حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الخميس، من "مسار بالغ الخطورة" يهدف إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية وشل قدرتها على ممارسة اختصاصها، وذلك في ظل تواتر إعلانات الانسحاب من نظام روما الأساسي من دول مثل تشاد وفنزويلا، بالتزامن مع حملة أميركية علنية لفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة، وامتناع دول أوروبية أطراف عن التعامل الجدي مع مذكرات التوقيف الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين.
وأعرب المرصد عن قلقه البالغ إزاء إعلان حكومة تشاد بدء إجراءات الانسحاب، بعد أيام من إعلان فنزويلا إخطار الأمم المتحدة بقرارها المماثل، وذلك عقب إخطارات سابقة من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، ما يكشف عن اتساع مقلق للتوجه نحو الانسحاب داخل القارة الإفريقية وخارجها.
وأشار المرصد إلى أن لتشاد دوراً محورياً في ملف التحقيقات المتعلقة بإقليم دارفور، نظراً لحدودها المباشرة مع الإقليم واستضافتها للاجئين والناجين والشهود، مؤكداً أنه رغم أن الانسحاب لا يلغي اختصاص المحكمة قانونياً في جرائم دارفور، فإنه قد يعرقل جهود الوصول إلى الضحايا والأدلة وتنفيذ طلبات التعاون المتبادلة.
كما شدد على أن خطوة فنزويلا تكتسب خطورة خاصة، كونها تأتي في خضم تحقيق قائم للمحكمة في جرائم ضد الإنسانية يُشتبه في ضلوع أفراد من أجهزة أمن الدولة وسلطات مدنية فيها منذ أبريل 2017، مما يثير مخاوف من تحوّل الانسحاب إلى أداة لعرقلة المساءلة.
حملة أمريكية منهجية وترحيب بالانسحابات
ونبّه المرصد إلى أن الترحيب الأمريكي بانسحابي فنزويلا وتشاد لا يمكن فصله عن الحملة المنهجية التي أعلنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لتفكيك المحكمة، إذ رحبت واشنطن بقرار فنزويلا في 25 يوليو/تموز 2026، ثم بقرار تشاد في 27 من الشهر نفسه، عقب إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو في 13 يوليو/تموز إطلاق حملة أميركية رسمية لتفكيك المحكمة.
وأوضح المرصد أن فرض واشنطن عقوبات مالية وقيود سفر على المدعي العام وقضاتها ونوابه، بسبب عملهم في ملفات تتعلق بمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، يمثل تدخلاً سافراً في استقلال القضاء الدولي، وترهيباً للعاملين في المحكمة، وعرقلة لوصولها إلى الموارد المالية والتقنية، وتكريساً لسابقة تتيح للدول القوية معاقبة القضاء الدولي كلما اقترب من مسؤوليها أو حلفائها.
انتقادات أوروبية: تسهيل تنقل نتنياهو رغم مذكرة التوقيف
وفي سياق متصل، اعتبر المرصد أن سماح اليونان وإيطاليا وفرنسا لطائرة حكومية تقل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعبور أجوائها خلال توجهه مؤخراً إلى الولايات المتحدة، رغم أن الدول الثلاث أطراف في نظام روما وتعلم بوجود مذكرة توقيف نافذة بحقه، يُثير تساؤلات جدية بشأن اتساق هذا السلوك مع التزامها بالتعاون بحسن نية مع المحكمة.
وأكد المرصد أن منح الطائرة إذناً مسبقاً بعبور الأجواء لم يكن إجراءً مفروضاً، بل قراراً سيادياً كان بوسع هذه الدول رفضه، مما سهّل تنقل شخص مطلوب للاشتباه بمسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وكشف عن تناقض فجّ بين التزامات هذه الدول وإعلاناتها الدعم للمحكمة من جهة، وقراراتها الفعلية التي تساعد المطلوبين على تجنّب خطر التوقيف من جهة أخرى.
وشدد على ضرورة أن تقدّم هذه الدول توضيحات قانونية للأساس الذي استندت إليه في منح إذن العبور، واعتماد بروتوكولات قاطعة تمنع تسهيل تنقل المطلوبين وتضمن توقيفهم الفوري وتسليمهم إلى المحكمة في حال دخولهم أراضيها.
إقالة المدعي العام لا تؤثر على صحة مذكرات التوقيف
وفيما يتعلق بملف المدعي العام كريم خان، أوضح المرصد ضرورة الفصل التام بين إجراءات المساءلة المتعلقة بسلوكه الشخصي والمهني، وبين التحقيقات والقرارات القضائية الصادرة عن دوائر المحكمة، مشدداً على أن مذكرتي توقيف نتنياهو وغالانت لم تصدرا عن المدعي العام بصفته الشخصية، بل عن دائرة تمهيدية مستقلة خلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما الجنائية.
وأكد أن إقالة خان لا تمس الاستمرارية القانونية والمؤسسية لعمل المحكمة، ولا تلغي التحقيقات الجارية أو مذكرات التوقيف النافذة، بما فيها التحقيقان في وضعي فلسطين وفنزويلا، كما لا تعفي الدول الأطراف من واجب التعاون الكامل مع المحكمة.
أثر الانسحابات قانونياً ودعوات للتراجع
وحول الأثر القانوني للانسحابات، أوضح المرصد أن إعلاني تشاد وفنزويلا لا يترتب عليهما خروج فوري من نظام روما، إذ تنص المادة 127 منه على أن الانسحاب لا يصبح نافذاً إلا بعد عام من تاريخ تسلّم الأمين العام للأمم المتحدة الإخطار الكتابي، وتظل الدولتان حتى ذلك الحين ملزمتين بجميع واجباتهما القانونية، بما فيها التعاون مع المحكمة.
ودعا المرصد حكومات تشاد وفنزويلا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو إلى التراجع عن قرارات الانسحاب، ومواصلة الوفاء بالتزاماتها، والعمل من داخل جمعية الدول الأطراف لإصلاح المحكمة بدلاً من إضعاف منظومة العدالة الجنائية الدولية.
كما حثّ الولايات المتحدة على وقف حملتها وإلغاء العقوبات، ودعا الدول الأوروبية إلى تحويل دعمها المعلن للمحكمة إلى إجراءات عملية برفض استقبال المطلوبين أو تسهيل تنقلهم، وتنفيذ مذكرتي توقيف نتنياهو وغالانت من دون انتقائية.
وطالب المرصد بضمان عملية شفافة ومستقلة لاختيار مدعٍ عام جديد، وتفعيل الولاية القضائية الوطنية وفق مبدأ الاختصاص العالمي، لتوسيع مسارات المساءلة وعدم حصرها في المحكمة الجنائية الدولية وحدها.

