في تصعيد غير مسبوق، كثّفت الحكومة الإسرائيلية الحالية استخدام الأوامر العسكرية كأداة محورية لترسيخ السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية. وكشف تحليل جديد لجمعية بِمكوم – تخطيط وحقوق إنسان" أن إسرائيل أصدرت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ما مجموعه 114 أمرًا عسكريًا لإنشاء أو توسيع أو فصل مناطق نفوذ استيطانية، وهو رقم يوازي تقريبًا إجمالي ما صدر من هذه الأوامر خلال الـ 22 عامًا الماضية مجتمعة".
وبحسب المعطيات، أضافت هذه الأوامر أكثر من 25 ألف دونم إلى مناطق النفوذ التابعة للمستوطنات، ومهّدت الطريق لإقامة 53 مستوطنة؛ منها 39 جديدة بالكامل، و14 نشأت من فصل إداري عن مستوطنات قائمة، إلى جانب 11 حالة توسعة لمناطق نفوذ قائمة.
ورغم أن أوامر مناطق النفوذ نادرًا ما تحظى باهتمام إعلامي واسع، إلا أنها تمثل مرحلة قانونية وتخطيطية مفصلية. فبمجرد ضم أرض إلى نفوذ مستوطنة، تُخصص تلقائيًا للتطوير الإسرائيلي المستقبلي، وتتحول إلى قاعدة لإعداد المخططات العمرانية وبناء البنى التحتية، مما يقيد بشدة أي استخدام فلسطيني مستقبلي لها.
تهجير ثم إحلال استيطاني
رصد التحليل تطورًا لافتًا خلال العام الجاري، يتمثل في تخصيص مناطق نفوذ استيطانية على أراضٍ كانت تقيم عليها تجمعات فلسطينية هُجّرت بفعل ضغوط المستوطنين المتواصلة. وأورد التقرير مثالَي تجمّعي "عين سامية" و"المعرجات الوسطى"، حيث جرى لاحقًا تحديد مناطق نفوذ استيطانية جديدة في المواقع التي أُفرغت من سكانها، مما يفرض عوائق قانونية وتخطيطية صعبة تمنع عودتهم ويحوّل التهجير المؤقت إلى واقع دائم.
كما أشار التحليل إلى أوامر صدرت خلال عام 2026 لتحديد مناطق نفوذ لمستوطنات جديدة في أجزاء من شمال الضفة الغربية لم تعرف وجودًا استيطانيًا من قبل، مما يعمّق تجزئة الحيز الفلسطيني ويحدّ من فرص تطوره العمراني.
سيطرة أحادية الجانب
في المقابل، أوضحت "بِمكوم" أن التجمعات الفلسطينية في المنطقة "ج" لا تزال محرومة من أي مناطق نفوذ تخطيطية مماثلة، وهو ما يكبل قدرة السلطات المحلية على التخطيط والتوسع السكاني وتطوير الخدمات الأساسية. ويُبقي هذا الواقع على فجوة صارخة في إمكانيات الوصول إلى الأرض وتطويرها.
وقال الباحث والمخطط في الجمعية، أساف بيلد: "غالبًا ما يُنظر إلى أوامر مناطق النفوذ باعتبارها إجراءات تقنية، لكنها في الواقع تحدد من يملك القدرة على تطوير الأرض، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يُستبعد منها". وأضاف: "الارتفاع الحاد في عددها منذ أكتوبر 2023 يدل على أنها أصبحت أداة رئيسية في إعادة تشكيل الجغرافيا بالضفة الغربية، وما نشهده اليوم لا يقتصر على التوسع، بل يشمل تثبيت وقائع جديدة على الأرض في مناطق هُجّرت منها تجمعات فلسطينية، مما يجعل عودة سكانها أكثر صعوبة"

