لم تكن المخيمات فقط بؤر مقاومة وثورة ونضال، بل تعتبر الملهم والمحرك للمقاومة والتضحية والعطاء، والشاهد على المأساة التي ارتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، منذ أكثر من 6 عقود، وعلى كل أشكال الإرهاب والتطهير العرقي التي اقتُرفت ضدّه لحمله على الرحيل القسري، حين هدمت الآلة الصهيونية الدموية أكثر من (531) قرية فلسطينية في عام النكبة 1948م.
قوى الاستعمار الغربية وفي مقدمتها بريطانيا زرعت "اسرائيل" في قلب الأمة العربية، لتمنع توحدها وتحمي مصالحها في المنطقة، وتجعل منها العصا الغليظة التي يجري بواسطتها استهداف أي نظام عربي وطني أو حركة تحرر عربية تتصدى للمشاريع الاستعمارية في المنطقة
وتجدر الإشارة إلى أن عدد المخيمات بالضفة المحتلة هو 27 مخيماً، يقطن بها نصف مليون فلسطيني، يُضاف إليها 8 مخيّمات في قطاع غزة. وتُشرف على الأوضاع المعيشية بالمخيمات، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتقدم لهم الخدمات، في مقدّمتها التعليم والصحة.
والمخيمات الفلسطينية، ومنذ 7 أشهر، تتصدر انتفاضة القدس الشعبية، المستمرة والمتطورة، كان الحال في الانتفاضتيْن السابقتيْن، وكل المعارك التي خاضها الفلسطينيون ضد الاحتلال الصهيوني، والتي كان أبطالها "ولاد المخيّم".
شعفاط وقلنديا والدهيشة والجلزون والعروب وعايدة والفوار هي عناوين بارزة في الانتفاضة الحالية، سواء من ناحية أعداد الشهداء والجرحى أو الاعتقالات وبؤر المواجهات.
وكانت مخيمات جنين وعسكر وبلاطة، مركز المواجهة في الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى"، إذ قدّمت الشهداء والأسرى والجرحى، كما شهد مخيم جنين معركة بطولية في العام 2002، تمكّن فيها المقاومون الفلسطينيون من قتل عشرات الجنود الصهاينة، وهي معركة شهد فيها القاصي والداني للمقاومة الباسلة وإصرار أبناء المخيم على مواجهة الاحتلال حتى الرمق الأخير، رغم قلّة العدد والعتاد.
"بوابة الهدف" تحدّثت إلى الكاتب والمحلل السياسي، راسم عبيدات، الذي أكّد فشل كل محاولات الاحتلال، لإشغال الفلسطينيين عن حقّهم في العودة لأرضهم، أو دفعهم لنسيان هذا الحق.
وقال "عن مساعي الكيان الصهيوني لشطب حق العودة عبر مبادرات ومشاريع سياسية مشبوهة، أو من خلال عمليات الذبح والتدمير، فشلت في محو هذا الحق من ذاكرة شعبنا الفلسطيني، ومقولة بن غورين بأن كبارهم يموتون وصغارهم ينسون، بات زيفها وفشلها مؤكداً".
وعن أبناء المخيمات الآن، رأى عبيدات "انّ الجيل الجديد من أبناء شعبنا، بمن فيهم جيل ما بعد أوسلو يُبدي تمسكاً وتشبثاً واضحاً بحق العودة، وهو ذات الجيل الذي كان المحتل يراهن على كي واختراق وعيه، وهز قناعته بعدالة قضيته وحقوقه الوطنية، ها هو الآن يقود الانتفاضة، ويشكل مهماز حركتها وقيادتها."
ابن مخيّم العروب، والأسير المحرر اللاجئ عبد القادر الطيطي "30 عاماً"، قال "ان المخيمات ستبقى شاهداً على الجريمة، وعلى انحطاط المجتمع الدولي الذي يُنار الجلاد دوماً ضد الضحية"، مُضيفاً أن المخيمات ستبقى دوماً بؤراً مشتعلة للثورة والكفاح ضد المحتل.
وتابع "أبناء المخيمات سيبقون الورثة الشرعيين لدماء الشهداء، وسيواصلون حمل الراية وتسليمها من جيل لآخر، حتى تتحقق الأهداف بالعودة إلى أرضنا المسلوبة منذ عام 1948م، كما سنظلّ نُورّث مفاتيح بيوتنا هناك، والتي لا يعرفها صدأ السنين".
المخيمات ليست مصدر الشرارة الأولى لكل فعل مقاوم، بل هي حاضنته الأصلية والدائمة، فلا يكفي تلك الأرض أن تهبَ أبناءها شهداء كُرمى للحرية، بل تحتضن ما تبقّى من رائحتهم، كعوائلهم، وبيوتهم، إذ شهد مخيم شعفاط في الانتفاضة الحالية، أول حملة جمع تبرعات لبناء منزل الشهيد إبراهيم العكاري الذي هدمه الاحتلال.
والمُفارقة أن الاحتلال يُقدم على هدم منازل الشهداء، كإجراءٍ عقابيّ رادع لباقي الفلسطينيين، عن المقاومة وتنفيذ العمليات ضدّ الجنود والمستوطنين، ليُثبت أهالي المخيمات العكس المُبين.
هذا كلّه إلى جانب ملايين الشواقل، التي تصرفها الآلة الصهيونية، لخدمة أغراض وأد فكرة "حق العودة" من عقول الشباب الفلسطيني، وإبعاد وثنيهم عن أفعال التضحية في سبيل الأرض والوطن، والكفاح لأجله، وهي مُخططات لا تنفكّ تسجل فشلها وعجزها.
الناشط الشبابي المقدسي، ياسين صبيح، ابن مخيّم شعفاط الملاصق للقدس المحتلة، قال "مُخططات الاحتلال شملت إغراق مخيماتنا بكل ما هو غير وطني ولا أخلاقي، لكيّ وعي الشباب الفلسطيني وثنيه عن النضال لاستعادة أرضه ودحر المُحتل".
صبيح أوضح أن "أجهزة الاحتلال أغرقت عدد من المخيمات القريبة من القدس بالممنوعات ومُغيِّبات العقل والفكر، إلّا أن أبناء تلك المناطق، رفضوا ذلك وقاوموه، مؤكدين مرة أخرى على تمسّكهم بأرضهم وفكرهم وحقوقهم".
المخيّم أيضاً خرّج الطبيب والمهندس والمعلّم والقائد والرائدين في المجالات الحياتية والعلمية المختلفة، إلى جانب أولئك المُقاومين، كما ترتفع نسب التعليم في صفوف اللاجئين في المخيمات.
تجذّر حب الوطن في نفوس أهل المخيم، تدلّ عليه أسماؤهم، التي ترمز للحرية والمقاومة والعودة والنصر، ومنهم من يحمل أسماء مدن وقرى مُحتلة.. ربّما هي كلمات السر التي يتركها الأهالي لأبنائهم وأحفادهم، "بأن هناك وطنٌ أكبر ينتظر الحرية والنصر بأيديكم".

