الثلاثاء الحمراء، 17 حزيران/ يونيو 1930، يوم من أيام الشعب الفلسطيني المجيدة المحفورة في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. يوم لا يُنسى. لقد شكل ذلك اليوم علامة فارقة في تاريخ الشعب الفلسطيني، ومحطة هامة من محطات النضال المتواصل منذ ما يزيد على مائة عام. في ذلك اليوم، كتب الفلسطينيون بالدم، صفحات من إصرارهم على التمسك بأرضهم، وبحقهم في الإستقلال. ذلك التاريخ ملئ بالدروس وحافل بالعبر، لمن يريد ان يتعلم أو يعتبر. أيضاً ملئ بالمفارقات والتناقضات، كما هو ملئ بالبطولات والإخفاقات. اليوم بعد ستة وتسعون عاماً، ما زالت الأحداث تتوالى، وتُعيد نفسها، بشكل أو بآخر. وما زالت الإخفاقات والنكبات تتكرر. غير أن الشعب الفلسطيني بكل فئاته، لم يتراجع، ولم يستسلم. ما زالت القدس في واجهة الصراع حتى اليوم، بالإضافة إلى قضية اللاجئين وحق العودة. لقد ظل الفلسطيني طوال العقود الماضية متمسكاً بحقوقه الوطنية، ومدافعاً عنها، باذلاً الغالي والنفيس في سبيل ذلك. في المقابل، ما زال اليهود الصهاينة يزدادون تطرفاً وعنفاً وعدوانية، إلا أن مشروعهم الاستيطاني الإحلالي لم يستقر بعد، ولن يستقر أو يكتمل بالرغم من القوة العسكرية الفتاكة التي يمتلكونها، وبالرغم من حرب الإبادة المستمرة والدعم الأمريكي المتواصل. والعلامة الفارقة والمضيئة في هذا التاريخ، هو أن الشعب الفلسطيني ما زال يُقاوم، ويُقدم التضحيات الجسام بذات الزخم إن لم يكن أكثر، وما زال يُقدم الشهداء والجرحى، الواحد تلو الأخر، دون كلل أو ملل متقدماً على مختلف قياداته منذ ذلك التاريخ حتى هذا اليوم. ستة وتسعون عاماً متواصلة من النضال، ضد الإستعمار البريطاني ومحاولات إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين وفقاً لوعد بلفور المشؤوم، وضد الكيان الصهيوني نفسه الذي نشأ بمساعدة بريطانيا وأمريكا وبعض الدول العربية، وما زال مستمراً بدعمهم حتى هذا اليوم. في ذلك اليوم المجيد، قال الشاعر الشعبي المناضل نوح إبراهيم:
نادى المنادي يا ناس إضرابِ، يوم الثلاثة شنق الشبابِ،
أهل الشجاعة عطا وفؤادِ، ما يهابوا الردى ولا المنونا
أعدمت السلطات الإستعمارية البريطانية، وبإصرار شنقاً حتى الموت، كل من عطا أحمد الزير (1895 - 1930) من الخليل، ومحمد خليل جمجوم (1902 - 1930) من الخليل، وفؤاد حسن حجازي (1904 - 1930) من صفد، في سجن القلعة بمدينة عكا. تجدر الإشارة إلى أن الشهيد عطا الزير كان عاملا زراعياً، بينما الشهيدين محمد جمجوم وفؤاد حجازي كانا قد أكملا دراستهما وتخرجا في الجامعة الأمريكية في بيروت. لقد شارك الشهداء الثلاثة مع آلاف الفلسطينيين في مقاومة الإستعمار البريطاني وفي ثورة البراق عام 1929. واجه الشهداء الثلاثة الموت برباطة جأش منقطعة النظير، وصفها الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم طوقان بقصيدة مؤثرة عنوانها الثلاثاء الحمراء:
وطن يسيرُ إلى الفناءْ بلا رجاءْ - والداءُ ليس لهُ دواءْ إلاّ الإباءْ
منذ ذلك اليوم، ظلت هذه الثلاثاء، وسيرة اولئك الشهداء الثلاثة، علامة مضيئة في مسيرة الشعب الفلسطيني النضالية، ونبراساً يهتدي به المناضلين من كل الفئات، عمال وفلاحين وطلاب ونساء. غير أن المُحزن في الأمر، أن المأساة تتكرر كل يوم. التضحيات تتراكم، والشهداء ما زالوا يتسابقون للشهادة، دفاعاً عن الوطن، ودفاعاً عن الأرض، وعن حق العودة، وكافة الحقوق الوطنية. يتسابق الشهداء من كافة الفئات العمرية والاجتماعية، مستخدمين ما تيسر من الأدوات البسيطة، كالطعن بالسكين، أو الدهس بالسيارات، أو الرشق بالحجارة. أمّا الزعماء والوجهاء واللاهثون وراء المناصب والإمتيازات والـ (VIP)، ما زالوا من ذات النوعية التي تقود الشعب من إخفاق إلى آخر، ومن تنازل إلى آخر، ويزدادون فشلاً، وجبناً وتخاذلاً.
