Menu

اليرموك بين رمضانين، أو أقسى!

وليد عبد الرحيم

اليرموك رمضان

مخيم اليرموك - وليد عبد الرحيم- خاص بوابة الهدف

يدرك سكانُ دمشق معنى أن يُذكر مخيم اليرموك في شهر رمضان، ذلك أن اسم اليرموك يرتبط مباشرة بهذا الشهر في ذهن ساكني دمشق كافة، بحيث يبدو أثنائه كمهرجان تسوّق تفوق الحركة التجارية فيه أي مكان آخر بما فيها الحمرا وباب توما العريقتين، وقد أفسح المجال لذلك من خلال شوارع لوبية وصفد واليرموك و فلسطين التي يبلغ متوسط طول أحدهما قرابة 2000 متراً، إلى جانب تفرعاتهما التي يعتبر شارعا حيفا والمدارس أهمهما.

تنتشر – أو كانت تنتشر-كافة أنواع النشاطات التجارية والتسويقية في مخيم اليرموك، بدءأ بالأطعمة بكافة أصنافها ومروراً بمحلات وسوق الصاغة، وانتهاء بسوق السيارات الذي يقع في شارع الثلاثين الذي يبدأ من مدخل اليرموك من جهة حي الميدان حتى مشفى فلسطين وشارع اليرموك ثم يكمل باتجاه التقدم ويلدا حيث كان من المخطط أن يلتقي بطريق المطار الدولي.

بدءاً من منتصف رمضان و حتى قدوم عيد الفطر، يزدحم اليرموك بشكل مبالغ فيه ، حتى يصل مع الأسبوع الأخير إلى حد اكتظاظه يومياً وعلى مدار أربع وعشرين ساعة بما يناهز ثلاثة أضعاف سكانه، أي أنه يدخل إليه عادةً في الأسبوع الأخير من رمضان ما يوازي نحو نصف سكان دمشق بقصد التسوق، والأمر ذاته في الأسبوع الذي يسبق عيد الأضحى، فقد بات من تقاليد سكان دمشق بل وبعض القادمين من لبنان أنهم يفضلون التسوق من أسواق اليرموك نظراً لاحتوائه على كافة أنواع و مستويات البضائع من ألبسة وأحذية وحلويات عطورات و إكسسوارات و ما شابهها، و قد دأب غالبية تجار دمشق الكبارعلى فتح محلات لهم في اليرموك إلى جانب محلاتهم في أسواق الصالحية والحميدية وباب توما والحمراء وغيرها.

نشأت ظاهرة اليرموك كمركز تجاري محلي مهم في نهاية الثمانينات، و كان قبلها مخيماً كسائر المخيمات الفلسطينية في دول الطوق، فيه بعض المكتبات البسيطة والمحلات التجارية الصغيرة و بسطات الشوارع، وسوقان للخضار، كما كان حتى منتصف السبعينات يعتبر مكاناً هامشياً، بلا مساكن طابقية تذكر ولا شوارع مرصوفة أيضاً، لكنه منذ الثمانينات شهد نهضته، حتى وصل قبل بدء الأحداث "2011" التي ما تزال مستمرة حتى الآن إلى مكانة منطقة حيوية في دمشق، بل في سوريا، حيث كان الأنشط شعبياً و تسويقياً أمام أسواق دمشق وحلب العريقتين، إلى درجة أن لسان حال تجار دمشق اليوم يخاطبك بقوله أن ما هز الاقتصاد و أضعف سوية الليرة هو فقدان بضائع و مستودعات و سوق اليرموك المقدرة بعشرات المليارات!

في رمضان كان الآلاف يتمشون بعد الإفطار على شارع اليرموك و لوبية وصفد، غالبيتهم من خارج المخيم، فقد كانت هناك ميزة في اليرموك لا توجد في أي مكان آخر ، لا في سوريا وحدها و هي أن محلاته التجارية لا تغلق أبوابها ليلاً أو نهاراً طيلة العام سوى أيام الجمعة حتى المساء حيث تعيد فتح أبوابها،أما في رمضان و كافة الأعياد فلا يهدأ أبداً، و كان مخيم اليرموك طيلة نهار الجمعة يختلف تماماً عن أي يوم أو وقت آخر..

في اليرموك تنتشر المساجد والجوامع وهي مكتظة في رمضان بشكل مبالغ فيه، حتى أن العديد من الراغبين بصلاة العشاء والتراويح لا يجدون مكاناً لهم، وإن مررت بأي جامع، خاصةً الجوامع الكبيرة مثل عبد القادر الحسيني، الوسيم، فلسطين، صلاح الدين تجد خلال صلاة الجمعة والعشاء والتراويح عدداً من المصلين وقد افترشوا الرصيف خارج الجامع بما قد يفوق أحياناً عدد من في داخله.

في مخيم اليرموك عدة مراكز ثقافية مهمة كالمركز الثقافي العربي ومركز غسان كنفاني ومركز الديموقراطية والخالصة وماجد أبو شرار ونادي فتيات فلسطين وفتيان فلسطين وغيرها...، كانت ناشطة هي أيضاً حيث تجد قراء الكتب نهاراً في داخلها كافة،

كما كانت النشاطات الرياضية سواء في المدينة الرياضية أو النادي العربي أو النوادي الأخرى أيضاً تنشط في رمضان بشكل لافت.

