Menu

خزاعة: المجزرة التي غابت عن الإعلام.. حصار وإعدامات ميدانية

الشجاعية1

المقداد جميل - غزة - خاص بوابة الهدف

ارتكب جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، خلال العدوان ضد قطاع غزّة عام 2014، مئات المجازر، من بينها مجازر الإبادة الجماعية لمناطق كاملة، كانت أولها المجزرة الأشهر في حي الشجاعية شرق مدينة غزّة، ثم تلتها مجازر أخرى، كان من بينها مجزرة الجمعة السوداء في رفح، إضافةً إلى مجزرة "خزاعة" شرق مدينة خانيونس، جنوب القطاع.

الأخيرة التي بدأ ارتكابها في مثل هذه الأيام، قبل عامين في بلدة خزاعة الحدوديّة، غابت بشكلٍ كبير عن الإعلام، ولم تظهر كما ظهرت غيرها، إذ حوصرت البلدة مدة ثمانية أيامٍ متواصلة وتعرّضت لقصفٍ مستمرّ بالمدفعية، إضافةً لاقتحامها من قبل الجنود الذي مارسوا أبشع عمليات الإعدام الميدانيّة بحق المواطنين.

أظهرت مشاهدٌ تلفزيونيّة متعددة، مظاهر الإبادة داخل بلدة خزاعة، والتي لم تخرج للإعلام إلّا بعد أيامٍ طويلة من الحصار والقتل والإبادة. كانت حينها العديد من الجثث قد بدأت بالتحلل، وقد تكومت بعضها فوق بعض في أماكن كان يلجأ إليها المواطنين كمأوى. حيث كانت العائلات كاملةً تلجأ إلى مناطق اعتبرتها آمنة في "بدروم" المنازل والعمارات، والطوابق الأولى والأرضية من المنازل، ظنًا منهم أنّها قد تكون آمنة إذا ما قصفت القذائف الطوابق العلوية للعمارات.

لكن، آلة الإبادة "الإسرائيلية" لا تضع أيّ اعتباراتٍ لهذه الإجراءات التي يتخذها المدنيين، فاقتحم الجنود البلدة بشكلٍ همجي، تحت تغطيةٍ من القصف المدفعي المتواصل، ليقوموا بمجزرة كانت من أبشع المجازر التي ارتكبت في قطاع غزّة، حيث اختلفت عن غيرها، بأسلوب الإعدامات الميدانية، والاعتقالات التي طالت مدنيين ومقاومين في المكان.

بلغ عدد الشهداء حتى اليوم الثاني من بدء المجزرة أكثر من 30 شهيدًا، إضافة لعشرات الجرحى الذين لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إليها، حيث حاصرت القوات "الإسرائيلية" سياراتٍ تتبع للصليب الأحمر ووزارة الصحة الفلسطينيّة، ومنعتهم من الوصول للجرحى. كما خضع ما يقارب 11 ألف مواطن في البلدة لحصارٍ، منعوا خلاله من الخروج منها، كما منعوا من التواصل مع العالم الخارجيّ، حتى بات صعبًا معرفة الأوضاع داخلها.

ناشد حينها السكّان كافة الجهات إلى ضرورة إخراجهم من البلدة، مع جثث أبناءهم الشهداء التي كانت تتحلل أمامهم دون أيّ قدرةٍ على حمايتها أو حماية الجرحى والمحتجزين داخل المنازل، في ظلّ إطلاق القذائف المتواصل.

في محاولة للوصول بشكلٍ أكبر لحالة البلدة خلال عمليات القتل والحصار التي حصلت فيها، "بوابة الهدف" تواصلت مع بعض شهود المجزرة، الذين نجوا منها بعد أيامٍ من الحصار، ولم تُصبهم سياسة الإعدامات الميدانية. عماد قديح، شاب عاش تحت الحصار في البلدة، وشاهد القصف فيها، إضافةً لاعتقاله عدة أيامٍ مع بعض الشبّان الذين اقتيدوا من البلدة.

وصف قديح تفاصيل كاملة، عاشها خلال أيام المجزرة قائلًا "كان الضباط يعطون المواطنين والعائلات التي كانت تجلس على شكل جماعات، الأمان، ويدعونهم للخروج من الممرات التي تركها الجنود لخروج المواطنين من البلدة، وبمجرّد خروج المواطنين عبر هذه الممرات، يتم إعدامهم وإطلاق النار عليهم من قبل القناصة المتمركزة أعلى البنايات".

