Menu

حين نطق غسان كنفاني بالشهادتين

غسان أبو نجم

نشر في مجلة الهدف العدد (54) (1559)

كنت طفلًا في الثالثة عشرة من عمري عندما اهتزت العاصمة بيروت بتسعة كيلوغرامات من المتفجرات، مستهدفةً الشهيد غسان كنفاني . لم أكن بعد مطلعًا على أدب غسان، وكنت أسمع به من بعض مثقفي مخيم بلاطة يشيدون برواياته وأدبه ونضاله، رغم صغر سني. ومع تقدم العمر ودخولي الجامعة، بدأت ألتهم رواياته بشغف لأتعرف على هذا الروائي الذي عرفه العالم قبل أن نعرفه نحن، شعب فلسطين. والسؤال الملح الذي ظل يشغل خاطري هو:

كيف استطاع كاتب مثل غسان، أرّخ لحركة شعب بأكمله عبر رواياته، أن يموت دون أن ينطق بالشهادتين قبل استشهاده؟

كنت أطلق ابتسامة حزينة عندما يجول في خاطري هذا التساؤل. فما هي العلاقة بين رصد تاريخ وحركة الشعب الفلسطيني عبر أدبه ونطقه بالشهادتين قبل اغتياله؟ وهل النطق بالشهادتين متلازم مع الموت بكل أشكاله، أم أن هناك نوعًا من الموت يشترط النطق بهما قبل الموت؟ أم أن طريقة الموت بحد ذاتها نطق بالشهادتين قبل حدوثه، خاصة أن غسان كان يعلم أنه يعبد طريق الموت منذ أن اختار طريق الحياة، وأنه مستهدف في كل وقت؟ ولا أظن أن مثقفًا مناضلًا مثل غسان فاتته هذه اللحظة، وأنه نطق بالشهادتين منذ زمن. ولكن أين يمكن أن أجد هذه اللحظة في تاريخه القصير بعمر السنين، العظيم في تاريخ الشعوب؟

بدأت أبحث في أدبه عن إجابة للتساؤلات التي تجول في خاطري، فوجدت الشهادة الأولى بعد طول عناء.

الشهادة الأولى: أن فلسطين من البحر إلى النهر ملك حصري للشعب الفلسطيني، لا تحتمل الإحلال أو الاحتلال، وأن تحريرها واجب مقدس، ولا تقبل القسمة أو التجزئة.

أما الشهادة الثانية، فجاءت مرتبطة عضويًا بالشهادة الأولى، ولم أجد عناءً في إيجادها.

الشهادة الثانية: أن التحرير الكامل يتطلب اعتماد أرقى أشكال النضال، متسلحًا بنظرية ثورية، ومستندًا إلى عمق عربي ودعم عالمي.

للوهلة الأولى، قد يعتقد البعض أن هاتين الشهادتين معروفتان لديه، فما الجديد في ذلك؟

إن الجديد فيما ذكرت هو تجاوز كل أطراف العمل الفلسطيني هذه المسلمات، والانجرار المتدحرج نحو التفريط بفلسطين، منذ مشروع حل الدولتين، مرورًا بمؤتمر مدريد، وانتهاءً بأوسلو، وصمت بعض الفلسطينيين عن تدمير غزة وإبادة أهلها، وتآمر البعض مع الكيان الفاشي الديني الصهيوني ضد المقاومة.

بل وصل بالبعض حد اعتبار طوفان الأقصى جزءًا من المؤامرة مع المحتل، وأن الصواريخ التي دكت الكيان مجرد مواسير فارغة، وأن الهدف من هذه الحرب تدمير غزة وتهجير أهلها وإعادة احتلالها. أي درك سفلي وصل إليه بعض أزلام دايتون! ألا يعد هذا كفرًا بالشهادتين اللتين نطق بهما غسان كنفاني؟

إن اغتيال غسان لم يكن اغتيالًا لرمز وطني فلسطيني فقط، بل اغتيالًا لمشروعنا الوطني الذي أسس له هذا المناضل الفذ، الذي أدرك أن هذا الاحتلال لا يمكن التعايش معه، وأنه جاء إلى فلسطين كي يبقى، وأن النضال ضده ليس حكرًا على الشعب الفلسطيني وحده، بل على كل الشعوب العربية، لأنه سيمتد ليسيطر على كل أراضي الأمة العربية ومقدراتها. وهذا ما أكده غسان في كتاباته ومقابلاته مع الصحف والمحطات التلفزيونية العالمية، وأن الطريق الوحيد لوقف أطماعه هو الكفاح ضده ودحره بالقوة.

ولم يكن الاحتلال وحده من اغتال غسان كمشروع وطني، بل ساهم من تراجعوا عن مشروعه في اغتياله، وكانت النتيجة تغول الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، وعلى لبنان وسوريا، واحتلال أجزاء منهما، وتهديد باقي الدول العربية باجتياحها، وطرح مشروعه القديم الجديد بإنشاء شرق أوسط جديد، وعقد اتفاقات إبراهيمية لتسهيل سيطرته على الإقليم، ودحر كل من يحاول الوقوف في وجه مشروعه التوسعي. وكانت الحرب الإيرانية–الصهيونية–الأمريكية شاهدًا على هذا المشروع التوسعي، والذي نجحت إيران في الوقوف بحزم أمامه.

إن ما نشهده اليوم دليل على التراجع عما نطق به غسان في شهادتيه، اللتين لو نطقنا بهما لما وصل الحال بنا إلى ما نحن عليه.

لست أترحم هنا على غسان كمناضل وأديب وروائي فقط، بل كمشروع وطني تم التراجع عنه، لنصل إلى ما وصلنا إليه من خذلان.