصد مسارات الفلسطينيين وتتابع تحركاتهم.
ويترافق ذلك مع توسيع السيطرة الميدانية عبر خطوط فصل وتموضع جديدة في غزة، واستمرار العمليات العسكرية في مخيمات شمال الضفة، في سياق يُنظر إليه على أنّه مسار لإعادة تشكيل الجغرافيا وترسيخ واقع ميداني جديد.
هندسة السيطرة بالذكاء الاصطناعي
في سياق النكبة الفلسطينية المستمرة وتحول أدوات السيطرة والتهجير، يؤكد خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير سائد حسونة أنّ الحرب على غزة لم تعد تُدار بالوسائل العسكرية التقليدية فقط، بل عبر طبقات متقدمة من التكنولوجيا الرقمية، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة، وتحليل البيانات الضخمة، والتحكم في تدفق الاتصالات.
ويوضح حسونة لـ "الهدف" أنّ هذه المنظومة باتت جزءًا بنيويًا من إدارة الصراع، إذ تُستخدم الخوارزميات في الرصد المسبق، وتتبع الأنماط السلوكية، وتوسيع نطاق اتخاذ القرار العسكري المبني على البيانات، بما يحوّل المعلومات ذاتها إلى أداة مركزية في هندسة الاستهداف والسيطرة.
وتعتمد هذه البنية على أدوات رقمية متعددة، من بينها "غوسبل" لإنتاج بنك أهداف يشمل مباني وبنى تحتية، و "لافندر" لتصنيف الأفراد بناءً على احتمالات الاشتباه، و"أين أبي" لتتبع الحركة والمواقع، إضافة إلى أدوات لمراقبة الاتصالات وتتبع الهواتف، إلى جانب الطائرات المسيّرة والكلاب الآلية وشبكات المراقبة المستمرة.
ويشير الخبير الرقمي إلى أنّ هذه الأنظمة تعمل وفق بيانات غير مكتملة وتقديرات احتمالية قد تفتقر للدقة، ما يحوّل قرارات مصيرية "حياة أو موت" إلى مخرجات خوارزمية، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر جسيمة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني واستهداف المدنيين.
ويحذّر حسونة من أنّ التحول الرقمي في أدوات الحرب لا يقتصر على رفع الكفاءة العسكرية، بل يعيد تشكيل بنية السيطرة ذاتها، عبر تحويل الحيز الفلسطيني إلى فضاء مُدار ومراقَب رقميًا، بما يكرّس واقعًا ممتدًا من القتل والتهجير وإعادة إنتاج "النكبة" بأدوات تقنية حديثة.
وبحسب تقارير صحافية فإنّ هذه المنظومات، المدعومة ببنى سحابية من شركات كبرى مثل جوجل وأمازون ومايكروسوفت و "بالانتير"، باتت جزءًا من البنية التحتية للحرب، عبر مشروع "نيمبوس" وغيره، بما يوفّر قدرات واسعة لتخزين وتحليل بيانات الفلسطينيين، وسط اتهامات بتسهيل انتهاكات محتملة للقانون الدولي.
حرب هوية شاملة
وفي السياق السياسي، يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أنّ السياسات "الإسرائيلية" في الأراضي الفلسطينية تتجه نحو حسم الصراع الوجودي، استنادًا إلى سردية تعتبر أنّ الوجود الفلسطيني غير قائم أصلًا، وأن المجال مخصص للمشروع الاستيطاني.
في حديثه إلى "الهدف"، يوضح بشارات أنّ المشروع يقوم على ثلاثة محددات مترابطة، تبدأ بتوسيع السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، ليس عبر الوجود العسكري فقط، بل من خلال بنية تحتية واستيطانية متكاملة تعيد تشكيل المكان ماديًا وعمرانيًا.
كما يجري العمل على إعادة إنتاج هوية المكان عبر تهويد الرموز الدينية والتاريخية في القدس والخليل وغيرها، إلى جانب فرض طابع معماري وثقافي استيطاني يعيد صياغة الذاكرة الجمعية لصالح الهوية "الإسرائيلية"، ويترافق ذلك مع سياسة ديمغرافية تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني مقابل تعزيز الوجود الاستيطاني، ضمن مسار من التشريعات والسياسات التي تعيد هندسة التوازن السكاني والسياسي، وفق بشارات.
ويضيف المحلل السياسي أنّ قطاع غزة يُعاد إدراجه ضمن هذا التصور، حيث يُنظر إلى ما بعد الحرب باعتباره مرحلة لإعادة تشكيله عبر التدمير الممنهج، بما يفضي إلى محو ملامحه التاريخية وبناء واقع جديد على أنقاضه.
ويخلص بشارات إلى أنّ ما يجري هو "حرب هوية شاملة" تُستخدم فيها أدوات تقليدية وحديثة، بما في ذلك التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ضمن مشروع متكامل لإعادة إنتاج الواقع الجغرافي والديمغرافي، وترسيخ السردية "الإسرائيلية" حول الأرض والوجود والمستقبل.
تتداخل التكنولوجيا مع البنية السياسية والعسكرية في إعادة تشكيل الجغرافيا والواقع الديمغرافي في الأرض الفلسطينية، بما يفاقم الإشكالات القانونية والأخلاقية المتزايدة، وبذلك تبرز "النكبة الرقمية" بوصفها امتدادًا معاصرًا لسياسات تاريخية متواصلة، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا وتطورًا.

