"أفكّر على الدوام فيما سيحل بي بعد أسبوع أو أسبوعين، عندما ينفذ ما قمت باقتطاعه من مدخولاتي في الأشهر السابقة تحسباً من هذا الموقف" هكذا يبدأ أحد فنييّ كهرباء المباني حديثه لـ"بوابة الهدف"، الخمسيني أبو العبد (اسم مستعار)، الذي يكوّن مع أبناءه وزوجته أسرة من 9 أفراد، ويفكر ليل نهار في تعطله عن العمل في مشروع بناية سكنية قيد الإنشاء.
لا ينام الليل، يستيقظ في صبيحة اليوم وهو يبحث عن أية فرصة للعمل، هي غالباً ما يعلق أبو العبد آماله عليها في تدبير معيشته وأسرته.
لا يوجد ما يبعث الأمل حول الأزمة التي هزّت حياة عشرات الآلاف من العاملين في مجال البناء وما يترتب عليه من وظائف ملحقة. يقول أبو العبد "عند انقطاع الاسمنت يتوقف المهندسون أولاً عن العمل، ومن بعدهم، كل من يضع يده في بناية قيد الانشاء يصبح في العراء".
وبعد منع مستمر منذ مطلع إبريل الحالي، كانت صحيفة "اسرائيل اليوم" قد ذكرت أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو قرر مُنتصف الأسبوع الماضي وقف إدخال الاسمنت الى قطاع غزة حتى اشعار اخر؛ بعد الاعلان عن اكتشاف نفق لحركة حماس جنوبي القطاع، وعلى خلفية استخدام الإسمنت لأغراض عسكرية.
وينطلي بهذا القرار جملة من العراقيل من شأنها إعاقة حياة شرائح كبيرة من المواطنين في غزة، كلٍ من موقعه وقربه أو بعده عن آثار انقطاع الاسمنت. الآلاف من العمّال والمهندسين وسائقي الشاحنات لن يخرجوا في صبيحة أيامهم للعمل ومن ثم العودة إلى قواعدهم سالمين ولن تحمل أيديهم قوت أطفالهم ونسائهم حتى انتهاء الأزمة.
وقد يضطّر محمد جميل، الثلاثيني المُقبل على الزواج إلى تأجيل حفل زفافه المقرر في يونيو المقبل إذا لم يتمكّن من انهاء تجهيز شقته السكنيّة خلال الأسابيع القليلة القادمة، في الوقت الذي عطّلت إسرائيل العمل في الشقة لما يزيد عن ثلاثة أسابيع، بسبب اختفاء الاسمنت من السوق الرسمي في قطاع غزة وتضاعف أسعاره في السوق السوداء ثلاثة مرات إلى أن وصل ثمن الطن أكثر من 2000 شيكل.
"أنا مدين للبنك بثلاثة أرباع ثمن هذه الشقة، وفي ظل انقطاع الاسمنت وبقاء الوضع على حاله، أشعر أنني في ورطة لا خلاص منها" هذا ما قاله محمد، لمراسل "بوابة الهدف"، أثناء محاولة البحث عن حلٍ يجعل أحلامه تكتمل.
أما المهندس أحمد سمير فقد استأنف البحث عن عمل في مجال آخر، جراء تعطله عن العمل في الإشراف على تنفيذ مشروع بناية سكنيّة منذ أسابيع، بسبب قرارات الحكومة الاسرائيلية الأخيرة، والتي على إثرها توقفت مئات المشاريع الخاصة والعامة عن العمل.
"لن أنتظر أكثر حتى أفقد حماستي وسط حالة العجز التي تغزو المدينة"، يتحدث المهندس أحمد، "هناك الآلاف غيري من المهندسين العاطلين عن العمل، ولا بد من إيجاد حلول إبداعية جديدة".
ويراوده الأمل حيناً، فيما يخذله أحياناً، إذ يوضّح المهندس أن جميع الطرق مسدودة وليس الهدف أن تعود حركة الإعمار إلى سابق عهدها بعد توقف مئات المشاريع فحسب، بل يرى أن الحال قبل قرار المنع كان يعاني تحديات صعبة هي الأخرى".
الأرقام مخيفة فيما يتعلق بأزمات السكان في غزة، حيث يعيش أكثر من مليون مواطن على المساعدات الدولية، فيما تصل نسبة الفقر إلى 80% ونسبة البطالة إلى 60%، بينما معدل دخل الفرد اليومي 2 دولار.
ومنذ عام 2007، بدأ الاحتلال الإسرائيلي تدريجياً بمنع إدخال العديد من المنتجات المستخدمة في الصناعات الإنشائية والصناعية إلى قطاع غزة، بحجة أنها تستخدم في غير الأهداف التي أدخلت لأجلها.
جهود روتينية لحل الأزمة
النائب جمال ناجي الخضري ورئيس اللجنة الشعبية لكسر الحصار عن غزة، استعرض لـ"بوابة الهدف" حجم التواصل مع الجهات الدولية المانحة، من أجل "الإسراع بالإيفاء اتجاه الالتزامات التي تعهدوا بها في مؤتمر المانحين لإعادة إعمار القطاع"
وبيّن الخضري أن هناك أملاً في الضغوطات الممارسة من قبل المجتمع الدولي على الاحتلال الإسرائيلي حتى يدخل مواد البناء إلى غزة دون أي إعاقة، لما في ذلك من تشديد للحصار غير الأخلاقي على قطاع غزة.
"استمرار الحراك مهم، العمل في كافة الاتجاهات والتواصل مع كل المؤسسات مهم" يتحدث النائب الخضري، مستدركاً الآلاف ممن انضمّوا إلى قوائم العاطلين عن العمل بسبب هذا القرار.
واعتبر اتحاد المقاولين بغزة، في تصريح صحفي أول أمس، أن تصريحات المسؤولين الفلسطينيين أعطت الذريعة لإسرائيل لمنع إدخال الاسمنت إلى القطاع.
وقال بيان صادر عن "كتائب القسام" نُشر على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت، إن "ما أعلنه العدو ليس إلا نقطة في بحر ما أعدته المقاومة من أجل الدفاع عن شعبها وتحرير مقدساتها وأرضها وأسراها".
ودعا اتحاد المقاولين بغزة المسؤولين الفلسطينيين إلى أن تتسم تصريحاتهم بالمسؤولية والعقلانية اتجاه الوضع الذي تمر به غزة، والأخذ بالاعتبار أن القصة ليست تحدي كلامي إنما تمثل شعب وعمال وشركات ومؤسسات تدفع الثمن، وجاء على لسان أسامة كحيل في تصريح صحفي "أنه لا يمكن التباهي بهذا الموضوع حتى ان كان حقيقياً أو غير حقيقي".
وتظاهر العشرات من المواطنين وأصحاب البيوت المدمرة يوم الأربعاء أمام مقر المندوب السامي للأمم المتحدة في غزة للتعبير عن غضبهم إزاء رفض الاحتلال الاسرائيلي إدخال الاسمنت.

