Menu

تقريرطلبة طب الأسنان في غزة: أحلام التخرُّج مؤجلة حتى إشعارٍ آخر

مرح عطالله

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

سرقت الحرب كل شيء من أهل غزة، أعمارهم وأرزاقهم، وحتى أحلامهم الصغرى. وفي الصروح العلمية، ما يزال مئات الطلاب عالقين في مقاعد الدراسة بفعل الحصار المستمر منذ بدء العدوان، لعدم توفر ما يلزم طلبة التخصصات الطبية والمهنية لإتمام شروط تخرجهم العملية.

في هذا السياق، أكثر من 400 طالب في كلية طب الأسنان في جامعة الأزهر عالقين على مقاعد الدراسة على مدار عامي 2025 و2026، بين كراسي أسنان مدمّرة ومادة تدريبية مؤجلة، لتبقى أثواب التخرج معلقة منتظرين من يمد لهم يد العون.

طبيب مع وقف التنفيذ

زين الدين أبو مصبح، طالب طب أسنان في المستوى الخامس بجامعة الأزهر، كان يرافق أباه الطبيب إلى عيادة الأسنان الخاصة به منذ صغره، يقول لبوابة "الهدف": "كنت أرى كيف تتحول معاناة المريض إلى ابتسامة جميلة بعد العلاج، كبرت وأنا أحلم برسم هذه البسمة على وجوه المرضى لكن بقيت عالقاً على بُعد خطوة من تحقيق حُلمي".

الطالب زين الدين مصبح.jpg
الطالب زين الدين مصبح

كان من المفترض أن يتخرج الطالب زين الدين عام 2025 وفق المنهج الدراسي، إلا أنّ الحرب أدت إلى تأجيل تخرجه، لأسباب يوضحها في حديثه لـ”بوابة الهدف” حول التدريب العملي الذي بات يواجه تحديات كبيرة، أبرزها: “قلة عدد الكراسي المتاحة للطلبة، وعدم توفر المواد المستخدمة في العلاج والتدريب، كما أنّ بعض العيادات التدريبية، مثل عيادات التركيبات، لم تباشر عملها حتى الآن بسبب فقدان المواد اللازمة”.

ويؤكد زين الدين على أنّ الأزمة الحقيقية تتمثّل بانعدام وجود بعض المواد في الأسواق، ما جعل إنجاز المتطلبات العملية أمرًا شبه مستحيل، مُشيراً إلى أنّ تأخير التخرج انعكس على مختلف جوانب الحياة، من فرص العمل إلى الخطط المستقبلية التي بناها الطلبة على مواعيد تخرج محددة.

في القاعة المقابلة، كانت طالبة المستوى الرابع فرح الغرابلي تخوض تجربة التدريب العملي لأول مرة، والتي كان من المفترض أن تتخرج خلال هذه الفترة، إلا أنّ الحرب أخّرتها عن ذلك عامين، علماً أنّها قد أنهت المواد النظرية إلكترونيًا، رغم أزمة الكهرباء والإنترنت، التي أجبرت الكثير من الطلبة على قطع مسافات طويلة للعثور على نقطة اتصال تمكّنهم من حضور المحاضرات وتقديم الامتحانات.

الطالبة فرح الغرابلي.jpg
الطالبة فرح الغرابلي

وتشير الطالبة فرح في حديثها لـ"بوابة الهدف" إلى أنّ أسعار الأدوات الطبية ارتفعت بشكل كبير بسبب صعوبة إدخالها إلى غزة، مؤكدة أنّ ما يزيد الأزمة تعقيدًا هو ندرة هذه الأدوات أو انعدامها بالكامل، مُضيفة: "عدد الكراسي والعيادات التعليمية المتاحة أصبح قليلًا جدًا مقارنة بعدد الطلبة، ما أدى إلى تباطؤ التدريب العملي وتأجيل العديد من الامتحانات. كما تم إلغاء بعض الجولات التدريبية بالكامل، مثل تدريب "التركيبات المتحركة" الخاص بكبار السن، بسبب عدم توفر الأدوات اللازم".