يُبيّن قديح أنّ عشرات الصور التي شوهدت عبر الانترنت ووسائل الإعلام، للشهداء الذين كانت جثثهم مترامية في الشوارع، والتي كان من بينهم أشخاص مقعدين، وكبار سنّ وأطفال، قد تم إعدامهم جميعًا بهذه الطريقة. إضافةً لإعدام عائلات بشكلٍ جماعي بهذه الطريقة، حيث تخرج العائلة بأكملها تحت أساس "الأمان الموجود"، والتي سرعان ما يتم إبادتهم في هذا الطريق الآمن.

أمّا عن الجرحى، يُبيّن قديح أنّ البلدة كانت مليئة بالجرحى الذين لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إليهم، مما أدى لاستشهاد عدد كبير منهم. حاول قديح في تلك الأيام إنقاذ أحد المصابين في المكان وكان يحمله بين يديه، لكن، ضابط جيش الاحتلال هدّده قائلًا "إما أن تتركه، أو أقوم بإعدامك معه".

حاولت قوات الاحتلال الوصول لعناصر المقاومة في البلدة، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا، مما اضطرها لاستخدام أسلوب "حرق المناطق"، والذي يقوم على تدمير سطر كامل من المنازل وإبادتها بالطائرات والقذائف، كلّما شعر أنّ هناك أيّ تحرّك ولو بسيط لأيّ شخص في المكان. ليهيئ المكان فيما بعد لدخول جنوده ميدانيًا.

الطبيب كمال أبو رجيلة، كان محاصرًا تحت القصف حين اتصل بقناة الجزيرة الفضائية، ذلك الوقت، فيما بدأ يصف الأوضاع فيها بالمأساوية، قائلًا إنّ المشهد لا يوصف، فهناك "مجزرة حقيقيّة". كان أبو رجيلة الطبيب الوحيد في البلدة المحاصرة، حاول خلالها استغلال ما لديه من إمكانياتٍ قليلة لإسعاف بعض المصابين، إلّا أنّ مهمته لم تنجح بشكلٍ كامل.

بعد أيامٍ من حصار الشاب قديح مع أفراد عائلته، قرّر الجنود إخراجهم من المنزل المتحصنين فيه، فصلوا النساء عن الرجال، جعلوا النساء يخرجن من الطريق الآمن، ومن حظّ العائلة أنّها كانت ناجية في ذلك الوقت، ولم يتم استعمال أسلوب القنص والإعدام الميداني بحقّها. لكن في الوقت الذي كانت تنجو فيه العائلات، كان يتم اقتياد أكثر من 10 شبّان من أفراد العائلة، بينهم عماد وشقيقه، وأبناء عمّه، إلى أعمال أبشع وأصعب، استمرّت أكثر من أسبوع.

جرّد الجنود الشبّان من ملابسهم بشكلٍ كامل في البلدة، وتركوهم يخرجون منها تحت أصوات القصف واستمرار الرصاص في كلّ مكان، متوقعين إعدامهم في أيّ لحظة. لكن على ما يبدو الضابط "الإسرائيلي" قرّر هذه المرة استخدام أسلوبٍ آخر، حيث اقتيدوا إلى داخل السياج الفاصل، وأجبروا على المشي مسافة تفوق 5 كيلومتر داخل الأراضي المحتلة، تحت رقابة من الطائرات التي كانت قادرة على قتلهم في أيّ لحظة.

حتى وصولهم معسكرات الجيش "الإسرائيلي"، خضع الشبّان إلى أقسى أنواع التعذيب، بينها الضرب بالبنادق وأشكال الإهانات الصعبة. إضافةً لتركهم أيامًا عديدة دون الشرب أو الأكل. يصف الشاب المشهد بأبشع ما يُمكن، حيث يوضع لهم وجبة يوميّة فيها أقذر أنواع الأكل. إضافةً لتقديم ماء "المحاليل الطبية" لشربه بدلًا من المياه العادية النظيفة.