لقد كان إعدام الشهداء الثلاثة محصلة لأحداث كثيرة جرت قبلها. وكأن سلطات الإحتلال البريطاني أرادت بذلك الجُرم أن تُخيف الشعب الفلسطيني وتردعه عن مقاومة الإحتلال ومخططاته لإنشاء الكيان الصهيوني. وفي هذا المقام، يُمكن القول ما أشبه اليوم بالبارحة. وما يحصل اليوم في غزة، والضفة الغربية، وساحات المسجد الأقصى في القدس، هو تماماً ما حصل في ذات المكان قبل ستة وتسعون عاماً، أو ما بات يعرف بثورة البراق، نسبةً إلى حائط البراق، أو الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف. ذلك المكان الذي يزعم اليهود أنه حائط المبكى، والجدار المتبقي من الهيكل المزعوم. في ذلك التاريخ، 15 آب/ أغسطس 1929 (والذي صادف يوم 9 آب/آف من عام 5689 حسب التقويم العبري، ذكرى خراب الهيكل المزعوم)، وقعت مواجهات عنيفة ودموية بين أبناء الشعب الفلسطيني وحشود المستوطنين المتطرفين، من أتباع الإرهابي زئيف جابوتنسكي (1880 - 1940)، والقوات البريطانية عند حائط البراق، وذلك عندما احتشد المستوطنين أمام الحائط الغربي، بحماية الشرطة البريطانية، يطالبون بملكية الحائط ويهتفون بنشيد الحركة الصهيونية. تجددت المواجهات العنيفة في اليوم التالي، الجمعة 16 آب/ أغسطس 1929، وفي يوم الجمعة الذي تلاه (23 آب/ أغسطس 1929) والذي صادف ذكرى المولد النبوي الشريف. كان الفلسطينيون مسلحين بالعصي والهراوات والسكاكين، وما زالوا كذلك إلى اليوم. بينما قامت قوات الإحتلال البريطاني بإطلاق النار على المتظاهرين الفلسطينيين مُنزلة بهم اصابات عديدة. على الأثر عمّت المظاهرات ضد الإنجليز واليهود كافة المدن الفلسطينية، في صفد ونابلس وعكا وجنين وطولكرم و غزة وغيرها. لقد فقدت سلطات الإحتلال البريطاني، والمجلس الإسلامي الأعلى، السيطرة على المتظاهرين، واستمرت الاضطرابات حتى نهاية شهر آب/ أغسطس 1929. في تلك الأثناء وقع الزعماء الفلسطينيين في ذلك الوقت، الحاج أمين الحسيني (1895 - 1974)، وراغب النشاشيبي (1883 - 1951)، وموسى كاظم الحسيني (1853 - 1934) بيانا تنصلوا فيه من الأعمال التي اقدم عليها المتظاهرون. وعليه، قامت القوات البريطانية باعتقال آلاف المواطنين الفلسطينيين، وزجت بهم في السجون، وقدمت للمحاكمة نحو تسعمائة (900) شخص فلسطيني؛ وصدر الحكم النهائي بإعدام 26 فلسطينياً، وتم تنفيذ جريمة الإعدام بحق الأبطال الثلاثة عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي يوم الثلاثاء 17 حزيران/ يونيو 1930 في سجن القلعة في عكا. قبل ليلة الإعدام، كتب الشهداء رسالة مؤثرة، جاء فيها:
