Menu

المراوحة في المكان وموجبات التغيير

د. سعيد ذياب - رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.png

إن من يراقب المشهد الفلسطيني من خلال أداء التنظيمات، ومخرجات مؤتمراتها، والحالة التي وصلنا إليها، سيلاحظ أن هذه التنظيمات تراوح في مكانها، أو أنها تتهيأ للرحيل بالمعنى الوظيفي، أو تعيش حالة من الأفول المتدرج.

بات من الواضح تآكل المشروع السياسي القائم على "الدولة من خلال التفاوض"، بل إن فكرة الدولة بحد ذاتها تراجعت، وبات الكيان يهيئ نفسه للضم وإدارة الاحتلال؛ وتحولت القوى الفلسطينية من مشروع تحرر إلى أطر تدير الأزمات.

نشاهد أزمة الشرعية والتمثيل فاقعة وبادية للعيان، وكانت أحداث السابع من أكتوبر كاشفة لها بامتياز، من خلال غياب مرجعية فلسطينية تعبئ الشعب وتقوده في مواجهة حرب الإبادة التي شنها العدو الصهيوني ضد غزة، واستكملها في الضفة الغربية.

أعتقد أن هذه الصورة جعلت من التغيير مسألة وجودية أكثر من كونها شعاراً سياسياً؛ تغييراً يطال كل شيء ولا يكتفي بتغيير الأشخاص والقيادات، تغييراً يلامس الدور الوظيفي للحركة الوطنية الفلسطينية، ويعيدها إلى دورها كأداة تحرر وطني، بعد أن نجحت القوى العاجزة والتفريطية في تحويلها إلى مجرد أداة لإدارة الأزمة، لا أكثر ولا أقل. بل أصبح همّ هذه القوى الحفاظ على الذات أولوية تفوق قيادة المشروع الوطني والدفاع عن الشعب.

الأمر الذي يقودنا إلى الاستنتاج بوجوب السعي للتغيير، ولا بديل عنه؛ وأي حديث عن الاستمرار في الحوار غير المنتج ليس إلا تكريساً لحوار العاجزين، وتعطيلاً أو إعاقة لعملية التغيير. ولكن بقدر ما يكشف القديم عن عجزه، بل وخنوعه للعدو، فإننا نعيش حالة من عدم التوافق على "البديل"، رغم توافق الناس على وجود الأزمة والحاجة الملحة للتغيير.

إن الجديد وعملية التغيير ليست عملية ورقية يتم صياغتها على الورق فقط، بل هي عملية صراعية ونضالية تخرج من رحم القديم وتناقضاته. لقد علمنا التاريخ أن التحولات الجذرية تبدأ من داخل البناء القديم، ولكن علينا أن نفهم جيداً أن تراجع القديم والدعم الرسمي العربي له في المضي قدماً لتعطيل عملية التغيير يدفعنا إلى الحذر؛ فالنظام العربي يدرك أن التغيير فلسطينياً سيشكل قاطرة لوقف التطبيع والمساهمة في عملية التغيير العربي.

إننا أمام جيل جديد لا يثق بالأطر القائمة، وأمام تحولات إقليمية ودولية عميقة. وهنا نسأل -كما يسأل غيرنا-: هل يملك هذا الشباب رؤية مختلفة؟ وهل هو قادر على إنتاج شرعية شعبية؟ بل، هل هو قادر على تحويل التضحيات إلى إنجاز سياسي بعد أن بددتها القوى اليمينية والتفريطية؟

إن سؤال التغيير يجب أن يفكر فيه الجميع، مع ضرورة عدم السماح بإطالة المرحلة الانتقالية؛ فهي مرحلة تمر ممهورة بالدم الفلسطيني، مرحلة مخاض تتآكل فيها الصيغ القديمة، لكن بديلنا لم يُحسم شكله وأمره بعد.

د. سعيد ذياب
رئيس حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني