Menu

غسان الأديب الإنسان..

الهام الحكيم

نشر في مجلة الهدف العدد (85) (1559)

ما أن يُذكر اسم غسان كنفاني حتى أستذكر عودة خالتي إلى حيفا - فور حصولها على جنسية غربية - ومحاولتها زيارة بيت العائلة واصطدامها بالرفض المطلق من الصهاينة القاطنين في الطوابق الثلاثة وهم من جنسيات مختلفة.. بعد تكرار المحاولة سمحت لها العائلة البولونية المستوطنة لبيت جدي بالدخول لربع ساعة فقط ! وكانت هذه المدة كفيلة باسترجاع ذكريات الماضي العائلي الجميل، خاصة مع إبقاء البيت على حاله مثلما تركوه عند اللجوء عام 1948.. أبوابه ونوافذه الخشبية وأرابيسك الكراسي والتخوت.. البراويز المعلقة على الجدران مع تبديل الصور الحقيقية بأخرى مزيّفة.. حتى أواني المطبخ النحاسية المنقوش عليها أسماء جدي وستّي وأمي وأخوالي وخالاتي وتواريخ الولادة حسب شهادات الميلاد في حيفا.. جالت في البيت بروحها وكل حواسها وانتهت ربع الساعة وكأنها ثواني.. أحسّت بالدوار وهي تغادر نحو الباب الخارجي للبناء وهو الوحيد الذي تم استبداله بآخر حديدي.. أحكمت قبضتها على المفتاح الذي يرمز لحق العودة للديار والممتلكات المغتصبة، شعرت بنداء خفي، التفتت جهة الصوت بالحاكورة وإذ بالشجرة " حيفا " تهمس لها: أنا عرفتك.. أنت ولدت هنا.. وقت التهجير القسري ركضت مع أهلك هرباً من الموت.. شعرت بنبضاتك متل نبضات أبوك اللي زرعني بكل محبة وحنّية.. أزعجتني الدموع على خدودك وزادتني تمسكاً بعروبتي.. تأكدي أن جذوري راسخة بالأرض الفلسطينية ونرحب فيك ببيت العيلة.. عمري أكتر من عمر الاحتلال ورافضة أتأقلم مع أي أحد من المحتلين الأغراب .. احملي معك هدية من ترابي والزعتر اللي مرافقني، ولا تنسي تزوري جامع جدك " الحج عبدالله أبو يونس " وتصلّي فيه وتدعي بالعودة القريبة بإذن الله..

كان لابد لي من هذه المقدمة الواقعية التي سبق وخطّها الأديب الشهيد غسان كنفاني عبر قصة " عائد إلى حيفا “، والذي كان سبّاقاً باستشراف المستقبل فقد تخيّل عودة " سعيد وصفية " إلى حيفا بعد 20 سنة من اللجوء لرؤية واسترجاع ولدهم المفقود " خلدون " الذي ربّته عائلة صهيونية أبقت على كل تجهيزات المنزل الفلسطيني لكنها جعلت من طفلهم جندياً صهيونياً اسمه " دوف " وعبّر خلال لقائه بوالديه الحقيقييْن عن استعداده لمواجهة شقيقه الفدائي " خالد " وقتْله إن رآه!

  لم يكتفِ كنفاني بكتابة " عائد إلى حيفا " بل كتب الحكايات الشعبية والتراثية والمجموعات القصصية الموجهة للكبار والصغار، فقد احتفظ بداخله بـ " غسان الطفل" رغم خسارة طفولته إثر النكبة واللجوء مع أهله من عكا.. رافقه حلم العودة إلى الوطن وآثر نقل حلمه عبر الورق على أمل التحقيق.. وقد أهدى ابنة أخته " لميس " في عيد ميلادها الثامن قصة " القنديل الصغير " التي كتب لها: "بعد كل هذه السنين يبدو لي أني عرفت من أنا أخيراً، من أنا وأين طريقي.. ولذلك فإنني لن أستطيع أن أكتب لك شعراً لأنني لست شاعراً.. ولا مقالاً لأنني لست كاتب مقال.. وكي أحافظ على وعدي لك وهديتي إليك قررت أن أكتب لك قصة، فمهمتي أن أكتب قصة.. وسوف أكتب لك واحدة اسمها القنديل الصغير، تكبر معك كلما كبرت “.. أهداها القصة، ومن خلالها لكل أطفال فلسطين الذين كتب لهم وعنهم راسماً خط العودة إلى فلسطين معتبراً "الوطن هو أن يعيش الأطفال طفولتهم ويكبروا مع عائلاتهم على أرض واحدة في بيت واحد وأن ينسجوا أحلامهم الصغيرة من دون خوف “.. وكان يؤمن بأن الجيل الجديد من أطفال فلسطين سيحقق حلم العودة باعتباره أمر حتمي يستوجب استمرار النضال لتحقيقه وكان يردد: "الأطفال هم مستقبلنا "..

