للحصول على خدمة الانترنت في قطاع غزة، فأنت ملزم أولاً بتقديم طلب للحصول على ما يسمى "خط نفاذ" لدى شركة الاتصالات، بسعر 45 إلى 50 شيكل للمرة الأولى، إلا أنك تضطر لدفع هذا المبلغ أيضاً بشكل ثابت شهرياً ضمن فاتورة الهاتف، وهذا لا يعني حصولك على الخدمة، فأنت بحاجة للوصول لشركة موزّعة للإنترنت، على أن تكون فاتورة خدمة الانترنت هنا منفصلة عن الاتصالات.
بطبيعة الحال ليس كل مواطن قادر على استخدام هذه الآلية لتأمين خدمة الإنترنت لصالحه، كحال معظم الأزمات في القطاع، يعمل المواطنين على خلق بديل يتناسب وحال الغالبية، لجأ مئات من الخريجين المتعطّلين عن العمل، بالاشتراك في خطوط نفاذ من شركة الاتصالات ووزّعوا خطوط الانترنت في الأحياء الشعبية لتمديد شبكات، بما يضمن تأمين الخدمة للمواطنين بأسعار في متناول اليد، والحصول على فرصة عمل في الوقت ذاته.
قامت شركة الاتصالات الفلسطينية مساء الأحد الموافق 13 من مارس الجاري، بالبدء بتنفيذ ما أسمته "إزالة التعديات على نقاط توزيع الإنترنت" على أعمدة شركة الاتصالات الموزّعة في مناطق مختلفة بالقطاع، حيث قام موظفو شركة الاتصالات بتعطيل الشبكات الداخلية وقطع الأسلاك ومصادرة المعدّات التي تعمل من خلالها تلك المراكز السابق ذكرها.
في صفحة مخصصة لموزعي الانترنت، قالوا "إلى شركة الاتصالات، لكم كل الاحترام، ولكن ما فعلتموه من أسلوب همجي لا يليق بكم ولا إنذار مسبق بتفكيك الراوترات وتخريب وتكسير وانتزاع الاسوتشات بطريقة غير لائقة."
وتحدّث عدداً منهم عن حجم الخسائر التي لحقت بهم جرّاء حملة شركة الاتصالات، والتي وصلت ما بين 500 إلى 700 دولار، وهنا نتحدّث عن خرّيج جامعي بالكاد حصل على رأس مال مشروعه الذي يؤمّن من خلاله قوت يومه وعائلته.
يقول عبد الرحمن لـ "بوابة الهدف"، وهو خريج كلية الحاسوب في الجامعة الإسلامية ويعمل موزّع للإنترنت "تخرج علينا شركة الاتصالات بحملات مشبوهة تتشارك فيها مع الاحتلال في تشديد الحصار والتضييق على قطاع غزة وتحارب الناس في أرزاقهم وقوت أطفالهم."
ويقول شاب لـ "بوابة الهدف"، "أتعجّب من الهمجية التي جاؤوا بها ودمّروا معداتنا، كذلك لم يعطونا تحذير أو حتى إعلان عن تحديد حملة ووقت معين لمن لا يلتزم في إزالة الشبكات"، مؤكداً أن الموظفين جاؤوا بحماية الشرطة الفلسطينية.
وكانت الشرطة في قطاع غزة قد أمّنت مهمة ما أسمته "إزالة التعديات" على شبكات شركة الاتصالات، والتي استمرت لمدة (12) ساعة.
وفي محاولة للحصول على توضيح لموقف شركة الاتصالات الفلسطينية، قامت الشركة بالتهرّب والتأجيل لعدة مرات، ولم تتمكّن "بوابة الهدف" من الحصول على موقف.
وحسب المحامي كارم نشوان، أن العمل الذي قامت به شركة الاتصالات وبحماية الشرطة، لا يفترض أن يتم إلا بالحصول على حكم قضائي، خاصةً إذا ترتّب عليه أضرار على صغار العاملين والمستفيدين، بالذات الجيل الشاب الذي يفقد فرصة العمل.
وأضاف نشوان "على ضوء ذلك، كون الخطوة كانت مفاجئة وبدون غطاء قضائي، فمن حق أي متضرر من هذه الخطوة، التوجّه للقضاء للمطالبة بتعويض"، فالقانون يُلزِم كل من يتسبب بأضرار للغير بالتعويض.
واعتبر نشوان أنه كان من المفترض أن تصل الشركة مع المتضررين حالياً، إلى اتفاقيات وديّة قبل أن تقوم بهذا العمل، وقال "هذا موقف الشركة، والشباب أيضاً لهم ما يقولونه."
جاء صافي أرباح مجموعة شركة الاتصالات الفلسطينية بواقع 130 مليون دولار، خلال عام 2015، حسب تقريرها السنوي، وفي حديث نشوان لـ "بوابة الهدف" حول "المسؤولية الاجتماعية" لهذه الشركات تجاه المجتمعات التي تستهلك خدماتها مجبرة لعدم توافر البديل، قال "في إطار الدولة الحديثة وفي غالبية دول العالم الشركات الربحية تساهم في بناء وخدمة المجتمع، لأن أرباحها قائمة على استهلاك المجتمع من هذه الشركات، لكن لا زال القانون الفلسطيني والسياسات الفلسطينية، تخدم فكرة الاحتكار، ولا تلزم الشركات الربحية بتقديم الدعم والإسناد للنشاطات المجتمعية والاقتصادية."
وأشار إلى أن الخدمات الأساسية في قطاع غزة للمواطنين، يتم احتكارها من شركة واحدة، وهذا يقلل المنافسة ويجعل المواطن يتعامل معها ويدفع فواتير دون وجود منافسة، وبدون قدرة على الاختيار أو الاعتراض، فأينما وُجِد الاحتكار، وُجِد الاستغلال للمواطنين.
وكانت قد حكمت محكمة النقض بتاريخ 16 نوفمبر من العام الماضي، ببطلان وعدم قانونية رسوم الاشتراك الشهرية المفروضة على المواطنين من قبل شركة الاتصالات الفلسطينية، وجاء الحكم لصالح المحامي الفلسطيني تامر الحروب، الذي كان قد رفع دعوى على الشركة عام 2005، بأن تلك الرسوم لا يوجد لها أساس قانوني، وقرار محكمة النقض يُلزم الشركة بإعادة المبالغ للمشتركين الذين يدفعون تلك الرسوم كلّ حسب مدة اشتراكه، حيث تتضمن الفاتورة بند لدفع رسوم اشتراك قيمتها 58 شيكل عن شهرين، قبل أن يصبح في الوقت الحالي 28 شيكل كل شهر، إلا أن شركة الاتصالات لم تنفّذ حتى الجزء الأول من القرار الذي ينص على عدم وجود أساس قانوني لرسوم الاشتراك التي تفرضها الشركة على المواطنين المشتركين، وبالتالي لا يجب دفعها، واستمرت الشركة بإرفاقها ضمن الفاتورة.
حول ذلك، أكد نشوان أن دور السلطة أن تكون حامية للمواطن، ليس أن تكون في دور المستكين والساكت عن استغلال المواطنين بفرض ضرائب أو رسوم خارج أحكام القانون.
لا تقتصر حالة احتكار الشركات الربحية للخدمات الأساسية في قطاع غزة على استغلال المواطن بسبب انعدام البديل، فالأمر وصل إلى عدم اكتراث هذه الشركات بالقرارات القضائية أو القانون، وتسويق أفعالها على أنها فعل قانوني، وأصبحت المواجهة مباشرة بينها وبين المواطن، في ظل غياب كامل لحماية السلطة لمصلحة المواطن.

