Menu

تقريرثلاثة أعوام بلا ألعاب.. الاحتلال يسلب أطفال غزة الحياة وأدواتها

مرح عطالله

الطفل وسيم يحاول اللعب بالأوراق الكرتونية

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

في زاوية الخيمة المهترئة، يجلس طفل يُقلّب في الأوراق وقطع من الكرتون يصنع بها لعبة تُشبه ما طُبع في ذاكرته الطرية، ليستعيد بها طفولة سلبتها وحشية الاحتلال وحوّلتها إلى مسرح دُمى تنزف -بفعل القتل والتدمير- بما يفوق استيعابه بمراحل، فالألعاب التي كانت جزءًا طبيعيًّا من حياة أطفال غزة أصبحت شيئًا يندر الحصول عليه.

على مدار ثلاثة أعوام، حُرم أطفال القطاع من ألعابهم. حلّت محلها دمى صنعتها الحاجة والخيمة، وخوف الصغار من أزيز الطائرات.. هذه ليست ورقية بل صواريخ ذكية تستهدف البراعم. ومع الخوف وسلة الآلام والحال الذي لا يشبه أي حال في هذا العالم المنفصم، تذوب الطفولة في يوميات الحرب الهمجية ويبحث الكبار عن سلوى لأولادهم بعد منع دخول الألعاب إلى القطاع، فلا ملاعب تحتضنهم ولا ألعاب، مخلّفةً آثارًا نفسية واجتماعية على جيل يفقد شيئًا فشيئًا ملامح طفولته.

ولعلّ مشهد ثلاثة أطفال دون عمر الثلاث سنوات في أحد شوارع غزة المنكوبة وهم يشيّعون دمية تداوروا على رفعها كما يفعل الكبار بشهدائهم المحمولة على الأكتاف، يُخبر الكثير عن واقع يتعاظم بقسوته على طفولة تغادرها البراءة مخلّفةً وراءها إنسانيةً مهشّمة ومآسيَ تتكشف آثارها يومًا بعد يوم.

طفولة مسلوبة

تحكي وداد قرموط، والدة الطفل وسيم ذي الأربعة أعوام، عن أزمة الطفولة التي صادرها الاحتلال وشيّبتها الحربُ الوحشية التي يشنّها على القطاع منذ ما يقرب الثلاث سنوات، فتقول لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "حُرم طفلي من الألعاب في عمر صغير، ما ترك أثرًا واضحًا على حالته النفسية وسلوكه اليومي، خاصةً أنّه لا يجد مساحة يُفرغ فيها طاقته"، واصفةً الحرمان من الألعاب في هذا العمر بـ"المصيبة"، فالألعاب لا تُستخدم للترفيه فقط، بل لها دور مهم في التعلّم باعتبارها إحدى الوسائل التعليمية لتنمية قدراته العقلية، وبديلًا أساسيًّا عن الهاتف وما يحمله من ضرر على التركيز كما على الجملة العصبية للطفل.

WhatsApp Image 2026-08-07 at 9.32.46 AM.jpeg
 

وتوضح الوالدة المثقلة بآلام الحرب والنزوح أنّه لا يمر يوم إلا ويطلب صغيرها منها لعبة وهي عاجزة عن تلبية أبسط حقوقه، وتروي موقفًا مؤثرًا: "وجدته يومًا يقص الأوراق بكميات كبيرة، وعندما سألته عما يفعل، قال لي: بدي أعمل مصاري كتير وأشتري لعبة سيارة وكورة.. شعرت حينها بالاستياء من نفسي وتقصيري في حقّ طفلي".

وأكدت القرموط أنّ رغبات الأطفال أصبحت أكبر من قدرة العائلات في ظل ارتفاع أسعار الألعاب، قائلة إنّها حاولت شراء كرة له، لكنّها وجدتها بسعر 150 شيكلًا. وسط خوف الطفل من الخروج للعب مع الجيران وأقرانه بالمحيط نتيجة اعتقاده الدائم بأنّ هناك قصفًا سيلاحقه أو أنّ جنديًّا صهيونيًّا سيأتي لقتله ما يجعله منعزلًا في الخيمة مع ألعاب بسيطة يحاول صناعتها بنفسه من الأوراق ومن الفراش وبعض الأدوات المنزلية".

وتشير الأم إلى أنّ عدم توفّر الألعاب انعكس على سلوك أطفالها، حيث أنّ "الطاقة الكبيرة التي يمتلكها الطفل في عمر صغير يمكن تفريغها بفائدة عبر الألعاب كالدُمى والمكعبات، فالفراغ الدائم يزيد من عدوانية الطفل ومن مشاكله مع أفراد أسرته والمحيط، خاصةً أنّ الأمر يزداد سوءًا مع عدم وجود منتزهات أو أماكن للعب أو حتى رياض أطفال ومدارس وما كانت تحويه من ألعاب ونشاطات تفاعلية".

منع إسرائيلي واحتكار تجاري

صرّح تاجر (رفض الإفصاح عن اسمه) لـ"بوابة الهدف الإخبارية" بأنّ الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخول الألعاب والقرطاسية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، موضحًا أنّ "الألعاب المتوفرة حاليًّا لدى بعض التجار تكون إما من البضاعة التي دخلت قبل الحرب أو ألعاب دخلت بشكل استثنائي لصالح مؤسسات دولية وباعها المستفيدون، غير أنّ التجار تعاملوا باحتكار، إذ تُعرض الألعاب القليلة المتوفرة بأسعار مرتفعة جدًّا".