 اعتادت لميس على تلقّي الهدية السنوية من خالها فقد كانت صديقته وملهمته وأسست لنفسها مكتبة قصصية من تأليفه وإهدائه.. من أبرز كتبه "أطفال غسان كنفاني و القنديل الصغير، أرض البرتقال الحزين، شجرة الليمون الصغيرة، عائد إلى حيفا، أم سعد، رجال في الشمس، ما تبقى لكم، العاشق، موت سرير رقم 12، عالم ليس لنا، القميص المسروق، عن الرجال والبنادق، في الأدب الصهيوني و غيرها " وقد آثر أن تكون كل كتاباته مرآة للواقع والذاكرة التي تحمل مأساة الوطن، رافقته لميس معظم أوقاته إلى أن استشهدا سوية بتفجير صهيوني غادر عام 1972 وعمرها لم يتجاوز 18 عاماً..

- نظراً لتميّز قصص الأديب غسان كنفاني - وطنياً وإنسانياً - اختارت وزارة التربية السورية مجموعة منها وجمعتها في كتاب " القصة القصيرة " و خصصت لها حصة عشرات الأعوام لمختلف الصفوف لكن النظام الجائر حذفها من المناهج في العام الدراسي 2011 -2012 بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية ضده ...

الأستاذ الإنسان ...الأديب والفنان:

كان لتدريس غسان كنفاني مادة الرسم في مدارس " الأونروا " في دمشق بين الأعوام 1952 و1955 تأثير كبير على شخصيته حيث صقل وعيه السياسي والأدبي والفني نتيجة الاحتكاك اليومي بأبناء المخيمات، أصبح أكثر التصاقاً بالتلاميذ.. تعرّف على معاناتهم وتأثير اللجوء عليهم لهذا لم يمارس دوره كمدرس فقط بل كان مرشداً تربوياً بمبادرة ذاتية خاصة وأن الإدارة كانت تمنح المدرس هامشاً من الثقة والاحترام، لم يتقيد بالرسم التقليدي بل أعطى التلاميذ حرية اختيار ما يودون رسمه بقوله لهم:" درْس الرسم.. معرض فلسطين للرسم والأشغال “، وظّف الفن والأدب لترسيخ الهوية الوطنية لديهم، كما نشأت لديه ملكة الكتابة من خلال الغوص بدواخلهم والتعرف على معيشتهم ونفسياتهم عبر رسومهم.. مارس إنسانيته بصدق فنشأت بينه وبين التلاميذ علاقة تفاعلية مميزة تجسدت لاحقاً في كتاباته وخطوطه وتجلى بعضها في قصة القنديل الصغير التي كتبها وزيّنها برسومه الملوّنة البسيطة والواضحة..

شهادة حية:

التقيت أحد المناضلين - كان تلميذاً له عام 1955 - في معهد فلسطين" الأليانس " فقال:

" كنا نستمتع بحصة الرسم والأشغال لأن الأستاذ غسان كان يحترمنا ويطلب منا الرسم الحر والاختياري ويعطينا وقتاً محدداً لذلك, يتجول بيننا ونحن نرسم, يصحح لنا بهدوء, ثم يختار لوحة مميّزة, يلصقها على اللوح ويشرح لنا أهميتها وارتباطها بالوطن والإنسانية, كل فترة يجمع لوحات المدرسة ويقيم معرضاً بحضورنا مع الأهالي. أحياناً يأخذنا للرسم في أحضان الطبيعة قرب المدرسة.. كان يجلس مع التلاميذ الذين يبقون في المدرسة خلال فترة الاستراحة بين فترتيْ الدوام الصباحي والظهيرة - لبعد منازلهم - ويتواصل معهم كأب حنون رغم سنه الشاب آنذاك.. ربما كان له دور بصقل شخصيتنا الوطنية وانتمائنا القومي لاحقاً خاصة مع متابعتنا له عبر الصحف المختلفة التي عمل بها في الكويت ولبنان التي استشهد فيها عن عمر 36 عاماً وهو في ذروة عطائه رحمه الله..