Menu

عملية الخليل تفجّر السجال في كيان الاحتلال والفصائل الفلسطينية تتمسك بالمقاومة

بوابة الهدف - الضفة المحتلة

أثارت عملية إطلاق النار قرب مدينة الخليل، التي أسفرت عن مقتل جنديين "إسرائيليين" وإصابة أربعة آخرين، موجة من ردود الفعل داخل كيان الاحتلال "الإسرائيلي"، وسط دعوات من قادة اليمين لتوسيع العمليات العسكرية في الضفة المحتلة وتشديد الإجراءات بحق الفلسطينيين، فيما حاولت قوى المعارضة الموازنة بين دعم المؤسسة العسكرية وتجنب الانخراط في التصعيد السياسي قبل أيام من الانتخابات "الإسرائيلية" المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

وسرعان ما انتقل الحدث من الميدان إلى ساحة التجاذب السياسي، مع توظيفه في النقاش الدائر بشأن السياسات الأمنية للحكومة "الإسرائيلية"، وقدرتها على منع الهجمات، وحدود الإجراءات العسكرية التي تعتزم تنفيذها في الضفة الغربية.

اليمين يطالب بتوسيع العمليات

وتصدرت الدعوات إلى التصعيد مواقف قادة اليمين الصهيوني، إذ دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى تفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها، معتبرًا أن التعامل مع الهجمات يتطلب إجراءات أوسع من الردود العسكرية المحدودة.

من جانبه، طالب وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش" بتنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة، تشمل جمع الأسلحة وملاحقة المسلحين، كما أعلن إصدار تعليمات بهدم مبانٍ فلسطينية قرب موقع العملية، في خطوة قال إنها تهدف إلى فرض الردع.

أما أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، فهاجم ما وصفه بسياسة الاحتواء، داعيًا إلى الانتقال نحو إجراءات أكثر تشددًا.

وتكشف هذه المواقف عن تقاطع بين أطراف من اليمين في المطالبة بتوسيع التدخل العسكري، مع اختلافها في سقف الإجراءات التي تدعو إليها.

وتزامنت هذه التصريحات مع إعلان رئيس حكومة الاحتلال "بنيامين نتنياهو" توسيع العملية العسكرية في الخليل، وتشديد القيود على الحركة، والاستعداد لاحتمال فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية.

كما تحدث عن توسيع نطاق العمليات إلى مناطق أخرى، في وقت بدأت فيه قوات الاحتلال مداهمات وعمليات تفتيش وإخلاء لمنازل فلسطينية في محيط المدينة.

المعارضة بين دعم "الجيش" وانتقاد إدارة الملف الأمني

في المقابل، ركزت مواقف عدد من قادة المعارضة على إدانة العملية والتضامن مع المصابين والإشادة بقوات الاحتلال، من دون تبني جميع المطالب التي أطلقها قادة اليمين بشأن تفكيك السلطة الفلسطينية أو شن عملية عسكرية واسعة.

وأشاد غادي آيزنكوت، زعيم حزب "يشار" ورئيس أركان الاحتلال السابق، بأداء القوات التي تعاملت مع الهجوم، لكنه انتقد في تصريحات إعلامية اضطرار الجيش إلى الانشغال بمهام إنفاذ القانون وحفظ النظام في الضفة، بدل التركيز على المهام الأمنية وملاحقة المسلحين.

كما عبّر نفتالي بينيت، زعيم حزب "معًا"، عن حزنه لمقتل الجنديين، وأشاد بقوات الاحتلال، في حين دعا "يائير غولان"، زعيم حزب "الديمقراطيين"، إلى مواصلة ما وصفه بمكافحة الإرهاب بحزم.

وتشير هذه المواقف إلى أن المعارضة لم تتجه، في ردودها الأولية، إلى مواجهة مباشرة مع الحكومة بشأن العملية العسكرية، بل ركزت على التضامن مع القتلى والمصابين قوات الاحتلال، مع بقاء الخلافات حول إدارة الملف الأمني والسياسات المتبعة في الضفة الغربية.

العملية تدخل حسابات الانتخابات

ويكتسب هذا السجال أهمية إضافية بسبب توقيت العملية، التي وقعت قبل أيام قليلة من الانتخابات "الإسرائيلية"، في ظل منافسة سياسية تتمحور حول الأمن والحرب ومستقبل إدارة الصراع مع الفلسطينيين.

وفي قراءة نشرتها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرلندية "آر تي إي"، أشار تحليل إدموند هيفي إلى أن الهجوم أعاد الملف الأمني إلى صدارة النقاش الانتخابي، ووضع منافسي "نتنياهو" أمام معادلة صعبة: إظهار الدعم للجيش والمؤسسة الأمنية، مع تجنب منح رئيس الحكومة فرصة لتقديم نفسه بوصفه الخيار الأقدر على التعامل مع التهديدات الأمنية.

ولفت التحليل إلى أن آيزنكوت، الذي بنى جانبًا من خطابه السياسي على تقديم نفسه بوصفه خيارًا أكثر هدوءًا واستقرارًا، تجنب الانخراط في التصعيد الخطابي، واكتفى بالإشادة بقوات الاحتلال والتعبير عن التضامن مع المصابين.

وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة "ذا نيو أراب"عن زيزيت داركازالي، الباحثة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، قولها إن ردود الفعل السياسية عكست إلى حد كبير المواقف التي تتبناها الأطراف مسبقًا، مشيرة إلى أن الهجوم لا يعني بالضرورة انتقال مؤيدي أحد المعسكرين إلى المعسكر الآخر، في ظل استمرار التنافس داخل كل معسكر على خياراته السياسية.

وتسلط هذه القراءات الضوء على توظيف القضايا الأمنية في الخطاب الانتخابي "الإسرائيلي"، من دون أن يعني ذلك أن تداعيات العملية ستنعكس بصورة حاسمة على نتائج الاقتراع.

التصعيد الميداني يثير أسئلة بشأن كلفته

وبالتوازي مع السجال السياسي، تتواصل الإجراءات العسكرية "الإسرائيلية" في الخليل ومحيطها، بما يشمل إغلاق مداخل وطرق، وتقييد حركة الفلسطينيين، ومداهمة المنازل، وإخلاء عائلات من مساكنها، إلى جانب التهديد بتوسيع العمليات إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية.

وزعمت قوات الاحتلال أنّ عملياتها تستهدف البحث عن أسلحة وبنية تحتية مسلحة، فيما انتقدت جهات حقوقية عمليات الهدم والقيود الجماعية المفروضة على السكان، محذرة من تداعياتها على المدنيين.

وبينما يطالب قادة في اليمين بتوسيع العملية ورفع مستوى الإجراءات العقابية، يتركز النقاش داخل المعارضة على الأمن وأداء المؤسسة العسكرية وإدارة الحكومة للملف، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الانتخابات المقبلة.

وهكذا، تجاوزت تداعيات عملية الخليل حدود المواجهة الميدانية، لتفتح سجالًا سياسيًا بشأن شكل الاستجابة "الإسرائيلية" في الضفة، وحدود التصعيد العسكري، وكيفية توظيف الملف الأمني في المنافسة الانتخابية، فيما يتحمل الفلسطينيون في الخليل ومحيطها جانبًا مباشرًا من كلفة الإغلاق والاقتحامات والإخلاءات.

على الجانب الفلسطيني، أشادت حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعملية الخليل، واعتبرتها ردًا على الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة في الضفة الغربية و القدس ، وعنف المستوطنين، واستمرار الحرب على قطاع غزة.

من جانبها، اعتبرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنّ العملية ردًا على الاعتداءات "الإسرائيلية"، ودعت إلى تشكيل لجان حماية شعبية للتصدي لهجمات المستوطنين وحماية الفلسطينيين في القرى والبلدات المستهدفة.

أما حركة حماس قالت إنّ العملية تأتي في إطار الرد على ما وصفته بالجرائم "الإسرائيلية" بحق الفلسطينيين وأرضهم ومقدساتهم، ونعت منفذيها، داعية إلى تصعيد المواجهة مع قوات الاحتلال والمستوطنين.

كما أشاد المتحدث باسم كتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، بالعملية، ودعا الفلسطينيين إلى التحرك دفاعًا عن المسجد الأقصى والأسرى، وفي مواجهة الاعتداءات على الضفة الغربية ومخيماتها.

من جهتها، وصفت حركة الجهاد الإسلامي العملية بأنها رد على جرائم الاحتلال والمستوطنين، معتبرة أن الاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات المتواصلة لن تنهي المواجهة.

ودعت الحركة إلى تصعيد أشكال المقاومة، محذرة من تداعيات الدعوات "الإسرائيلية" لتهجير الفلسطينيين وتوسيع السيطرة على أراضي الضفة الغربية.
وتتقاطع مواقف الفصائل الثلاثة في ربط العملية بالتصعيد "الإسرائيلي" الأوسع، فيما لم تتضمن البيانات المنشورة ما يثبت أن أيًا منها أعلنت مسؤوليتها المباشرة عن التخطيط للعملية أو تنفيذها.

السلطة الفلسطينية تحذّر من تداعيات إجراءات الاحتلال

في المقابل، انصبّ موقف السلطة الفلسطينية على تداعيات العملية العسكرية في الخليل، ولا سيما إخلاء السكان وهدم المباني وتشديد القيود على الحركة.

واعتبرت الرئاسة الفلسطينية أن الإجراءات الجماعية بحق السكان لا يجوز أن تتحول إلى عقاب جماعي على خلفية العملية.

وتأتي هذه المواقف في ظل اتساع نطاق إجراءات الاحتلال في الخليل ومحيطها، وما رافقها من اقتحامات واعتقالات وإخلاء عائلات من منازلها، وسط مخاوف من انتقال التصعيد إلى مدن ومخيمات أخرى في الضفة الغربية.

وبذلك، تتوزع ردود الفعل الفلسطينية بين فصائل تربط العملية بمسار الاعتداءات "الإسرائيلية" وتدعو إلى تصعيد المواجهة، والسلطة الفلسطينية التي تحذّر من تبعات الإجراءات العسكرية على المدنيين، في وقت تتواصل فيه العملية "الإسرائيلية" وتتزايد المخاوف من اتساع نطاقها.