Menu

الشعب قرّر الإضراب

هنا باقون

فلسطين المحتلة-روزالين حصري

بأسناني

سوف أحمي كل شبر

من ثرى وطني

كانت القصيدة الأولى التي حَرِصَ أبي على أن نحفظها عن ظهر قلب، ترتبط هذه القصيدة وكاتبها بالنسبة لي بيوم الأرض وقصص أبي وجدّي عن هذا اليوم، الذي يذكّر الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل دائم، أن أي لحظة قابلة لأن تكون لحظة شرارة مجدداً.

أذكر حديث أبي عن إخلاء المدارس من الطلاب وإصرار شبّان أم الفحم على إنجاح الإضراب ودعم السلطة المحلية آنذاك، وتخوّف إدارات المدارس وسعيها لبدء العمل كالمعتاد.

أخبرني جدي  أبو الهمام، الذي كان في اللجان المحليّة التي نظّمت لإضراب يوم الأرض، أن الاحتلال استمر بإصدار قوانين لاستغلال الأرض، من قانون الأرض الحاضر الغائب إلى الأرض البور والتقادم بالزمن، وصولاً إلى مخطط مصادرة أراضي الجليل ومثلث الأرض.

في منتصف السبعينات أصدرت سلطات الاحتلال ما يسمّى بمشروع "تطوير الجليل"، وقامت  بمصادرة الأراضي الفلسطينية ذات الملكية الخاصة والمشاع بتاريخ 29 فبراير من العام 1976، حيث صادرت 21 ألف دونم من أراضي قرية عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها، بمسعى لتخصيصها للمستوطنات الصهيونية في سياق مخطط تهويد الجليل.

كانت المصادرة الأكبر للأراضي في منطقة الجليل، وحينها تم عقد اجتماع جماهيري بتاريخ 15 أغسطس من العام 1975 في مدينة الناصرة، ضمّ العديد من أطياف الشعب الفلسطيني، أسفر هذا الاجتماع عن تأسيس لجنة الدفاع عن الأراضي التي ترأسها القسيس شحادة شحادة.

عقدت هذه اللجنة اجتماعاً موسّعاً في الناصرة بتاريخ 6 آذار من العام 1976، دعت فيه للإضراب العام في يوم 30 آذار احتجاجاً على سياسة مصادرة الأراضي. قبل الإضراب بخمسة أيام، قدّم عدد من رؤساء السلطات المحلية اقتراحاً بإلغاء الإضراب بعد تشديد سلطات الاحتلال للإجراءات المقاوِمة للإضراب والتحريض والتهديد، إلا أنهم جوبهوا بالمعارضة من بعض رؤساء السلطات المحلية، منهم توفيق زيّاد الذي حسم الأمر بالقول "الشعب قرّر الإضراب."

وحسب السيد جمال طربيه رئيس مجلس سخنين في تلك الفترة، فإن مؤيدي الإضراب كانوا قلّة يقودهم توفيق زيّاد، فكان المؤيدين توفيق زيّاد، جمال طربيه، محمود نعامنة، حنا مويس، أحمد مصالحة، محمد زيدان، مسعد قسيس، محمد مصطفى محاميد، أسعد يوسف، يونس نصار، أمين عساقلة، من أصل 46 رئيس مجلس محلي، وكانت البقية الساحقة حسب توثيق طربيه "استماتوا لإرضاء السلطات" بمعارضتهم الإضراب.

وقال أبو الهمام أنه على الرغم من هذا الرفض والمعارضة من الأغلبية، إلا أن الشارع كان مهيأ "والناس كان عندها استعداد لتضرب."

جرت ملاحقات من شرطة الاحتلال للنشطاء والسياسيين واعتقلت عدد منهم، إلا أن الإصرار على إنجاح الإضراب كان واضحاً، فقرّرت حكومة الاحتلال برئاسة رابين، إفشال الإضراب وفرض حظر التجوال ابتداءً من مساء 29 آذار، واجتاحت قوات الاحتلال مدعومة بالدبابات والمجنزرات القرى والبلدات الفلسطينية، وأخذت بإطلاق النار بشكلٍ عشوائي، فسقط أول شهيد، الشهيد خير ياسين من قرية عرابة، كان نبأ استشهاد ياسين القنبلة التي فجّرت الجماهير الفلسطينية في يوم 30 آذار، حيث خرج الفلسطينيون في القرى والمدن الفلسطينية وبدأت المظاهرات بالتوجّه للشوارع والميادين، والتي واجهت بمعظمها قوات الاحتلال، وبالأكثر في المناطق التي تسمّى اليوم "مثلث الأرض" عرابة وسخنين ودير حنا، ما أدى لاستشهاد خمسة آخرين، الشهيد خضر خلايلة والشهيدة خديجة شواهنة والشهيد رجا أبو ريا من سخنين، الشهيد رأفت الزهيري من عين شمس، والشهيد محسن طه من كفر كنا، بالإضافة لما يقارب خمسين جريحاً ونحو ثلاثمائة معتقل.

يذكر أبو الهمام أن اللجان المحلية التي عملت على تنظيم الإضراب ميدانياً، بدأت بتجنيد الجماهير لينجح الإضراب، وبالفعل تم تحشيد عدد كبير من المواطنين في القرى الكبرى مثل ام الفحم، الناصرة، شفا عمرو، الجليل، عرابة، سخنين، وخرجوا الساعة الرابعة فجراً، وبدأت اللجان المحلية بإغلاق كافة الطرق الداخلة والخارجة للمدن والقرى، وإقناع أصحاب المركبات بالتحرك والمشاركة في الإضراب، ولم يرفض ولو حتى شخص واحد المشاركة في الإضراب في منطقة ام الفحم.

ثم حضر الجيش إلى الميدان في أم الفحم، الذي بدأ الفلسطينيون بالتجمع فيه، وحين احتشدت الجماهير حولهم حاول البعض إخراجهم، قامت حاجة من ام الفحم تدعى الحاجة وجيهة، بالإمساك بأحد الجنود داخل مركبة للاحتلال والذي صادف أنه عربي، "جاي اتطخنا؟ جاي تعتدي علينا؟ مش امك هاي؟ جاي تقتلنا؟"

انعكس درس يوم الأرض في سياق النضال الوطني الفلسطيني، في محطات هامة لدى الفلسطينيين، لعل أبرزها في التحرك لإفشال مشروع "برافر" لمصادرة أراضي النقب المحتل، فقد تقدّمت الجماهير على أحزابها السياسية وقياداتها بخطوات، كما حدث يوم الأرض، وفي ذكرى يوم النكبة من العام 2011 حين توجّه آلاف الفلسطينيين لنقاط التماس داخل فلسطين والمناطق الحدودية شمال فلسطين في محاولة للدخول للأراضي الفلسطينية، ونجح بعضهم ممن حضر من فلسطينيو الشتات واستقبلهم على الحدود الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وارتقى عدد من الشهداء في ذلك اليوم.