على امتداد ساحل قطاع غزة، تحولت أجزاء واسعة من الشريط الساحلي إلى امتداد لأزمة الصرف الصحي، بعدما أدت الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية، وتوقف محطات المعالجة، إلى تصريف كميات من مياه الصرف غير المعالجة نحو البحر.
ويهدد هذا الواقع البيئة البحرية وصحة مئات آلاف السكان، ويحرم الغزيين من البحر الذي لطالما شكّل متنفّسًا ومساحة للترفيه، في وقت أنهكتهم فيه الحرب والنزوح.
انهيار منظومة الصرف
فالقطاع الذي كان يعتمد على شبكة واسعة من الآبار ومحطات الضخ ومعالجة مياه الصرف الصحي، يواجه اليوم انهيارًا متواصلًا في منظومة المياه والصرف الصحي بفعل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتراجع القدرة على تشغيل مرافقها.
وتشير الأمم المتحدة إلى توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي في غزة، فيما أدى تدمير شبكات الأنابيب والاعتماد المتزايد على الحفر الامتصاصية إلى تفاقم مخاطر تسرب مياه الصرف وانتشار الملوثات، بما يهدد بتلوث المياه الجوفية والمناطق الساحلية.
وبينما تتدفق مياه الصرف نحو البحر، لا تقتصر الأزمة على تشويه المشهد الساحلي، بل تمتد آثارها إلى النظام البيئي البحري وصحة السكان، لتضيف بعدًا بيئيًّا وصحيًّا جديدًا إلى تداعيات الحرب على القطاع.
قلق يتصاعد بين الغزيين
ومع ارتفاع درجات الحرارة، لا سيما داخل خيام النزوح التي تفتقر إلى وسائل التبريد، يلجأ المواطنون إلى شاطئ البحر بحثًا عن بعض الراحة والتخفيف من وطأة الحر، لكن هذا المتنفس لم يعد آمنًا كما كان.
يجلس المواطن محمود الجوجو على شاطئ البحر غرب مدينة غزة، يراقب مياه الصرف الصحي وهي تتدفق نحو البحر، محمّلة بالملوثات والروائح النفاذة، وعلى مقربة منه، يقف أطفاله يتطلعون إلى البحر الذي اعتادوا أن يجدوا فيه متنفسًا للّعب، لكنه بات اليوم مصدرًا للقلق.
ويقول الجوجو في حديثه لـ "بوابة الهدف" إنه يحذّر أطفاله من الاقتراب من المياه أو السباحة فيها خشية إصابتهم بالأمراض والالتهابات، مؤكدًا أن البحر الذي كان مقصدًا للعائلات في الصيف لم يعد آمنًا كما كان.
ويشير إلى أنّ مشهد مياه الصرف المتدفقة نحو البحر أصبح جزءًا من الحياة اليومية لسكان المنطقة، في ظل استمرار تضرر شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة.
وبينما يراقب المياه الملوثة وهي تختلط بمياه البحر، يشعر بأنّ الحرب لم تدمّر البيوت والبنية التحتية فحسب، بل طالت أيضًا أحد آخِر الأماكن الترفيهية التي بقيت أمام سكان غزة.
ويبيّن الجوجو أنّ الأهالي يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية: البحر قريب، لكن الاقتراب منه يحمل مخاطر صحية، والأطفال يريدون اللعب على شاطئه، بينما يضطر الآباء إلى منعهم خوفًا من الأمراض.
أمراض جلدية تتفاقم وتهدد الصحة
وفي مواجهة الخطر الصحي المتزايد، لا تقتصر مخاوف العائلات على احتمال الإصابة بالأمراض، بل بدأت أعراض جلدية تظهر لدى بعض أطفالها، وفق شهادات الأهالي.
تقول المواطنة آمال عويضة إنّ أبناءها أصيبوا بأمراض جلدية بعد تعرضهم لمياه البحر المختلطة بمياه الصرف الصحي المتدفقة إلى الساحل.
وتوضح عويضة لـ "الهدف" أنّ ارتفاع درجات الحرارة يدفع الأطفال إلى البحر بحثًا عن وسيلة للتخفيف من الحر، خصوصًا مع صعوبة العيش داخل خيام النزوح وغياب وسائل التبريد، لكن هذا الخيار بات محفوفًا بالمخاطر، مشيرةً إلى أنّ الأهالي يجدون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: البحر هو المتنفس الأقرب والأكثر إتاحة أمام أطفالهم، لكنه في الوقت نفسه قد يكون مصدرًا للمرض.
وتلفت إلى أنّ ظهور الأعراض الجلدية لدى أبنائها زاد من مخاوفها، وجعلها أكثر حرصًا على منعهم من النزول إلى البحر، رغم إدراكها لصعوبة حرمان الأطفال من وسيلة بسيطة للتخفيف من حرارة الصيف.
تدفق هائل ومرافق مدمرة
وتكشف أزمة الصرف الصحي في القطاع عن جانب آخر من الكارثة البيئية التي خلّفتها الحرب؛ إذ أدى الدمار الواسع الذي طال شبكات المياه ومحطات الضخ والمعالجة إلى تصريف كميات ضخمة من المياه العادمة نحو البحر دون معالجة.
