انهمرت الدموع من عيون أهالي شهداء عائلتي أبو شريعة والحساينة، بعدما ظلت حبيسة طوال أكثر من عامين ونصف، عقب انتشال رفات 112 شهيدًا من تحت الركام، إثر المجزرة التي ارتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" بحق العائلتين، والتي بقيت رفات ضحاياها عالقة تحت الركام طوال هذه الفترة، قبل أن تتمكن الطواقم المختصة من الوصول إلى بقايا الشهداء وإعادتهم إلى ذويهم.
وانتظرت العائلتان طويلًا لحظة وداع أبنائهما وأحبائهما، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الفقد بالوجع، وعادت معه تفاصيل مجزرة جماعية طالت عائلتين كاملتين، وتركت خلفها أسئلة موجعة حول مصير المفقودين الذين لا تزال آثارهم غائبة بين الأنقاض، بانتظار من يكشف مصيرهم ويعيد أسماءهم إلى ذويهم.
مجزرة دموية ووداع مؤجل
وفي مجزرة بشعة ارتكبها الاحتلال في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ارتقى 308 فلسطينيين، بينهم 40 طفلًا و30 امرأة و7 من ذوي الإعاقة، فيما لا يزال 157 شخصًا في عداد المفقودين.
وقبل أيام، أنهت طواقم الدفاع المدني في غزة عمليات بحث وانتشال استمرت نحو 136 ساعة، تمكنت خلالها من انتشال 112 شهيدًا من تحت الركام، فيما لا تزال عائلات أخرى تترقب معرفة مصير 157 مفقودًا لم يُكشف عن مصيرهم حتى الآن.

وخلال مراسم التشييع، اصطفت الجثامين الملفوفة بالأكفان البيضاء، تعلوها أعلام فلسطين، فيما انطلقت زغاريد النساء من بين هياكل البيوت المحيطة العالقة في الحناجر منذ أشهر، لترافق الشهداء في وداعهم الأخير.
ونثرت أخريات حفنات من الأرز والورد على الأكفان العابرة، في طقس وداعٍ اختطفته الحرب قبل أشهر، وأعادت هذه اللحظة استحضاره طقوس الوداع في مشهد أعاد إلى ذاكرة الفلسطينيين صور الفقد والمجازر التي عاشوها خلال الحرب.
عاش المشيعون وداعًا ثقيلًا لأبناء عائلتين غيّبهما الركام، بعد انتظار طويل لمعرفة مصيرهم، بين ألم الفقد ووجع الغياب والأسئلة التي ما زالت معلّقة حول المفقودين.

مختار أبو شريعة.. وجع الانتظار وذاكرة المجزرة
يقف جدوع أبو شريعة مختار العائلة، وسط مشهد التشييع مثقلًا بوجع سنوات طويلة من الانتظار، مستعيدًا تفاصيل المجزرة التي حوّلت منزل العائلة إلى ركام، وغيّبت عشرات الأحبة في لحظة واحدة.
بالنسبة له، مثّلت عملية انتشال الرفات أكثر من مجرد نهاية لمرحلة من البحث، وإنما عودة لجرح بقي مفتوحًا منذ لحظة القصف، حين فقدت العائلة أبناءها وبقيت أسئلة كثيرة معلّقة حول مصير من لم يُعرف مكانهم حتى اليوم.

يقول أبو شريعة في حديثه إلى "بوابة الهدف" إنّ العائلة عاشت طوال الفترة الماضية بين نارين؛ نار الفقد الذي لا يحتمل، وألم الانتظار الذي أثقل قلوب الأهالي، وظل كثيرون يتشبثون بأي أمل لمعرفة مصير أبنائهم وأقاربهم.
ويضيف أنّ رؤية الرفات بعد هذا الزمن الطويل أعادت مشاهد المجزرة إلى الذاكرة، بعدما ظلت تفاصيلها حاضرة في كل يوم عاشته العائلة منذ ذلك التاريخ.
ويشير إلى أنّ تشييع الشهداء منح العائلة فرصة لوداع من حُرموا من وداعهم في اللحظات الأولى، لكنه في الوقت ذاته أعاد فتح الأسئلة حول المفقودين الذين ما زالوا تحت الركام، مؤكدًا أن الألم لا ينتهي ما دام هناك من ينتظر معرفة مصير أحبائه.
ويتابع مختار العائلة أنّ ما حدث يتجاوز فقدان أفراد فقط، إذ إن المجزرة طالت عائلة كاملة وتركت خلفها فراغًا كبيرًا في حياة من بقوا، بين بيوت فقدت أصوات أصحابها، وذكريات بقيت مرتبطة بأسماء غابت تحت الأنقاض.
ويؤكد أبو شريعة أنّ عائلته، كما عائلات أخرى في قطاع غزة، لا تطالب سوى بكشف الحقيقة ومعرفة مصير جميع المفقودين، حتى يتمكن ذووهم من دفنهم ووداعهم بما يليق بهم، وإنهاء سنوات طويلة من الانتظار والقلق.

