لم تتخيل نضال اسعد صلاح والدة الاسيرة الشابة مجد عطوان ان يتم اعتقال كريمتها على يد قوات الاحتلال بعد نحو نصف قرن من اعتقالها هي في سجون الاحتلال الاسرائيلي.
وكانت نضال التي تبلغ اليوم نحو 44 عاما قد اعتقلت في العام 1990 ضمن أحداث الانتفاضة الأولى وكان عمرها لم يتجاوز العشرين عاما وذلك بتهمة المشاركة في مقاومة الاحتلال وقد حكم عليها بالسجن الفعلي لمدة سنة وثلاثة أشهر، ولم تكن حينها متزوجة، وبعد تحررها من خلف القضبان تزوجت وأنجبت بنت وولدين، من بينهم محمد الذي يبلغ اليوم عمره نحو 16 عاما وقد اعتقل لمدة ثمانية أشهر وأطلق سراحه قبل عدة أشهر.
اعتقال مجد الغير متوقع
وتقول نضال أنها توقعت اعتقال محمد، ولكنها لم تتوقع على الإطلاق اعتقال مجد البالغة من العمر 23 سنة، وحينما داهمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال منزلهم المتواضع في البلدة القديمة من الخضر فجرا قبل نحو أسبوعين اعتقدت مع بقية أفراد عائلتها ومن بينهم مجد ان الاعتقال ربما يكون للنجل محمد ولكن المفاجأة كانت كبيرة حينما طلب ضابط القوة المقتحمة والتي ضمت عددا من المجندات مجد، فصرخت الوالدة بأعلى صوتها استهجاناً لهذه الخطوة معربة عن استغرابها متسائلة عمّا فعلته مجد حتى تأتي كل هذه القوة لاعتقالها، وكان رد الضابط كالعادة ”ان لا تخاف وأن القضية ثلاثة ايام وتنتهي”.
ومنذ ذلك الحين خضعت مجد للتحقيق حول كتاباتها على موقع التواصل الاجتماعي فتنقلت بين سجن "تلموند" للنساء، ومركز تحقيق المسكوبية ومركز توقيف "غوش عصيون"، وتمحور التحقيق حول هذه التهمة ونشر صور للشهيدين مهند حلبي وضياء تلاحمة، ولم تقف المسالة عند هذا الحد بل عقد جلسات متتالية لمحاكمتها في عوفر، كل ثلاثة أيام مرة، وقد وجهت النيابة العسكرية "الإسرائيلية" تهمة “التحريض العنيف عبر الفيسبوك”، وذهب ممثلها في الجلسة الأخيرة التي عقدت الأربعاء الماضي الى تقديم استئناف لتعطيل قرار القاضي بالإفراج عنها مقابل دفع غرامة مالية ألفي شيكل، ونجح النائب العسكري في ذلك ليتم تأجيل الجلسة ليوم الأحد القادم.
جلسات المحاكمة
الجلسات الثلاث للمحكمة في عوفر، عقدت بالتوالي، وحضرها والديّ مجد، علكما بأن الاحتلال يمنعهما من الزيارة بدعوى أمنية، كونهما أسيرين سابقين، إذ إن يوسف عطوان والد مجد، أمضى سبع سنوات قيد الاعتقال على فترات، لذا فإن جلسة المحكمة بالنسبة لهما، فرصة لرؤية ابنتهما.
ملابسات القضية وتفاصيل الاعتقال والتحقيق، تُثبت مساعي الاحتلال لتعطيل الإفراج، ليس فقط عن مجد، ولكن عن كل الاسرى وان كانت قضاياهم ليس بالحجم الكبير، فيتم استخدام كل الادوات “القاضي والنيابة العسكرية والجيش والشاباص واجهزة الامن” حتى يبقى الاسير أو الاسيرة اكبر قدر ممكن من الوقت، داخل السجن، ومن هنا تكمن عقدة المعركة المستترة التي تشن ضد الاسرى والاسيرات وحتى ضد محاميهم.
التهمة المستجدة
أما القضية الاخرى التي أثيرت من خلال اعتقال مجد وغيرها من الشبان والشابات هي طبيعة التهمة، وهي تهمة مستجدة مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي ومن هنا كما يقول عيسى قراقع رئيس هيئة الاسرى والمحررين "ان القضية تكمن في منع المواطنين من التعبير عن آرائهم وهي مهمة مستحيلة بعد ان اصبحت وسائل الاعلام الاجتماعي مفتوحه بهذه الطريقة، صحيح انهم يلاحقون افرادا ولكن لن يستطيعوا ملاحقة الانترنت، أو إغلاقه، هم بالفعل يسعون لتكميم الافواه في القرن الواحد والعشرين لمنع كشف ممارسات الاحتلال البشعة، فالافضل لهم وقف الاحتلال برمته.
وأشار قراقع إلى انه جرى اعتقال 10 فتيات فقط خلال الأسبوعين الأخيرين بتهمة التعبير على الفيس بوك، وجرى تسجيل أكثر من 130 حالة لمحاكمة أصحابها بذات التهمة بينما بقي نحو ثلاثين ناشطاً قيد الاعتقال.
وفود عديدة أمّت بيت عائلة عطوان، للتضامن معها في قضية اعتقال ابنتها مجد وحال لسان والديّهما يقول "هذا هو الاحتلال ولا نستغرب ماذا يفعل"، إذ كانا يستقبلان الزوار والمواسين بصبر ورباطة جأش.
اتصال ديما الواوي
كتب يوسف عطوان، والد مجد، ليعبر عن مشاعره تجاه اعتقال ”الجميلة مجد” كما وصفها وقال "مجد جميلة الجميلات.. فلسطينية القسمات والانتماء.. تملك قلبا لا يتسع بداخله إلا لحب فلسطين وشهداءها وأسراها وأحرارها”، كما كتب في منشور آخر وعندما جرى الإفراج عن أصغر اسيرة في السجون ديما الواوي الاسبوع الماضي والتي اتصلت فيه لتطمئنه عن مجد يقول” وصلني صوتها عبر سماعة الهاتف وكأنها ملاك ينشد لحن الوفاء لمن تركتهن خلفها من أسيرات…فقالت مسا الخير عمو أنا ديما الواوي كنت في السجن عند بنتك مجد…تهديكم سلامتها وهي بصحة جيدة وضروري ان تبعثوا لها الاغراض التي تحتاجها بأي طريقه…فرحت وسعدت لسماع صوتها وكأنني أكلم ابنتي..شكرا لك من كل قلبي يا ابنتي”.
قد يكون من اللافت في منشور عطوان الأخير، عبارة "بأي طريقة"، التي تختصر مدى صعوبة التواصل مع الأسيرات، حتى في إرسال الأغراض الشخصية لهنّ.
كل التقديرات تشير الى ان مجد سوف تكون في منزلها بالتأكيد وتأمل العائلة أن يفرج عنها في جلسة المحكمة الوشيكة”، ومع ذلك يؤكد يوسف انه بامكان انهاء قضية مجد ولكن القضية الأكبر في ملاحقة الشعب الفلسطيني لا أفق واضح لها حتى الآن”.

