اختتم مؤتمر وزراء الخارجية الثلاثين المنعقد في باريس، أعماله يوم الجمعة، بشأن المبادرة الفرنسية لإحياء المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني لأجل السلام وفق حل الدولتين، بدعوة الطرفين لإظهار التزامهم بحل الدولتين من خلال تدابير تؤكد التزامهم بهذا الحل.
وذكر البيان الختامي الذي تم نشره في ختام اجتماع تحضيري للمؤتمر الدولي من المقرر عقده نهاية الصيف أنه لا بد من التأكيد أن المجتمع الدولي يتوقع من الفلسطينيين والكيان الصهيوني "اتخاذ تدابير واعتماد سياسات لإظهار جدية التزامها بحل الدولتين ما سيساعد على إعادة بناء الثقة"، وجاء في ملخص البيان الختامي المقتضب أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام، وأن الجهود منصبّة الآن على إقناع الأطراف بضرورة العودة لمفاوضات السلام.
وأكد وزراء الخارجية في بيانهم أنهم "يشعرون بالقلق الكبير مما يجري من أحداث على الأرض وخاصة العنف واستمرار الاستيطان وهو أمر خطير يهدد فرص تنفيذ حل الدولتين"، وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن الأساس لعملية سلام المحتملة يجب ان يكون على أساس المقترح أو المبادرة العربية عام 2002 مشدداً على ضرورة قبول الكيان الصهيوني لهذا الأساس إذا كانت جدية بتحقيق السلام، واضاف ان "مبادرة السلام العربية لديها كل المقومات لنجاح التسوية النهائية"، موضحاً ان طرح المبادرة العربية على الطاولة أساساً متيناً لحل هذا الصراع الطويل، وأضاف الجبير "نحن نأمل أن قد يكون في اسرائيل ما يكفي من الحكمة لقبول المبادرة."
من جهتها قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، خلال ان القوى العظمى لديها واجب لإحياء المحادثات بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، وأضافت أن ما اتفق عليه من قبل في إشارة لاتفاق أوسلو في عام 1993 أصبحت الآن مهددة وفي خطر، موضحةً ان "سياسة التوسع الاستيطاني وهدم المنازل، والعنف والتحريض يخبرنا بوضوح أن اتفاق أوسلو مهدد بالزوال مما سيؤدي إلى حرب مفتوحة وخطيرة."
أما وزير خارجية فرنسا، جان مارك ماير فقال قبيل الدخول إلى قاعات مؤتمر باريس أن "المفاوضات المباشرة لا تعمل"، وأضاف في ردّه على الانتقادات بفشل المبادرة الفرنسية "اليوم كل شيء عالق، ونحن لا نريد العمل بدلاً من الفلسطينيين والإسرائيليين، لكننا نريد مساعدتهم."
من جهته اعتبر أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، أن المبادرة الفرنسية لإحياء عملية السلام تشكل بارقة أمل، "على أن تحدد المبادرة إطاراً وجدولاً زمنياً واضحين لإنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وتجسيد قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة على حدود الرابع من حزيران 1967، والتي اعترف بها العالم وبحدودها وجسّدها في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 19/67، وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين حسب القرار الأممي 194، وأن تكون المرجعية مبنية على أسس الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام كما هي والاتفاقات الموقعة، وتقديم اطار واضح مع معايير محددة لاستئناف المفاوضات."
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إن العقبات التي تعترض السلام في الشرق الأوسط واضحة، وتشمل الإرهاب والعنف والتحريض، كذلك المشروع الاستيطاني الجاري، وعدم وجود وحدة بين غزة والضفة الغربية المحتلة.
وشدد على أن المفاوضات الجادّة تتطلب قيادة من كلا الجانبين، مصحوبة بالشجاعة والشرعية للتوصل إلى تسوية تاريخية، كما تتطلب أيضا الإرادة السياسية لتنفيذها.
جدير بالذكر أن الاجتماع الذي حضره سياسيون من حوالي ثلاثين دولة، منهم الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وأمين عام جامعة الدول العربية، نبيل العربي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، تغيّب عنه الطرف الفلسطيني والكيان الصهيوني.
وفي كلمته دعا الأمين العام الكيان الصهيوني إلى الكف عن سياسة توسيع المستوطنات وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية وهدم المباني الفلسطينية، مشيراً إلى أن تلك الإجراءات تثير تساؤلات مشروعة حول التزام الكيان بحل الدولتين.
إلاّ أنه في الوقت نفسه، حث القيادة الفلسطينية على محاربة "العنف والتحريض" بشكل لا لبس فيه، وإدانة جميع "أعمال الإرهاب" بوضوح.
