أفاق المزارع أحمد الفيري من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، ليجد محصوله من الفراولة "التوت الأرضي" متجمدا، أكله الصقيع في ساعات الفجر، ليقف أحمد أمام معاناة لا يعرف من أين يتلقاها، فبالكاد نجت حبات شجيرات الفراولة من آلة البطش الصهيونية، في أول الصيف الماضي.
حالة من التيه، يعيشها المزارع في هذا القطاع الفقير المحاصر، كان بالإمكان إنقاذ بعض المحاصيل التي افترستها حباات الصقيع، لو كانت هناك إمكانيات و أدوات زراعية تحمي المحصول و ثماره.
مزيد من الضنك انهال على رأس المزارع الفلسطيني، فقد منعت دولة الاحتلال مُجدّداً تصدير الفراولة الغزّية، لصالح الإسرائيلية إلى أوروبا، لتمنع بهذا القرار مئات العوائل الفلسطينية من الانتفاع بمحصولها.
دولة الاحتلال تقوم بتصدير مُنتجها من التوت الأرضي إلى أوروبا، بحجة عدم مواصفة المحصول الفلسطيني من ذات الثمار للشروط الأوروبية، بسبب المواد الكيمائية المضافة، إلا في بعض الأوقات المجدودة جداً التي سمحت فيها بتصير الفراولة الغزّية للدول الأوروبيّة.
لعقدين ونصف من الزمان، كانت هذه الثمار السبيل الأوحد لجلب لقمة العيش لأحمد، في الزراعة والتصدير والبيع والتجارة، وقد ورث هذا العمل عن أبيه الذي ورثه عن جدِه، كان دوماً مع أول يناير من كل عام، يخرج مع نسمات الصباح الباردة، ليحصد رزق أولاده، قبل أن تعصف بهم أجواء المنخفضات القطبية، لكنه هذا العام، لم يستطع إنقاذ محصوله، فلم تكن بيده حيلة، و تكبد خسائر فادحة جراء موجه الصقيع التي صاحبت منخفضاً فتك بمصدر رزقه الوحيد، دون أيّ رعاية أودعم حقيقي من وزارة الزراعية التي من مهامها تأمين محاصيل المزارعين من هكذا عواصف.
تلف الكبير أصابت جميع المحاصيل الزراعية في بلدة بيت لاهيا والتي تعتبر من الأماكن الأكثر جودة للزراعة في القطاع، الذي يتفشى فيه العمران في كل مكان تطؤه العين.
يحاول الفيري وعائلته المكونة من 7 أفراد استصلاح الأراضي الخاصة بهم في منطقة العواودة، أقصى شمال غرب بيت لاهيا، يزرع فيها الفراولة منذ عدة سنوات، ويبذل الكثير من الجهد والتعب كل عام، كي يحظي بمحصولٍ وافر من الفراولة الصالحة للتصدير، علّه يعوض جزءًا من خسائره التي تكبدها جراء الحروب والمنخفضات الجوية، خلال الفترة الحالية والماضية.
يقول الفيري لمراسلنا "بدأنا قطف موسم الفراولة لهذا العام، لكن الكميات التي نجمعها قليلة بخلاف السنوات السابقة"مُرجعاً السبب إلى العدوان الإسرائيلي الأخير الذي استمر 51 يوماً، مؤكداً أنه "عطل ودمر كل شيء، وسبب تأخر عملية الزراعة، ثم أتى المنخفض الجوي الذي قضى على ما تبقّى، حتى أنّه دمّر بعض الأدوات التي نستخدمها في الزراعة".
وشنت دولة الاحتلال في 7 يوليو/ تموز الماضي عدواناً على قطاع غزة، استمر 51 يوماً، وتسبب باستشهاد 2159 فلسطينياً، وإصابة أكثر من 11 ألفاً آخرين، بحسب مصادر طبية فلسطينية.
وأضاف الفيري والتي بدأت زوجته، بجواره في قطف الفراولة بعد استقرار نسبي للأجواء المناخية "بدأنا مطلع الشهر الماضي، بتصدير محصول الفراولة، للضفة الغربية، والأسواق الأوربية، وهذا يفتح لنا أبواب رزق جديدة بعد منع الاحتلال ذلك، أو بطئها في تنفيذه، ويمكّننا من الحصول على أرباح وفيرة، بخلاف بيعه في الأسواق المحلية".
زينب غبن زوجة الفيري تقول لمراسلنا "أنا وزوجي نعمل منذ زمن طويل في الفراولة، ويعمل معنا الابناء، نخرجهم من المدرسة، عندما نحتاج عمال، لأننا لا نستطيع أن نجلب عمالاً بالأجرة، أنظر الأرض كبيرة، نحتاج عمال كُثر أحياناً.
