تجربة الأسرى الفلسطينيين تجربة لا تنهيها صفقات التبادل طالما بقي الاحتلال يعتدي على حرية الآلاف من الفلسطينيين وحياتهم، يعتقلهم ويطلق سراحهم متى يشاء، ينفيهم عن ديارهم أو يسمح لهم بالعودة مُهددين بإعادة الاعتقال ثانية، هي تجربة لا تنتهي إلا بانتهاء الاحتلال؛ فالحرية للأسير الفلسطيني كالماء للسمك.
فمنذ اللحظات الأولى لمعرفة الأسير المُحرر مهدي التميمي بقرار الإفراج واستعادة الحرية، امتزجت مشاعر الفرح والسرور بالحرية من براثن الأسر، بالألم والحرقة المريرة في القلب.
نشأ المُحرر التميمي (42 عاماً) في مدينة الخليل، وأكمل فيها دراسته الثانوية، وعمل في مشغل والده في صناعة الأحذية حتى اعتقاله في العام 2002. أفرج عن التميمي المحكوم بالسجن لمدة 21 سنة من سجون الاحتلال رفقة 1000 آخرين خلال صفقة وفاء الأحرار عام 2011، غير أن المُحرر التميمي وقرابة الـ 160 أسيراً مُحرراً في الصفقة أبعدهم الاحتلال إلى قطاع غزة فور الافراج عنهم.
"عشت فرحة الافراج بعيداً عن الأهل والأحباب، كان واقعاً مؤلماً ويمتد إلى يومنا هذا، خاصة في اللحظات التي تكون فيها مناسبات اجتماعية خاصة بالأهل والأقرباء" يتحدث المُحرر التميمي لـبوابة الهدف عن قسوة إبعاده عن العالم الذي تركه قبل الاعتقال، ولم يعد إليه بعد الافراج.
يقول المُحرر المُبعد التميمي "فرحت جداً حينما رزقت بمولودتي الأولى بعد الإفراج، لكنها فرحة منقوصة لأن الأهل والأخوة والاخوات بعيدين عني وتفصلنا الحواجز والحدود".
من الناحية الأخرى يجد المُحرر المُبعد التميمي في الاحتضان الشعبي من أهالي قطاع غزة ما يعوضه عن الفرقة التي خلّفتها حياة الإبعاد، فبالنسبة له، فقد حظي باستقرار اجتماعي إلى حد كبير، استقراراً يبدد أوجاع الغربة عن بلدته وناسه "تبادلنا الزيارات مع الأصدقاء الجُدد وممن تعرفنا عليهم في قطاع غزة بعد الافراج"
ويضيف التميمي "الحياة الاجتماعية موجودة في غزة بين الأسرى المُبعدين نظراً لكثرة عددهم، نسجنا علاقات اجتماعية جميلة جداً".
فرص يخلقها الواقع الجديد
الأسرى المحررون فئة لها من الخصوصية الكثير لدى ابناء الشعب الفلسطيني، نظراً لتضحياتهم بحرياتهم في سبيل القضية الفلسطينية، وتعمل زارة شؤون الأسرى والمحررين والجهات المختصة على تلبية احتياجاتهم المادية ومتطلباتهم الحياتية.
بالمقابل، عكف الكثير من المحررين المُبعدين إلى القطاع على استكمال نشاطهم النضالي، فيما اتجه البعض الآخر منهم نحو افتتاح مشاريع اقتصادية خاصة تساهم في ملء المساحة الفارغة التي خلّفها الإبعاد، غير أن عدداً من المحررين المبعدين عاد إلى مقاعد الدراسة في جامعات ومعاهد غزة لاستكمال التعليم الجامعي والدراسات العليا.
فبعد تجربة طويلة تملؤها البطولات والصمود داخل سجون الاحتلال يعاين مجموعة من المُحررين المُبعدين إلى قطاع غزة إشكالية الدور الإعلامي في قضية الأسرى، من خلال انخراطهم في دراسة الإعلام في جامعات غزة ومباشرة العمل في الصحافة الفلسطينية والعربية والدولية، وكان المُحرر المُبعد التميمي في مقدّمتهم.
"تشعر بالاستقرار النفسي لأنك بعيداً عن الاحتلال وغير مهدد بإعادة الاعتقال" يصف المُحرر المُبعد مهدي التميمي حياته الاجتماعية والنفسية التي باشرها بعد الافراج عنه في قطاع غزة، والتي مهّدت الطريق لإكمال دراسته الجامعية "بعد الاعتقال يعيد الإنسان ترتيب أوراقه نحو صياغة أقرب للواقع ويحدد اولوياته من جديد".
"الواقع الجديد علينا خلق فرصاً سهّلت عملية اجتياز مراحل التعليم المتقدمة" يتحدث التميمي حول التحاقه بقسم الصحافة والإعلام بالجامعة الإسلامية بغزة، فور الافراج عنه نهاية عام 2011، "كان لا بد من استغلال الفرصة لإدراكنا أهمية التحصيل العلمي للحصول على المعطيات التي يستطيع من خلالها ان يقدم الأفضل لشعبه وقضيته في إطار مقاومة المحتل"
أما بالنسبة للمُبعد التميمي، فقد اتخذ من قضية الأسرى منطلقاً لنشاطه وعمله في مجال الإعلام، وهو المجال الذي يجد التميمي من خلاله الاحتكاك المباشر بالواقع الفلسطيني والهموم المشتركة بين شطري الوطن.
قضية الأسر التي وجدت مع وجود مقاومة المحتل، وتفاوت الدور الاعلامي تجاهها من مرحلة الى مرحلة ومن زمن الى زمن. وبحسب تطور الوسائل الاعلامية من الوسائل الاعلامية التقليدية الى وسائل الاعلام الجديد، اختلف الدور الذي يجب ان يؤدى في الاعلام اتجاه قضية الأسرى.
ويرى التميمي أنه مهما عمل الاعلاميون اتجاه قضية الاسرى تبقى القضية منقوصة ويبقى العمل منقوص "بحكم أننا عايشنا الأسر واحتككنا بشريحة الأسرى، أدركنا كم المعاناة الكبير الذي يعيشه الأسرى".
وتحدث التميمي عن أن التغطية الإعلامية الخاصة بقضايا الأسر وشئون الأسرى تبقى محدودة وبحاجة الى التطوير والإسناد ومزيد من العمل. " حينما انت تحتك بشريحة الاعلاميين وتدرس الاعلام يتوفر لك القدرة الافضل لتحديد خطة العمل الاعلامية الخاصة بالأسرى وتحديد الأولويات عن قرب".
وينادي الصحفي المُبعد مهدي التميمي بتفعيل قضية الأسرى وعدم الاكتفاء بإبراز القضية من حيث الكتابة عنها، بل ودعا إلى الاهتمام بالقضية عبر خطط مدروسة قادرة على مواجهة العزلة التي يخلقها الاحتلال بواقع الأسرى في السجون الاسرائيلية.
ويبقى مُبعدي وفاء الأحرار إلى قطاع غزة أسرى الحصار الصهيوني للقطاع، وكبقية سكان القطاع، غير مسموح لهم بالسفر أو مقابلة ذويهم، عليهم الالتفاف عبر مصر فالأردن أو أية دولة أخري للقاء أهلهم وأقربائهم.
وهم أيضاً مهدّدون بإعادة الاعتقال، في الوقت الذي لا زال يتعرض ذويهم في الضفة الغربية لمضايقات واعتقالات من قبل الاحتلال الصهيوني، لا سيما مداهمة واقتحام منازلهم.

