لم تكن القدس ، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مجرد مدينةٍ تعيش على إرثها الديني والتاريخي، بل كانت فضاءً ثقافيًا نابضًا بالحياة، تتجاور فيه المدرسة مع المطبعة، والمقهى مع الصالون الأدبي، واللغة مع سؤال النهضة. وفي قلب هذه اللحظة التاريخية برزت أسماء صنعت جزءًا من الوعي الثقافي الفلسطيني والعربي، من بينها خليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي، اللذان تحوّلا، مع الزمن، إلى شاهدين على مرحلة كاملة سبقت الانقطاع الكبير الذي أحدثته النكبة.
إن قراءة تجربة الرجلين اليوم لا تنتمي فقط إلى باب الاستذكار الثقافي أو التوثيق التاريخي، بل تفتح الباب أمام إعادة فهم طبيعة المجتمع المقدسي قبل التحولات العنيفة التي أعادت تشكيل الجغرافيا والهوية والذاكرة. فقد كانت القدس آنذاك مدينة تنتج المعنى يوميًا، عبر التعليم والصحافة واللغة والنقاش العمومي، ضمن سياق عربي متصل بحركة النهضة الفكرية التي امتدت من القاهرة إلى بيروت ودمشق والقدس.
لم تكن “العروبة” في كتابات السكاكيني والنشاشيبي شعارًا سياسويًا أو خطابًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل كانت جزءًا طبيعيًا من نسيج الحياة الثقافية والاجتماعية. فقد رأى السكاكيني أن النهضة تبدأ من الإنسان، وأن المدرسة ليست مكانًا للتلقين بقدر ما هي فضاء لتحرير العقل وتكوين الشخصية. لذلك خاض معركة مبكرة ضد أساليب التعليم التقليدية، داعيًا إلى تجديد طرق التدريس، وربط المعرفة بالحياة اليومية والخيال واللعب، وهو ما تجلّى بوضوح في مشروعه التربوي وكتبه التعليمية، خاصة “الجديد في القراءة العربية” و“الأصول في تعليم اللغة العربية”.
لقد كان السكاكيني ينظر إلى اللغة باعتبارها كائنًا حيًا، لا مجرد قواعد جامدة، لذلك جاءت مقاربته التربوية أقرب إلى بناء علاقة وجدانية بين الطفل والكلمة. ومن هنا ارتبط اسمه بإصلاح التعليم العربي الحديث في فلسطين، حيث تحوّل التعليم عنده إلى مشروع تحرري وإنساني، يربط الثقافة بالكرامة والوعي والانفتاح على العالم.
في المقابل، اقترب النشاشيبي من اللغة والتراث من زاوية مختلفة، لكنها مكملة للمشروع ذاته. فقد انشغل بالنقد والبحث اللغوي والأدبي، واشتغل على التراث العربي بروح عقلانية منفتحة، دون أن يحوّله إلى سلطة تعيق الحاضر. كان يؤمن بإمكانية الجمع بين الأصالة والتحديث، وهو ما لخصه في عبارته الشهيرة: “قلب عربي وعقل أوروبي”، وهي عبارة تختزل إلى حد بعيد مأزق النهضة العربية الحديثة بين الانتماء التاريخي والرغبة في التقدم.
مثّل النشاشيبي نموذج المثقف الموسوعي الذي رأى في اللغة العربية فضاءً للمعرفة والجمال والتفكير النقدي، لا مجرد أداة للتعبير. لذلك احتل مكانة بارزة داخل الحياة الثقافية المقدسية، بوصفه واحدًا من أعمدة الفكر واللغة في فلسطين، ومرجعًا في النقد الأدبي والتحقيق اللغوي.
لم يكن الرجلان معزولين عن محيطهما العربي، بل كانا جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات الفكرية التي جمعت رموز النهضة العربية الحديثة. فقد تحوّل صالون السكاكيني في حي القطمون بمدينة القدس إلى ملتقى ثقافي استقبل شخصيات فكرية وأدبية بارزة من بينها طه حسين وعباس محمود العقاد ومعروف الرصافي، حيث كانت النقاشات تمتد من الأدب إلى السياسة والفلسفة والتعليم وقضايا المجتمع.