وبجانب زينب ابنتها سمر التي رفضت الحديث لمراسلنا حياءً، وفق والدتها التي برّرت ذلك بأن ابنتها لم تعتد الحديث مع غرباء.
وتستثني دولة الاحتلال محصول الفراولة، بالإضافة لـ 5 أصناف أخرى من الخضروات هى "الخيار والبندورة (الطماطم) والباذنجان والفلفل الحلو والكوسا"، من الحظر الذي تفرضه على تصدير منتجات غزة ولكن إغلاق المعابر بسبب الأوضاع الأمنية يدفع الفراولة إلى السوق المحلي.
يكمل الفيري حديثه وقد تعالت أصوات إطلاق نار، يبدو أنها من زرواق البحرية الإسرائيليّة، يقول أحمد "لا تخاف فهذا الحال يكون بشكل يومي، نسمع هذه الأصوات دائما، لقد تأقلمنا مع ذلك" مستدركاً : "إغلاق الاحتلال لمعبر كرم أبو سالم، في أية لحظة، يمنعهم من تصدير الفراولة".
ولفت الفيري 37 عاماً "عدم تصدير الفراولة للأسواق الأوربية، وأسواق الضفة المحتلة يشكل ضرراً كبيراً علينا، ويكبدنا خسائر فادحة، فبيعه للأسواق الخارجية أفضل بكثير من بيعه في السوق المحلي".
ووفقاً لمركز الإحصاء الفلسطيني، فقد ارتفع معدل البطالة، في قطاع غزة إلى 40% خلال عام 2014.
أحمد الفيري الذي يملك أرضا قريبة من الحدود مع دولة الاحتلال، يذهب مع نسيم الفجر البارد الى أرضه، برفقة زوجته وأبنائه الذين يتلقوْن تعليمهم في مدارس بيت لاهيا، يقول "إن محصول الفراولة المزروع على أرضه البالغة مساحتُها 7 دونمات (الدونم: ألف متر مربع)، "مُتذبذب الإنتاج"؛ بسبب عدم تمكنه من زراعة الفراولة في وقت موسمها، نظراً لشن الاحتلال لعدوانه الأخير.
ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة، فإن عدوان الـ 51 يوماً، تسبّب بخسائر في القطاع الزراعي، وصلت إلى 550 مليون دولار.
وتؤكد الوزارة، أن أكثر من 80٪ من العاملين في القطاع الزراعي، و 40٪ من العاملين في صيد الأسماك، توقفوا عن العمل بعد أن فقدوا مصدر رزقهم الوحيد، جراء قصف وتجريف الأراضي الزراعية.
ويعمل في القطاع الزراعي -وفق الوزارة- نحو 11% من القوى العاملة في قطاع غزة، أي ما يُقارب نحو 44 ألف عامل.
من جانبه يقول تحسين السقا، مدير دائرة "التسويق"، في وزارة الزراعة بغزة، في حديث مع مراسل "هدف" إن 120 طناً من محصول الفراولة، تم تصديره لأوروبا من قطاع غزة، منذ سماح الاحتلال بالتصدير بداية يناير.
وأضاف السقا "من المتوقع أن يتم تصدير كميات جيدة من الفراولة للأسواق الأوربية وأسواق الضفة الغربية هذا العام ونأمل أن يضغط الاتحاد الأوروبي في ذلك، على الاحتلال للسماح بالتصدير".
وتابع: "المساحات المزروعة، في قطاع غزة بمحصول الفراولة، 600 دونماً أكثرُها في بيت لاهيا شمال القطاع، و الكمية الأكبر منه تصدر للأسواق الأوربية".
وأشار إلى أن المساحات المزروعة بمحصول الفراولة في قطاع غزة، تقلصت عن الأعوام الماضية بفعل الهجمات الإسرائيلية، وتجريف الأراضي الزراعية، فمساحة الأراضي المزروعة بالتوت الأرضي تقلصت من2500 دونماً في عام 2007، إلى أن وصلت 600 دونماً في الوقت الراهن.
ويخضع قطاع غزة لحصار خانق فرضته دولة الاحتلال منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، على قطاع غزة في صيف 2007، وقد نتج عن الحصار الطويل والخانق تعطل الصناعة والتجارة والزراعة وزيادة نسبة البطالة لتتجاوز الـ 80% في القطاع، وهي أعلى نسبة بطالة في العالم، إضافة لنقص حاد في الأدوية والمواد الطبية كافة.