كما عبّر بان كي مون عن التزامه بالعمل مع أعضاء اللجنة الرباعية للشرق الأوسط وأصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك دول المنطقة، من أجل تحقيق تسوية شاملة وعادلة ودائمة للصراع.
هذا ومن المتوقع أن يزور الأمين العام الكيان الصهيوني والأراضي الفلسطينية المحتلة، في نهاية الشهر الجاري لمتابعة مناقشات اجتماع باريس.
الكيان الصهيوني سعى لـ "صيغة مخفّفة" للبيان الختامي
قالت مصادر عبرية إن البيان الختامي "المخفّف" الصادر عن اجتماع باريس الدولي الجمعة، حول الصراع في الشرق الأوسط، صدر بهذه النبرة الليّنة و"المرضية لإسرائيل"، نتيجة عمل ومساعٍ دبلوماسية مكثفة من الاحتلال، أجرتها القنوات الدبلوماسية والسياسية مع قيادات غربيّة وأوروبية وأمريكية في الأسابيع الأخيرة، من أجل عدم إصدار قرارات من شأنها "أن تمسّ بإسرائيل"، أو تدينها أو تملي عليها قرارات، خلافاً لرغبة حكومة اليمين الحاليّة.
وفسّر محلّلون "إسرائيليّون" البيان الختامي الذي صدر عن الاجتماع في باريس، عصر الجمعة، على أنه "فوز إسرائيلي أثمرته الضّغوطات الإسرائيليّة التي مورست مؤخّراً على المستوى الدولي، للتخفيف من حدة قرارات الاجتماع في باريس."
وكان أجرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الجمعة، محادثة هاتفيّة مع وزير الخارجيّة الفرنسي، جان مارك إيرولت، سعت إلى محاولة إقناع الكيان الصهيوني للمجتمع الدولي، وعلى رأسهم فرنسا، بالعدول عن فكرة المؤتمر الدّولي لإحياء عمليّة المفاوضات المتعثّرة، تخوّفاً من إملاءات دوليّة تفرض على الكيان الصهيوني.
وأفادت مصادر الاحتلال أن نتنياهو عاود التأكيد على مطالبه ومواقفه التي يصرّ التمسّك بها، وهي العودة للتفاوض دون شروط مسبقة، وإلّا فإن خلاف ذلك "سوف يبعد عمليّة السّلام"، على حد تعبيره.
وأضاف نتنياهو لوزير الخارجيّة الفرنسيّ، أنّ "مبادرة السلام من شأنها أن تمس بالمساعي الإقليميّة التي تحظى باحتمالات جيّدة، بإحلال السّلام بين الشّعوب."
وقام أيضاً الخميس الماضي، بإجراء محادثة أخرى مع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، طلب خلالها المساعدة في "تخفيف نبرة البيان الختامي للقاء الجمعة."
وجاء البيان مرضياً للكيان الصهيوني كونه لم يتطرّق إلى جدول زمني للمفاوضات بين الجانبين، بالإضافة لعدم تطرّقه إلى حدود 1967 كشرط أساسي للمفاوضات.
وعبّرت مصادر سياسية عن رضاها من تغيّب وزراء خارجيّة كل من روسيا، بريطانيا وألمانيا، والتي عزتها إلى "عمل دبلوماسي شامل وملم قام به رئيس الحكومة ووزارة الخارجيّة، خلال الأسابيع الأخيرة."
أما الناطق بلسان وزارة خارجية الكيان الصهيوني، عمانوئيل نحشون، قال إن الاجتماع في باريس عبارة عن تفويت فرصة، موضحاً أن الاجتماع سيزيد من حدة مواقف الفلسطينيين وإبعاد السلام، على حد تعبيره.
واتّهم وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي عقب المؤتمر "لاعبين كبار" دون أن يسمّيهم، بخفض مستوى التوقعات في البيان الختامي.
وأوضح المالكي "يبدو أننا ندفع ثمن حضور اللاعبين الكبار، بحيث عملوا على تخفيض مستوى البيان وما تضمّنه، بحيث غاب عنه كثير من النقاط الأساسيّة التي كنا نفترض أنه يتضمنها.
وقال 'كنّا نتوقّع بيان أفضل، كنّا نتوقّع مضمون بيان أفضل، لكن نحن الآن في انتظار أن نسمع من الخارجيّة الفرنسيّة والعرب الذين شاركوا في هذا الاجتماع."
فقد صدرت عن الاجتماع إعلانات محدودة جداً، مع اقتراح إيرولت "إطلاق أعمال" حول الحوافز الممكنة على مستويات الاقتصاد والتّعاون والأمن الإقليميّين لإقناع الطّرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات.

