أعلنت حكومة الاحتلال بتاريخ 17 نوفمبر من العام الماضي، عن قرارها بحظر الحركة الإسلاميّة بشقّها الشمالي، وإغلاق 23 من مؤسساتها وجمعيات المجتمع المدني التابعة لها موزّعة في أم الفحم، الناصرة، كفر كنا، طرعان، بئر السبع ورهط، بالإضافة لتفتيش 13 مؤسسة.
قالت المتحدثة باسم شرطة الاحتلال لوبا السمري في بيان صدر عن الشرطة "استناداً إلى القرار الصادر عن المجلس الوزاري المصغّر الذي صدر الليلة الماضية، وقّع وزير الأمن موشيه يعالون مرسوماً يعلن فيه أن الجناح الشمالي للحركة الإسلامية هو مؤسسة ورابطة محظورة غير مشروعة وخارجة عن القانون."
قرار الاحتلال جاء بالعنوان العريض حول إغلاق الجمعيات، إلا أن تنفيذ الإغلاق كان بشأن 17 جمعية في البداية ثم وصلت لـ 23، وأمر الإغلاق والمنع كان جارفاً ولم يحدّد الكثير، فبقيت معظم جمعيات الحركة مستمرة في عملها.
جاءت هذه الخطوة على ما يبدو كبداية لمرحلة جديدة – قديمة من تصعيد القمع ضد الحركات السياسية الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، فبعد هذا القرار بثلاثة أيام فقط قامت لجنة الآداب في "كنيست" الاحتلال بحظر العمل البرلماني –بشكل مرحلي- لنوّاب حزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد زيارتهم لأهالي الشهداء في القدس المحتلة.
لا يعتبر هذا القرار جديداً على حكومات الاحتلال، من يذكر حركة الأرض القومية العربية التي تأسست في ابريل عام 1959، يذكر إجراءات الاحتلال ضدها، إذ رفضت سلطات الاحتلال منحها تصريحاً لإصدار جريدة، فأصدرت الحركة نشرات تحت أسماء مختلفة، "الأرض، الأرض الطيبة، شذى الأرض.." وغيرها، وبعد العدد السادس اعتبرت سلطات الاحتلال أن حركة الأرض تشكّل خطراً على "أمن الدولة".
في منتصف تموز من نفس العام أعلنت الحركة قيامها رسمياً تحت اسم حركة الأرض وطلبت تسجيلها كحزب سياسي، رفضت سلطات الاحتلال الطلب واعتبرت أن الحركة تمس "كيان الدولة وسلامتها" وطالبتها بحل نفسها، وأصدر ليفي اشكول رئيس وزراء الاحتلال آنذاك أمراً بحل الحركة واعتبارها خارجة عن القانون.
في حديث مراسل "بوابة الهدف" مع رجا اغبارية القيادي في حركة أبناء البلد ، قال "ما هو القانون الإسرائيلي؟ الحركة الإسلامية وحركة أبناء البلد هي تنظيمات غير مسجّلة اسرائيلياً، وبالتالي حتى عمل هذه التنظيمات لم يكن بشكل رسمي إسرائيلي، ويجب التنويه لذلك لأنه ليس كباقي الأحزاب التي تعمل بموجب القانون الإسرائيلي وتعترف بالدولة اليهودية، الحركة الإسلامية وأبناء البلد التنظيمان الوحيدان اللذان لا يلتزمان اسرائيلياً وليست أحزاب إسرائيلية."
ستكون المقارنة غير عادلة إذا ما قارنّا إخراج الحركة الإسلامية عن القانون، مع حركة الأرض، فنموذج حركة الأرض كان خلال فترة الحكم العسكري وانعدام التنظيمات السياسية، عدا الحزب الشيوعي الذي عارض في حينه قرار الحظر.
أما الحركة الإسلامية فظروفها مختلفة كليّاً، حيث تنخرط فئات واسعة من الفلسطينيين في أحزاب سياسية مختلفة، وفي ظروف نشاط غير مسبوق لجمعيات العمل المدني والأهلي، وهذه مجتمعة قوى مؤثرة وفاعلة في الرأي العام المحلي.
في واقع الأمر لم يكن الرد الشعبي على قرار الحظر عند مستوى توقعات الحركة الإسلامية نفسها، فعدا عن قيادات الأحزاب السياسية لم يلاحظ حراكاً شعبياً مناهضاً للحظر باستثناء كوادر الحركة.