اندثر كل ذلك منذ احتلال اليرموك عام 2012، وباتت سمة اليرموك العامة السائدة هي القنص والقصف والحصار والاشتباكات والتهجير المتعمّد، مع تبدّل مرحلي في هوية هيمنة الطرف المسلّح التي بدأت بالجيش الحر ثم جبهة النصرة واليوم يسيطر داعش على غالبية اليرموك.

سجلت الأعوام 2012 و2013 و2014 أسوأ حالات مخيم اليرموك العامة، فقد دُمرت أسواقه عمداً خلالها وأحرقت العديد من المحلات ونُهبت أخرى، حتى أننا عندما استكشفنا شارع اليرموك مثلاً خاصة من بدايته عند المدخل الشمالي حيث سوق الأدوات الصحية حتى شارع لوبية لم يكن هناك محل واحد يحتوي على أية بضائع، بل أحرقت فيها حتى الواجهات والرفوف غير المنقولة، مما يدل على أن هناك من يتعمد القصاص من هذا المخيم!

كان في اليرموك نحو أربعمئة وخمسين ألف فلسطيني وأكثر منهم قليلاً من السوريين، ينتمي الفلسطينيون منهم لمعظم مناطق ومدن فلسطين، غالبيتهم من القرى والمدن المغتصبة عام 1948، مع تواجد كبير نسبياً وغير مسجّل في الغالب للاجئين في أزمان مختلفة من قطاع غزة والضفة الغربية، والسوريون مثلهم أيضاً متنوعوا الأصول المناطقية، أي أنك كنت تجد في اليرموك من كل مناطق سوريا وفلسطين تقريباً، وبعض الجنسيات الأخرى العربية وحتى بعض الأوروبية والأفريقية.

هُجّر سكان اليرموك إلى مناطق داخل سوريا أو إلى أوروبا وبعض الدول العربية لا سيّما لبنان، ويعيش الآن ما لا يزيد عن ستة آلاف داخل المخيم يعانون ما يعانونه، خاصة في شهر رمضان، حيث تنعدم المياه والكهرباء تقريباً ويعاني المتبقون من جلب الماء تحت القصف والقنص والاشتباكات المتبادلة بين المجموعات المختلفة، خاصة بين النصرة وداعش.

المساعدات استمرت في الوصول في رمضان الحالي إلى المتبقين في المخيم و المقدمة بشكل أساسي من قبل الأونروا التي وزعت نحو 28000 ليرة سورية "50" دولاراً كحصة لكل فلسطيني بالإضافة إلى عبوة مساعدات كرتونية غذائية لكل عائلة، أو من قبل المنظمات الداعمة المختلفة، الأمر الذي بدا بشكلٍ أفضلَ وتيرة من السنوات الأربع السابقة، على الرغم من شكوى عدة عائلات بقيت أو خرجت إلى المناطق المجاورة من عدم تسجيلها في الأونروا وحصولها على الدفتر "الأبيض"، وهؤلاء هم من القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة ولم يسجّلوا في سجلات اللاجئين، حيث لم يكن الفلسطينيون في سوريا يبدون اهتماماً بهذه المسألة قبل السنوات الخمس الحالية.

كما أن تفجيرات داعش في السيدة زينب يوم 11/6/2006، التي وقعت في مخيم يسكنه اللاجئون الفلسطينيون ويستقبل اليوم المئات من أبناء اليرموك والسبينة والحسينية وغيرها ، حصدت هذه التفجيرات و جرحت العديد من الفلسطينيين ونكلت مجدداً بحياتهم، فشارع التين الذي ذكره الإعلام برمته لم يذكر أنه يقع في مخيم وأن سكانه هم من اللاجئين الفلسطينيين وأن ستة ممن استشهدوا فيه هم من الفلسطينيين ثلاثة منهم من مهجري اليرموك، من بينهم طفلان أحدهما يبلغ سبع سنوات وهو من آل النجار من غزة، و هذه العائلة مثلاً من ضمن العائلات التي لا تصلها المعونات بسبب عدم تسجيلها وحصولها على "الكرت الأبيض" بحسب صرخة أطلقها رب الأسرة عقب استشهاد طفله وجرح الآخر.

وقد سبق لداعش أن تبنّى تفجيرات كبيرة استهدفت المنطقة ذاتها في شباط/فبراير الماضي وحصدت عشرات اللاجئين

داخل المخيم يصرّ الأهالي في رمضان الحالي على الاستمرار بتقاليد رمضان المعتادة، لكن الأمر اليوم أشبه بمن يقيم شكلاً من كرنفالات التعبير التراثي الرمزي، ولكن بلا ازدحام أو إقبال، حتى أن الشوارع الكبرى كاليرموك ولوبية وصفد التي كانت تشهد ازدحاماً كبيراً هي الآن خاوية.

لكن التقدم في إيصال المساعدات على أهميته خلال رمضان الحالي لم ينتج حالة أفضل للسكان أو المهجرين من اليرموك، فإن أهم ما يعصف بسكان اليرموك اليوم، مهجريه والمتبقين فيه هو سؤال المستقبل الغامض لا سؤال الواقع اليومي المعيشي، حيث لا أحد يستطيع الإجابة على سؤال المصير، ليس المصير المستقبلي فحسب بل حتى ما يخص اليوم التالي.