وأفاد التاجر بأنّ منع دخول الألعاب عاد بالخسارة على التجار، حتى أنّ غالبية المحال أو بسطات الألعاب أغلقت أبوابها، مُضيفًا: "نعمل على صناعة بعض الألعاب محليًّا بأدوات بسيطة مثل الألعاب الورقية كـ"السلم والحية" أو كرات صغيرة بحشوة الإسفنج وهي لا تؤدي الغرض تجاريًّا".

أثر نفسي عميق

وعن غياب أدوات الطفولة وتأثيره على نفسية الطفل، تشرح الأخصائية النفسي آية المقيد لـ"بوابة الهدف الإخبارية": "اللعب هو وسيلة الطفل الوحيدة لتفريغ مشاعره. يعبّر من خلال ألعابه عن حالته النفسية، عن حزنه وفرحه كما عن خوفه، وفقدان هذه الوسيلة يجعله عدائيًّا ومنعزلًا، ويفرغ مشاعره بطرق ثانية، مثل الضرب والعنف".

وتضيف: "يتعلّم الطفل من خلال اللعب المشاركةَ والتعاون، وعبره يتعرف إلى العالم الخارجي. ففي طفولتنا كنّا نلعب مع بعضنا البعض بالدمى ونلبسها ونطعمها.. ونقضي وقتنا مع أولاد العيلة والجيران. أما اليوم، حتى اللمة اللي كانت تجمع أطفال العائلة والحارة حول هدف جميل وممتع، اختفت".

وتشرح المقيد عن انعكاس غياب الألعاب على التفاعل الاجتماعي للطفل، الذي يتمثّل بممارسته سلوكًا عنيفًا وضُعف التواصل مع الأطفال الآخرين وحتى مع الكبار، فقديمًا كانت الأم تقترب من طفلها من خلال اللعب، أما اليوم فاللعبة غير موجودة، والأم مشغولة بتأمين الأكل والماء، وكل اهتمامها منصبّ على توفير الأساسيات في ظل مصاعب الحياة، مما أفقد الطفل طفولته.

وعن الأثر النفسي تقول المقيد: "بفعل الظروف القاسية، يعاني الأطفال من أعراض صدمة شديدة جدًّا، وكثير منهم يعاني من الاكتئاب. هذه الصدمات، عندما لا تجد وسيلة للتفريغ، تتراكم مع الوقت وتؤثّر على الجهاز العصبي، فيظل الطفل بحالة توتر دائم، فاقدًا للسكينة"، وتُردف بالقول: "نتحدّث عن مفهوم التعافي باللعب، لأنّه الوسيلة الأساسية للتفريغ النفسي، فالأطفال يمكنهم اللعب لأربع ساعات متواصلة خلال جلسات الدعم النفسي، ومع ذلك لا يملّوا، لأنّ اللعب بالنسبة لهم علاج".

وتُشير إلى أنّ "أطفالنا حُرموا أيضًا من أبسط مقومات الحياة الكريمة. ينامون جميعًا في مكان واحد، دون مساحة خاصة أو شعور بالخصوصية والأمان، حتى التعليم قد تراجع بشكل دون الاعتماد على الأنشطة، والألعاب التعليمية والاستراحات الترفيهية واقتصر على تعويض الفاقد التعليمي عبر الإنترنت".

ومن جانب آخر، لفتت الأخصائية النفسية إلى أنّ "الغلاء الباهظ للألعاب يجعل الأبوين عاجزين أمام الطفل ومع تكرار هذا العجز، قد تتأثر العلاقة بين الطفل ووالديه. فالطفل ينتظر أن يحقّق له والداه رغبته، لكنّهما غير قادرين على ذلك. ولأنّ الطفل لا يقدّر الظروف المالية بشكل كامل، قد يفسر الأمر على أنّه عدم اهتمام أو تقصير، ما قد ينعكس سلبًا على شعوره تجاه والديه ويؤثر في العلاقة الأسرية".

وتُقدّم المقيد نصيحتها للأمهات بخلق روتين إيجابي للطفل عبر مشاركته بالأحاديث اليومية واللجوء لوسائل تفريغ نفسي بسيطة، كالرسم وصناعة الألعاب يدويًّا بالورق والكرتون أو صناعة الطينة من الطحين، ويمكن إشراك الطفل في التفاصيل اليومية؛ مثل الغسيل، فنقول له: "تعال يا حبيبي ساعدني، علّق ملابسك، برافو عليك". هذه التفاصيل الصغيرة تعطيه إحساسًا بالمسؤولية والقيمة، والوقت النوعي بين الطفل وأهله من شأنه خلق مساحة يفرغ فيها الطفل مشاعره وطاقته.

في غزة، يستيقظ الطفل على نفس الحال يوميًّا دون مدرسة أو حديقة أو لُعبة، والأدهى دون منزل أي تحت قطعة قماش تجعل من الصيف جهنمًا ومن الشتاء جليدًا، في مساحة واحدة مع كامل الأسرة دون مساحة خاصة؛ إنّها حلقة مفرغة من الفقد يعيشها أكثر من مليون طفل؛ منهم أكثر من 65 ألف يتيم.