Menu

ياسين وإسراء.. استشهد السلام في وطن السلام

12825565_962384493799020_1765043400_n

غزة _ عبدالله عبيد

في غرفةٍ مشققة الجُدران, مسطّحةً بالأسبست, كغالبية البيوت الغزية التي أنهكها الفقر والحرمان، بدأ الطفلين الشقيقين "أيوب وياسين" أبو خوصة وشقيقتهم إسراء التي لم تكمل ربيعها السادس، من قرية أم النصر شمال القطاع، تجهيز فراشهم للنوم، بعدما انقطاع التيار الكهربائي, فكانت الفاجعة.

أخذ أيوب (12 عاماً) بيد شقيقه الأصغر ياسين ابن العشرة أعوام وخلدا للنوم, "فجأة.. سمعت صوت انفجار ضخم هزّ المنطقة، استيقظت من فراشي كالمجنون أبحث عن مصدر صوت الصراخ بعد عدة انفجارات، تجولت في أنحاء المنزل راكضاً, حتى حطّت قدماي في غرفة أبنائي الأطفال, فكانت الصدمة على وضعية أطفالي التي لم أعتد عليها...".

بداية الحكاية التي وصفها سليمان أبو خوصة (46 عاماً)، والد الشهيدين "ياسين وإسراء" الذين ارتقيا جراء قصف طائرات الاحتلال الصهيوني لشمال قطاع غزة، فجر الجمعة الماضية.

كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية فجراً من يوم الجمعة الماضية، والأجواء غير مستقرّة, فالطائرات الحربية تحلق بين الحين والآخر, دقائق معدودة ثم قالت الطائرات كلمتها بإطلاق عدد من الصواريخ على موقع للمقاومة في الشمال, بذريعة الرّد على ثلاثة صواريخ أطلقت من القطاع تجاه بلداتنا المحتلة, أما عن شظايا الصواريخ, فكانت من نصيب ياسين وإسراء.

أصوات الإنفجارات التي أزعجت سكون الليل, أيقظت أبو خوصة الأب, على صوت صرخات زوجته, يقول "سمعت صراخ زوجتي، والكهرباء كانت مقطوعة كما جرت العادة، والحجارة تتساقط فوق رأسي شيئاً فشيئاً".

أشعل شمعته لتكون دليلاً يوصله لزوجته التي لازالت تصّرخ، فوجدها بغرفة الأطفال تبكي بحرقة، "عندما شاهدت المنظر وقفت مصدوماً، لا أدري ماذا أفعل, فالموت زار بيتنا, لقد كان منظراً لا يطاق".

مشهدٌ درامي ليس بغريب بعد حروب ثلاثة ألقت بحممها على قطاع غزة، حرقت وسلبت ونهبت الأخضر قبل اليابس, "أبنائي كانوا نائمين على الأرض غارقين بدمائهم التي غطّت وجوههم".

صواريخ الطائرات في تلك الليلة, لم ترحم الطفلين ولا أحلامهم البسيطة، لتخطفهم من بين أحضان والديهم, فقدت الأم أعصابها حين رأت فلذات كبدها بهذا المشهد.

"اتصلت بسيارة الإسعاف, لكنها تأخرت بالمجيء، مما دفعني والجيران لحملهم في سيارة من أحد الشوارع وذهبنا بهم الى مستشفى الاندونيسي شمال القطاع" يكمل الأب.

الطفل المدلل "ياسين" صعدت روحه للسماء وهو في طريقه إلى المستشفى، أما إسراء فتم تحويلها من مستشفى الاندونيسي إلى مجمع الشفاء الطبي لخطورة حالتها، وفي عصر اليوم التالي "السبت" لحقت بشقيقها ياسين تاركةً خلفها شقيقها أيوب صابراً على جراحه الطفيفة التي أصيب بها.

يقول ثالثهم أيوب "كان ياسين أخي وصديقي ورفيق دربي, فهو توأم روحي، وكنّا نلعب سوياً وننام على فرشة واحدة، ونذهب سوياً إلى المدرسة", وعلامات الوجع بدت ظاهرة على عينيه, يضيف "رحمهم الله هم الآن بجوار ربهم, سأشتاق لهم كثيراً".

سالت دموع أيوب منهمرةً من عينيه, فما زال مشهد شقيقيه الغارقين بدمائهم حاضراً أمامه.

يعود الوالد سليمان ويكمل, "كانت صدمتنا الكبيرة أيضاً بعد تشييع جثمان ياسين ونحن بعزائه، عند اتصال المستشفى بأن إسراء الأخرى قد استشهدت لتلحق بأخيها".

وبنظرة حنينٍ واشتياق يختم أبو خوصة حديثه لـ "بوابة الهدف", " احتسبهم شهداء عند الله مع النبيين والصديقين".

حينما تذهب لغرفة أطفالها يوماً ما, لن تقبّل من الثلاثة إلا واحداً قبل النوم، وتقوم بتغطيته خوفاً من نسمات صقيعٍ تسللت جدران الغرفة، أو من شظايا صاروخٍ حرمها شقاوة أطفالها البريئة.