"... نتوجه بالرجاء إلى جميع الفلسطينيين، ألا تُنسى دماؤنا المهراقة، وأن نتذكر أننا قدمنا عن طيبة خاطر، أنفسنا وجماجمنا لتكون أساسًا لبناء استقلال أمتنا وحريتها وأن تبقى الأمة مثابرةً على اتحادها وجهادها في سبيل خلاص فلسطين من الأعداء. وأن تحتفظ بأراضيها فلا تبيع للأعداء منها شبرًا واحدًا، وألا تهون عزيمتها وألا يضعفها التهديد والوعيد، وأن تكافح حتى تنال الظفر. ولنا في آخر حياتنا رجاء إلى ملوك وأمراء العرب والمسلمين في أنحاء المعمورة، ألا يثقوا بالأجانب وسياستهم... وختامًا نرجو أن تكتبوا على قبورنا: "إلى الأمة العربية الاستقلال التام أو الموت الزؤام وباسم العرب نحيا وباسم العرب نموت".
حتى اليوم لم يستقر المشهد الدموي في القدس. ما زال المجرمون أتباع الإرهابي جابوتنسكي وأحفادهم، مهما تعددت أسمائهم، إلى اليوم يحاولون إحتلال المسجد الأقصى وإزالته، من أجل إقامة الهيكل المزعوم. مات جابوتنسكي وكثير من تلامذته المخلصين، وما زال أتباعه من بعده يحاولون إكمال أوهامهم، إلا أنها باءت بالفشل حتى الآن بسبب صمود الشعب الفلسطيني. ما زال الأقصى في مكانه، وما زال الفلسطينيين يقاومون بنفس الأدوات البسيطة المتوفرة، ويغيرون مجرى التاريخ. غير أن أحداث آب/ أغسطس 1929 بينت حقيقة جُبن الوجهاء والزعماء الفلسطينيين التقليديين آنذاك، وعدم قدرتهم على قيادة الجماهير في الصراع ضد الصهيونية والسياسة البريطانية في فلسطين. كما كشفت الأحداث عقم النهج الذي تتبعه القيادة السياسية الفلسطينية لتحقيق الأهداف الوطنية حتى اليوم. في الواقع، تجاوزت الجماهير الفلسطينية ذلك النهج العقيم، ولم تتصرف وفقاً لإرادة القيادة التي تخاذلت وعارضت أعمال الثورة، ولم يردعها بطش الإحتلال. اليوم، تظهر القيادة الحالية على أسوأ ما تكون، ما زالت على ذلك النهج العقيم تقود الشعب الفلسطيني من إخفاق إلى أخر، ومن هزيمة إلى أخرى، غير أنها تجاوزت ما قام به قادة تلك المرحلة بأشواط كثيرة. فالقيادات الحالية، أو لنقل معظمها، ما زالت متمسكة بنهج الإنقسام الوطني، وبالتنسيق الأمني مع سلطات الإحتلال، وأكثر من ذلك تقوم بالوشاية بالمناضلين وتسليمهم لسلطات الإحتلال فيتم إغتيالهم أو إعتقالهم. ومن المفارقات الملفتة للنظر، أن فؤاد حسن حجازي، الذي كان أصغر الشهداء الثلاثة هو من مدينة صفد مسقط رأس رئيس السلطة الفلسطينية، الذي صرح علناً إلى وسائل الإعلام الصهيونية إلى أنه لن يعود إلى مسقط رأسه. في مرثيته الملحمية، أكمل الشاعر الشعبي المناضل نوح إبراهيم:
ثلاثة ماتوا موت الأسودِ
وجودي يا امي بالعطا جودي
علشان هالوطن بالروح نجودِ
ولاجل حُريتُه بيعلقونا