قال توفيق جبارين سكرتير حملة مناهضة حظر الحركة الإسلامية، أن محاسبة الحركة بالحظر، جاء على خلفية مواقفها السياسية فيما يتعلق بالعمل الأهلي والدفاع عن المسجد الأقصى، وأنه بناءً على هذه الخطوة، يمكن قراءة سياسة الاحتلال القادمة، سوف تحدّد العمل السياسي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48، والعمل الأهلي في حدود يقررها الاحتلال وحده، ومن يتجاوز هذه الحدود قد يتعرّض لحظر نشاطه أو للسجن أو أي عقاب يختاره الاحتلال.
بعد حظر الحركة الإسلامية بأسبوعين نظّمت لجنة المتابعة العليا مظاهرة في مدينة أم الفحم المحتلة، وحسب جبارين شارك فيها ما يزيد على 30 ألف شخص، ومن خلال لجنة الحريات التابعة للجنة المتابعة العليا تم تنظيم خيمة اعتصام لمناهضة حظر الحركة، واستمرت لأكثر من 100 يوم، وعُقد مؤتمر أكاديمي نظّمته الحملة شارك فيه عدد من الأكاديميين، كذلك خرجت مظاهرات في كفر كنّا وطمرة وباقة الغربية، وتقيم الحركة نشاطات تثقيفية حول الأمر وقضايا أخرى.
عن ضعف رد الفعل الشعبي أو التحرّك المؤثّر من الأحزاب تجاه قرار حظر الحركة، أكّد القيادي اغبارية أن كل الأحزاب عارضت وأدانت قرار حظر الحركة الإسلامية، وجميعها التزمت بكل نشاط تم إقراره سواء في لجنة المتابعة أو فيما طلبته الحركة الإسلامية من اللجنة، لكن التعامل مع قرار حظر الحركة الإسلامية مرتبط بفهم الحركة لواقعها، وأن الحركة اتخذت منحى عدم مواجهة دولة الاحتلال بشكل أعنف ولو سياسياً مما قدّمته، "وهم كتبوا بشكل واضح نحن لا نريد نصائح من أحد، نحن نعرف مصلحتنا واخترنا الطريق الذي نسلك فيه"، بمعنى الاحتجاج السياسي العادي الذي يسلكونه.
وأضاف "في هذا الجانب لا تستطيع حركات أخرى أن تتجاوز ما تريده الحركة الإسلامية، فنحن لسنا كاثولكيين أكثر من البابا، سواء أرضاهم هذا الكلام أم لم يرضهم، لكن أشرنا لهم بشكل أخوي، أن ما حصل حتى الآن لا يكفي."
ويرى اغبارية أن هذا الضعف هو بناءً على تصرفات الحركة الإسلامية ولجنة المتابعة أيضاً، "الناس استجابت لكل ما طلبته هذه الهيئات، لا نستطيع ان نطلب من الناس أكثر ما تطلبه هذه الهيئات على رأسها الحركة الإسلامية."
وقال اغبارية أن الحركة الإسلامية ربما لها مصالح اقتصادية كثيرة لا ترغب بالتنازل عنها من أجل اشتقاق أساليب نضالية، ربما يعتقدون أنها ستضر بمصالحهم الاقتصادية، وأوضح ما يعنيه بالاقتصادية، المؤسسات وعشرات الجمعيات التي لدى الحركة، والتي اعتبرها لم تخرج من القانون وهناك مجال أن تعمل، ففضّلت الحركة ان تحافظ عليها لما تقدّمه من دعم اقتصادي للمجتمع الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وللمسجد الأقصى، والقضايا الدينية والحج والعمرة وأشياء من هذا القبيل، لأن هذا العمل الأساسي للحركة الإسلامية.
ويرى اغبارية أن الحركة ذهبت بتأنّي حول قرار الحظر حتى لا تحرق كل الجسور، وبالتالي استمر عدد لا بأس به من هذه الجمعيات في العمل على تقديم الخدمات، فالقضية بالنسبة للحركة ربح أو خسارة.
ربط البعض ضعف رد الفعل الشعبي بناءً على تصرفات الحركة الإسلامية، مثل مناكفات الحركة خلال العام الماضي مع الجمعيات النسوية، وتصريحات واتهامات نائب رئيس الحركة كمال خطيب لهذه الجمعيات وغيرها، وأحياناً يبدو خطاب الحركة منسلخاً عن السياق السياسي ويتمحور حول "النص الديني بشكله الإخواني" كما وصفه البعض، ما يقود إلى إقصاء الآخرين والبقاء في القوقعة.