بدوره، يؤكد المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا أنّ نحو 24 ألف متر مكعب من المياه العادمة تُصرّف يوميًّا إلى بحر مدينة غزة عبر خمسة مصبات رئيسية، من دون أي معالجة، محذرًا من أنّ استمرار التصريف يمثل "تحدّيًا بيئيًّا وصحيًّا بالغ الخطورة".
ويقول مهنا لـ "الهدف" إنّ تدفق المياه العادمة لا يهدد البحر وحده، بل ينذر بتلوث الخزان الجوفي، إلى جانب زيادة انتشار الحشرات والقوارض، خصوصًا في مناطق النزوح، بما يفاقم المخاطر الصحية على السكان.
ويوضح أنّ الأزمة تتجاوز مدينة غزة؛ إذ تتخطى كميات المياه العادمة غير المعالجة التي تصل إلى البحر على مستوى القطاع 130 ألف متر مكعب يوميًّا. ويعزو ذلك إلى توقف خمس محطات رئيسية لمعالجة مياه الصرف الصحي عن العمل.
ويشير مهنا إلى أنّ هذا التصاعد يأتي في ظل أضرار واسعة لحقت بمنظومة الصرف الصحي، تمثلت في تدمير نحو 220 ألف متر طولي من شبكات الصرف وتضرر ثماني محطات ضخ بصورة كلية أو جزئية، ما أدى إلى تعطّل أجزاء واسعة من الشبكة ودفع المياه العادمة إلى الشوارع ومناطق النزوح، قبل وصولها إلى البحر.
ويحذر المتحدث باسم البلدية من أن استمرار هذا الواقع يحوّل ساحل غزة إلى بؤرة تلوث متنامية، ويضاعف المخاطر على البيئة البحرية والمياه الجوفية وصحة السكان، في وقتٍ يعتمد فيه كثير من النازحين على الشاطئ للتخفيف من وطأة الحر داخل خيامهم.
آلاف الإصابات ومنظومة صحية منهكة
وتنعكس تداعيات تدهور خدمات المياه والصرف الصحي مباشرة على صحة السكان، خصوصًا في مناطق النزوح المكتظة.
فقد سُجلت خلال أسبوعين أكثر من 9000 إصابة بجدري الماء، إلى جانب أكثر من 18 ألف إصابة جديدة بأمراض جلدية معدية خلال أسبوع واحد، بينها الجرب والقمل والجدري والحصف.
من جهته، يقول استشاري الأمراض الجلدية، الطبيب رائد أبو سرية، إنّ قطاع غزة يواجه حاليًّا موجة ثالثة من الأمراض الفيروسية والبكتيرية والفطرية سريعة الانتشار، مشيرًا إلى أن مخيمات النازحين تُعد من أكثر البيئات قابلية لانتقال العدوى، لا سيما خلال فصل الصيف.
ويضيف أبو سرية في حديثه إلى "بوابة الهدف" أنّ ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام، إلى جانب الاكتظاظ ونقص المياه وتراجع شروط النظافة، يخلق بيئة شديدة الخطورة صحيًّا؛ إذ تتحول أماكن الإيواء المكتظة إلى بيئات ملائمة لانتقال العدوى وانتشار الأمراض بين السكان.
ويشير إلى أنّ قدرة المنظومة الصحية في القطاع على التعامل مع الأعداد المتزايدة من المصابين تراجعت بصورة كبيرة، بفعل الأضرار التي لحقت بالمرافق الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بالتزامن مع تدهور الظروف المعيشية للسكان.
ويحذر أبو سرية من أنّ الاكتظاظ وسوء التغذية ونقص الأدوية قد تؤدي إلى تفاقم الأمراض المعدية، لافتًا إلى تسجيل حالات متزايدة من السل الرئوي، ومحذّرًا من أنّ نقص العلاج قد يفاقم خطر ظهور بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، ما يصعّب علاجها ويضاعف المخاطر الصحية على النازحين.
الثروة البحرية والتنوع الحيوي في خطر
من جانبه، يحذر الخبير البيئي نزار الوحيدي من أنّ تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى بحر غزة حوّل الساحل إلى بؤرة تلوث بيئي وصحي؛ نتيجة انهيار شبكات الصرف الصحي وتوقف محطات المعالجة.
ويقول الوحيدي إلى "بوابة الهدف" إنّ المياه العادمة المحملة بالميكروبات والملوثات الكيميائية تصل مباشرة إلى البحر، ما يهدد جودة المياه والتنوع الحيوي، ويرفع مخاطر الإصابة بالأمراض الجلدية والالتهابات بين السكان، خصوصًا الأطفال والنازحين الذين يلجؤون إلى البحر للتخفيف من حرارة الصيف.
ويؤكد الوحيدي أنّ استمرار التصريف يفاقم تدهور البيئة الساحلية، محذّرًا من أنّ الأزمة لم تعد مجرد تلوث لمياه البحر، بل تهديدٌ متزايدٌ لصحة السكان والثروة السمكية وسلامة الغذاء.