ترك الرصافي بدوره أثرًا إنسانيًا في هذه العلاقة، حين كتب أبياتًا شعرية تستعيد دفء الصداقة واللقاءات الفكرية، بما يعكس طبيعة المناخ الثقافي العربي آنذاك، حين كانت القدس جزءًا من الخريطة الحية للنهضة العربية، لا هامشًا معزولًا عنها.
رغم اختلاف التجربتين الشخصيتين- إذ عاش السكاكيني تجربة إنسانية وعاطفية عميقة مع زوجته سلطانة، بينما اختار النشاشيبي العزوبة والتفرغ للبحث واللغة- فإنهما التقيا في بناء تصور ثقافي يرى الإنسان محورًا للمعرفة، ويرى الثقافة فعلًا يوميًا مرتبطًا بالحياة لا نشاطًا نخبوياً منفصلًا عن المجتمع.
لقد كانت القدس التي يكتب عنها السكاكيني والنشاشيبي مدينة متعددة الأصوات، متصالحة مع تنوعها، ومؤمنة بقدرتها على إنتاج المعرفة والجمال والمعنى. غير أن هذه الحيوية تعرضت لانقطاع تاريخي قاسٍ بعد النكبة، حيث لم يقتصر الأمر على فقدان المكان، بل شمل أيضًا تفكك البنية الثقافية والاجتماعية التي كانت تنتج ذلك الوعي.
من هنا تكتسب كتابات الرجلين قيمة تتجاوز الأدب والتوثيق؛ فهي اليوم أشبه بأرشيف حيّ لذاكرة مدينة كاملة، ومرآة لمجتمع كان يرى في الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، لا ترفًا فكريًا. إن يوميات السكاكيني، ومقالات النشاشيبي، والحوارات التي دارت في تلك الصالونات الثقافية، كلها تشكل اليوم مادة لفهم فلسطين قبل الانكسار الكبير، وفهم كيف كانت الكلمة تُستخدم لبناء الوعي الجماعي وصياغة الهوية الثقافية.
بهذا المعنى، لا يبدو إرث السكاكيني والنشاشيبي مجرد ماضٍ يُستعاد بحنين ثقافي، بل سؤالًا مفتوحًا حول معنى النهضة العربية نفسها: كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على ذاكرته وهو يواجه التحولات العنيفة؟ وكيف تستطيع الثقافة أن تبقى مساحة للمقاومة الرمزية في وجه محو المكان والإنسان؟
إنهما، في النهاية، لا يرويان فقط سيرة مثقفين فلسطينيين، بل يرويان سيرة القدس نفسها؛ تلك المدينة التي كانت تُنتج المعرفة كما تُنتج الحجر، وتكتب ذاكرتها بالحياة اليومية قبل أن تصبح الذاكرة نفسها مهددة بالاقتلاع والنسيان.
المراجع والمصادر:
استند هذا المقال إلى عدد من المراجع التاريخية والأدبية التي تناولت تجربة كل من إسعاف النشاشيبي وخليل السكاكيني، وسياقهما الثقافي في القدس قبل التحولات الكبرى التي أعقبت النكبة، ومن أبرزها:
• كتاب محمد إسعاف النشاشيبي: أديب العربية، خليل السكاكيني: رائد التربية الحديثة، تأليف لينا محمد سماعنة، دار الفاروق (2021)
• كتاب محمد إسعاف النشاشيبي (1882–1948)، تأليف أحمد عمر شاهين، المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية.
• دراسة السكاكيني والنشاشيبي: مدرستان في النقد الأدبي، منشورة في مجلة المقدسية – جامعة القدس.
• مقالات موسوعية وسير ذاتية حول النشاشيبي، تناولت مكانته الفكرية واللغوية ودوره في الحياة الثقافية المقدسية.
• مواد أرشيفية حول أعمال السكاكيني التربوية، خاصة كتابيه الجديد في القراءة العربية والأصول في تعليم اللغة العربية.
• يوميات ومذكرات السكاكيني، إضافة إلى دراسات أكاديمية حول تجربته الفكرية والتربوية.
• مراجع تراثية وسيرية، من بينها أعمال إسحق موسى الحسيني ويعقوب العودات في كتاب من أعلام الفكر والأدب في فلسطين.