وتختم فرح حديثها بالقول: “إنّ أكثر ما جذبني إلى تخصص طب الأسنان هو القدرة على تخفيف آلام الناس وصناعة ابتسامتهم، لكنّ ظروف الحرب جعلت ممارسة هذا الجانب الإنساني أكثر صعوبة”.

شهادات برسم الحرب

من جهته، أفاد مدير كلية طب الأسنان في جامعة الأزهر د. عبد الله ديب لـ”بوابة الهدف” بأنّ عدد طلبة السنة الخامسة الذين كان من المفترض أن يتخرجوا العام الماضي يبلغ نحو 240 طالبًا، أما الطلبة المتوقع تخرجهم هذا العام فيتراوح عددهم بين 225 و230 طالبًا.

وأوضح د. ديب أنّه قبل الحرب كانت هذه الأعداد مناسبة تمامًا لإمكانيات الكلية، لكن بعد الدمار الذي لحق بالبنية التحتية تغير الوضع بشكل كامل، مشيراً إلى أنّه “في السابق كان الطالب يحضر إلى العيادات التدريبية ثلاثة أيام أسبوعيًا، أما اليوم فأصبح يحضر يومًا واحدًا فقط، ما أدى إلى إبطاء العملية التعليمية وتأخير التخرج".

وصرّح ديب بأنّ جامعة الأزهر خسرت 70 كرسيًا بسبب اجتياح قوات الاحتلال لمحيط الجامعة والقصف المستمر، بالإضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمباني خلال فترات النزوح واستخدام مرافق الجامعة لأغراض أخرى، مضيفاً أنّ “الكلية وضعت خطة لتعويض طلبة المستويين الرابع والخامس بأسرع وقت ممكن وبأقل الإمكانيات المتاحة؛ حتى يتمكنوا من استكمال متطلبات التخرج عبر توزيع ساعات التدريب العملي داخل العيادات باستخدام 25 كرسي فقط مما تم استصلاحه”.

وأردف بالقول: "ما زال الطلبة يواجهون مشكلات كبيرة، أبرزها عدم توفر المواد الخاصة بطب الأسنان، أو توفرها بأسعار مرتفعة جدًا، ما يضطر بعض الطلبة إلى تأجيل مساقات معينة أو استبدالها بأخرى لاستثمار الوقت المتاح"، متوقعاً: "طلبة السنة الخامسة سيتمكنون من التخرج خلال نحو ستة أشهر إذا توفرت المواد والحالات المطلوبة للتدريب، لكنّ الأمر ما زال مرتبطًا بتوفر المستلزمات التي تكاد تكون معدومة في الأسواق".

وتشير أرقام متاجر أدوات طب الأسنان إلى الارتفاع الخيالي في الأسعار وصعوبة توفيرها، حيث يؤكد متجر "Dent-store" على أنّ أسعار بعض المواد ارتفعت من 7 شيكل إلى 400 شيكل ومن 70 شيكل إلى 1000 شيكل.

ويصرّح المسؤول عن المتجر: “كل شي مفقود، وباعتقادي الأدوات المتوفرة غير معروف إن كانت تدخل بشكل قانوني أم لا، لكنّنا نوفر المواد عن طريق أفراد مجهولين يعرضون المواد الطبية للبيع بأسعار كبيرة".

بدورها، أعلنت دائرة العلاقات العامة بجامعة الأزهر أنّها نجحت بتوفير بعض المقومات لاستمرار العملية التعليمية، بما في ذلك الكهرباء وتشغيل المرافق الأساسية، كما تعمل على تقديم مشاريع لدعم الطلبة وتوفير أدوات التدريب المُكلفة عبر المنظمات الصحية الدولية ومنظمات الـNGOs، لتخفيف الحمل عن الطلاب ومساعدتهم لاستكمال مسيرتهم التعليمية والتخرج.

لكنّ مستقبل هؤلاء الطلاب يبقى مرهوناً بمصير الحرب على غزة وما له من تبعات على مفاصل الحياة كافة، وقطاع التربية والتعليم جزء من عيش كثير المرارات يختبره الغزيون في تفاصيلهم الصغيرة التي أحترفوا تدويرها بما يتماشى وسوء الحال وشلال الدم الذي ما توقف يوماً منذ السابع من أكتوبر وما زال، وسيبقى حتى تحرير كامل التراب.