Menu

"رمضان إن هلّ زلّ".. لسان حال أصحاب البسطات بغزّة

thumb

غزة_ بوابة الهدف_ نرمين الجدي

مع استمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة، واشتداد تداعيات الحصار الصهيوني المتواصل منذ 10 أعوام، على منطقة جغرافية تُصنّف من أكثر المناطق فقراً في العالم، وسط مُعدّلات مُخيفة من البطالة، لجأ  عدد كبير من المواطنين العاطلين عن العمل إلى إقامة "بسطات" متنقلة أو ثابتة لبيع مُنتجات مختلفة، في الشوارع الحيوية وأمام المؤسسات الصحية والتعليمية والمساجد, حيث تكثر فيها حركة المارّة والمُشترين.

أحمد المقيد "28عاماً"، خريج جامعي، منذ العام 2006، يقف بجوار بسطته التي تحتوي على "ملابس رجّالية", يُوزع نظرات الترحيب للمارين تارةً، ويرتب بضاعته تارةً أخرى.

يقول المقيد، وهو أب لأربعة أطفال "أسرتي متوسطة العدد وأطفالي بحاجة للكثير من متطلبات الحياة,..، بعد أن أنهيت دراستي الجامعية توجهت لعدد كبير من المؤسسات التعليمية, من أجل العمل لديهم، لكنّهم رحبوا بس كمتطوع فقط، بحجة انعدام فرص التوظيف".

بلغ عدد العاطلين عن العمل حسب تعريف منظمة العمل الدولية  336 ألف شخص في عام 2015، بواقع 143 ألف في الضفة الغربية و193 ألف في قطاع غزة.

"بعد أن أُوصدت الأبواب في وجهي، لجأت لهذه البسطة، كي أتمكّن من توفير احتياجات أبنائي، وأعيش بكرامة، دون أن أضطرّ لمدّ يديّ والسؤال من الناس"، يقول المقيد، ويُكمل "حتى أن هذه البسطة بالكاد تكفي لتوفير الملابس والطعام لأسرتي, فهُنا في غزة، حياتنا تزداد صعوبة يوماً بعد يوم".

بائع البسطة الشاب أفاد بتعرّضه للعديد من المضايقات من أصحاب المحال التجارية المحيطة، الذين اشتكوا عليه أكثر من مرّة للبلديّة، معترضين على وجوده أمام محالهم ومنافستهم في بضاعتهم ومصدر رزقهم، إذ تُباع المُنتجات المعروضة على البسطات بأسعار أقل، لذا يُقبل عليها المُشترون أكثر".

يُتابع المقيّد عن تعامل البلدية معه، قائلاً "إن البلدية تعمل على تنظيم وجود البسطات في الأسواق, وقد فرضت علينا مؤخراً دفع مبلغ "1 شيكل" يومياً، ثمناً لشغله مكاناً ثابتاً في السوق".

خلال شهر رمضان، يزيد لإقبال المواطنين على شراء الحاجيّات الأساسية وكذلك الكماليات والزينة المضيئة, والفوانيس والمخلّلات والحلوى، وتحديدًا الموسمية منها كـ "القطايف" وألعاب الأطفال، وجميعها تلقى رواجاً خلال أيام رمضان.

استهلاك

يقول حسني أبو عيطة "عاماً 43"، وهو صاحب محل بقالة في مخيم جباليا, ويبيع "القطايف" خلال شهر رمضان "كان إقبال الناس على الشراء خلال الأشهر الأخيرة ضعيفاً، لكن مع اقتراب شهر رمضان، وجدتُ إقبالاً كبيراً على بضاعتي، وتحديداً لشراء القطايف".

وإلى جانب "القطايف"، يشتري المواطنون المكسرات والقشطة، والتمر والسكر والشيرة "ال قطر "، وهي حاجيّات تُستخدم لصناعة هذه الحلوى، ما يُسهم في تنشيط حركة البيع، حسب ما قاله البائع أبو عيطة.

ويستدرك أبو عيطة، "لكن.. لا يُمكن بأي حالٍ من الأحوال مقارنة البيع في رمضان هذا العام أو الأعوام العشر الأخيرة، بتلك الأعوام التي كانت فيها المعابر مفتوحة، إذ كانت البلاد تشهد انفراجة اقتصادية".

يتميّز شهر رمضان أيضاً، بوجود أطباق المخلّلات المختلفة، على موائد الإفطار، وهي متعددة الأشكال والألوان، والتي يعتبرها الكثيرون من كماليّات المائدة في غير رمضان.

يقول مصطفي جودة "28 عاماً" وهو صاحب بسطة مخللات، وسط مخيم جباليا "أعمل في بيع المخللات منذ 8 أعوام، فأنا لم أكمِل تعليمي، وعملت فيما مضى سائق سيارة أجرة، لكنّ بسبب التكاليف الكبيرة لإصلاحها وتكرار أعطالها، توقف عن العمل بها".

بائع المخللات اشتكي من أنه "ورغم تميّز رمضان بهذا الصنف من الطعام، وزيادة الإقبال عليه –كعدد مُشترين- إلّا أن الكميات التي أبيعها ليست كبيرة، وقد يعود هذا لعدم الرغبة بتناول المخللات بكثرة في شهر الصيام".

وعن أحوال السوق والحركة الشرائية يقول جودة "كالعادة، تنتعش الأسواق بعد استلام الموظفين رواتبهم، ولفترة وجيزة، ثمّ تعود للركود ثانيةً".

ورأى الخبير الاقتصادي نهاد نشوان أنه وخلال شهر رمضان ، تستفيد عدّة شرائح من النشاط الاقتصادي، مثل كبار التجار الذين يستوردون السلع من الخارج، ثمّ صغار التجار من أصحاب المحال التجارية التي تُسوّق العديد من السلع التي يزيد عليها الاستهلاك في هذا الشهر، وبعدهما أصحاب العربات المتنقلة الذين يبيعون بضاعتهم من خلال "البسطات".

وأضاف نشوان أن "السلطات في غزة اتّخذت إجراءات كثيرة بحق الشريحة الثالثة "أصحاب البسطات"، بهدف منعهم من البيع، نظراً لعدم امتلاكهم ترخيصاً أو سجلات ضريبية، لكنّه هذا الأمر لا يتماشى مع الظروف المعيشية المترديّة في قطاع غزة، الذي أصبح يعج بالبطالة وبنسب عالية جداً.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن أصحاب البسطات يُمثّلون سوقاً خاصاً لذوي الدخل المحدود والشحيح، لأن أسعار البضاعة التي تعرضها أقل من تلك التي تُعرض داخل المحال التجارية.

وطالب نشوان الجهات المعنية باتّباع منهج التنظيم والترتيب والاحتواء "للبسطات"، بدلاً من المنع والتقنين، في مساهمة منها لإبقاء هذه الشريحة قيد الحياة.

قد يكون شهر رمضان، بأيامه الثلاثين، شهر الفرج بالنسبة لأصحاب البسطات هؤلاء، لكنّها تبقى ثلاثين يوماً فقط، من العام كلّه، وكما يقول المثل العربي "شهر رمضان.. إن هلّ زلّ"، أي إنه بمجرّد أن يبدأ ينتهي، ليعود هؤلاء الشباب بلا عمل مرّةً أخرى.