طفولة تحمل ثقل الفقد
وبين المشيعين، يلوّح الطفل عمر أبو شريعة، البالغ من العمر الرابعة عشرة، بيده مودّعًا أعمامه وأبناء عمومته وعشرات أفراد عائلته الذين غيّبهم القصف، في مشهد تختصر فيه طفولةٌ فقدت الكثير من وجوهها القريبة حجم المأساة التي عاشتها العائلة.
ويستعيد عمر الساعات الأخيرة التي سبقت المجزرة، حين تنقّل المئات من أفراد العائلة بين المنازل بحثًا عن مكان آمن يقيهم من القصف، قبل أن تطالهم النيران، ويُكتب فصل جديد من الفقد في حياة عائلة وامتد وجعها بين الشهداء الذين فقدتهم ومن ينتظرون معرفة مصير المفقودين.
فاجعة عائلة كاملة.. وجع لم ينتهِ بالانتشال
أما محمد الحساينة، أحد أعضاء مجلس العائلة، فيحمل في حديثه صورة أكثر قسوة عن حجم المجزرة، إذ يكشف أنّ الفاجعة لم تقتصر على فقدان أفراد، وإنما امتدت إلى عائلة كاملة فقدت أطفالها ونساءها ومسنّيها وأشخاصًا من ذوي الإعاقة، في مشهد يجسد حجم الدمار الإنساني الذي خلّفه القصف.
ويقول الحساينة لـ "الهدف" إنّ أكثر ما يؤلم العائلة ليس فقط عدد الشهداء، وإنما تفاصيل اللحظات الأخيرة التي عاشها الضحايا قبل انقطاع أخبارهم تحت الركام، متسائلًا عن سبب استهداف المدنيين العزّل، ومطالبًا الجهات الحقوقية والدولية بفتح تحقيق عاجل في المجزرة، ومحاسبة المسؤولين عنها.
ويوضح أنّ يوم التشييع أعاد للعائلة وجع الفقد بكل تفاصيله؛ فرغم أن عودة الرفات أنهت جزءًا من معاناة الانتظار، فإنها فتحت في الوقت ذاته جرحًا جديدًا، بعدما واجه الأهالي حقيقة فقدان أحبائهم، بينما لا تزال أسماء أخرى معلّقة بانتظار كشف مصيرها من تحت الأنقاض.
136 ساعة من الحفر والانتشال رغم شحّ المعدات
ورغم الإمكانات المحدودة لطواقم الدفاع المدني، وشح المعدات اللازمة للتعامل مع حجم الدمار الهائل، واصلت فرق الإنقاذ عملها في البحث بين الركام وانتشال الشهداء، في مهمة حملت جانبًا إنسانيًا مؤلمًا إلى جانب صعوبتها الميدانية، إذ لم تقتصر مهمتهم على إخراج الجثامين من تحت الأنقاض، وإنما امتدت إلى محاولة إعادة الأسماء إلى أصحابها بعد أن غيّب الركام ملامحهم.
ويروي المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل لـ "بوابة الهدف" تفاصيل الساعات الطويلة التي قضتها الطواقم في موقع المجزرة، والجهود المبذولة للوصول إلى الشهداء وإعادتهم إلى ذويهم.
ويقول بصل إنّ "طواقم الدفاع المدني عادت إلى موقع المجزرة في 13 يوليو/تموز الماضي لمواصلة عمليات البحث والانتشال، واستمرت مهمتها حتى الأول من أغسطس/آب، بواقع 17 يومًا من العمل الميداني ونحو 136 ساعة من عمليات الحفر والانتشال، تمكنت خلالها من انتشال 112 جثمانًا من أصل 153، فيما لا يزال 41 جثمانًا لم يُعثر لها على أثر حتى الآن".
ويشير إلى أنّ مأساة الطواقم لم تنتهِ عند إخراج الشهداء من تحت الركام، إذ بدأت بعدها مهمة أكثر قسوة تمثلت في محاولة التعرف إلى أصحاب الجثامين وإعادة أسمائهم إلى ذويهم، بعدما غابت ملامحهم بفعل أشهر طويلة قضوها تحت الأنقاض، مبينًا أن العائلات اضطرت إلى البحث عن أدق العلامات والقرائن للتعرف إلى أبنائها.
ويؤكد بصل أنّ هذه الجثامين لم تكن أرقامًا تُضاف إلى قوائم الضحايا، وإنما قصص حياة كاملة حُرمت من لحظة الوداع، مشددًا على أنّ استمرار نقص المعدات والإمكانات يعرقل استكمال عمليات البحث عن الضحايا الذين لا يزالون تحت ركام المنازل المدمرة في قطاع غزة.
تشييع استثنائي يكشف حجم الفاجعة
بدوره، يصف مسؤول لجنة العشائر في قطاع غزة علاء العكلوك التشييع بأنّه "الجنازة التاريخية الأكبر في التاريخ الحديث"، مؤكدًا أنّ حجم المأساة التي كشفتها جثامين الشهداء يعكس فداحة ما تعرضت له العائلات الفلسطينية خلال الحرب.
ويؤكد العكلوك لـ "الهدف" أنّ إنهاء مأساة غزة يبدأ بوقف التجويع ورفع الحصار، والسماح بإدخال المعدات اللازمة لاستكمال عمليات البحث وانتشال من تبقوا تحت الأنقاض، وإكرام الشهداء الذين لا تزال أجسادهم عالقة بين الركام.
ويبين أنّ المسؤولية تقع اليوم على عاتق المجتمع الدولي للتحرك وتحمل مسؤولياته تجاه ما يجري في القطاع، قائلًا: "الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي، ليقوم بدوره ويتحمل مسؤوليته تجاه الاعتداءات المستمرة التي لا يزال جيش الاحتلال يقوم بها، ضاربًا بالاتفاقات والوساطات عرض الحائط".
تبقى مجزرة عائلتي أبو شريعة والحساينة شاهدًا على حجم الفقد الذي خلّفته الحرب على غزة، فخلف كل جثمان انتُشل من تحت الركام قصة إنسان حُرم من الوداع، وخلف كل مفقود عائلة ما زالت تنتظر معرفة مصيره وإنهاء سنوات من الألم والغياب.