تُرك الشبّان فيما بعد لأيامٍ طويلة تحت الشمس، عُراة، مجرّدين من أيّة ملابس. وتعرّضوا لتحقيقٍ قاسٍ، لعلّ الجيش الذي فشل في الوصول للمقاومين من داخل بلدة "خزاعة"، والذي أباد البلدة من أجل الوصول إليهم، لعله يستطيع الوصول لشيء ما يهدئ من شعوره بالهزيمة بعض الشيء، من خلال هؤلاء الشبّان.

وإلى أن تم الإفراج عن الشبّان عبر حاجز "إيرز" الاحتلالي، شمال قطاع غزّة، بالتنسيق مع الارتباط الفلسطيني، كانت بلدتهم لا تزال تتعرّض لأبشع وأقسى أنواع القتل، وكانت أسوأ مما تُركت.

بلغ عدد الشهداء في إحصائيةٍ غير واضحة عن المجزرة، أكثر من 66 شهيدًا، تم إعدام غالبيتهم بشكلٍ ميداني وبأبشع الطرق، كما قُتل بعضهم جراء نزفهم لأوقاتٍ طويلة، دون أن يتم نجدتهم.

أحد الجرحى الناجين من القصف، والذي أخرج بعد ثمانية أيام من حصار البلدة، قال "أنا بقيت أنزف لمدة ثلاثة أيام، وأناشد الصليب الأحمر من أجل إخراجي دون أن يصل إلينا أحد، وفي النهاية اضطررنا للخروج بشكل جماعي أمام دبابات الاحتلال التي أطلقت النار علينا".

ووصف الجريح، حينها، الأمر أنّ "قوات الاحتلال أعدمت كل شيء في البلدة سواء البشر أو الحجر أو الشجر، وأنه تم تدمير البلدة بشكل كامل وممنهج".

أيضًا، نقل المركز الأورو متوسطي وقت المجزرة، تقريرًا حول ما يحدث داخل البلدة مبينًا أنّ "قناصة جيش الاحتلال الذين اعتلوا أسطح المنازل كانوا يطلقون النار تجاه كل شيء متحرك، وقصفت الطائرات العديد من المنازل فوق رؤوس ساكنيها ما أدى إلى تدمير أكثر من ثلثي البلدة ووقوع عشرات القتلى والمصابين، دون أن تتمكن الطواقم الطبية من الدخول لإسعافهم بسبب منع التحرك داخل البلدة."

مواطن آخر، استطاع الوصول إلى القنوات الفضائية، وقام من وسط البلدة وخلال حصارها، بمناشدة أمين عام الأمم المتحدة بشكلٍ مباشر عبر التلفاز، مطالبًا بإخراج الجثث المنتشرة في شوارع البلدة، وإخراج السكّان المتوقع أن يصبحوا شهداء إن بقي الوضع على ما هو عليه.

بعد أيامٍ من الحصار، استطاع الصحفيّون دخول البلدة مع طواقم الإسعاف والإنقاذ التي بدأت بإخراج الجثث، إضافةً لإنقاذ السكّان العالقين تحت الأنقاض، وفي غرف المنازل. عُرضت عبر القنوات التلفزيونيّة أبشع الصور لمشاهد الإعدامات الجماعية التي تمت في البلدة. صور لعشرات الجثث المترامية في الشوارع، وفيما يبدو أنّها للعائلات التي كانت تحاول الهرب من المكان، كما وصفها الشاهد، في هذا التقرير.

كان بينها مجموعة من الجثث الملقاة فوق بعضها في أحد مطابخ المنازل، فيما عرضت صورة أخرى لسيّدة ألقيت جثتها بجانب أدراج منزلها، ولم تستطع الخروج قبل أن يصيبها الرصاص. هذا غير عشرات الجثث التي كانت مترامية في جوانب الشوارع، للأطفال والشباب.

وصف البعض البلدة أنها "منطقة أشباح". فيما وصف المسعفين والصحفيين الذين حضروا إلى المكان، بأبشع ما يُمكن أن يتخيّله العقل البشري، إذ كانت روائح الجثث المتحللة في كلّ مكان.

غابت المجزرة عن الإعلام، وكانت الأقلّ حضورًا إعلاميًا، بسبب الحصار الذي تواصل لأيامٍ عليها، لكنّها لم تغب عن ذاكرة أهلها، فيما لا تزال ذاكرة المجزرة تحتلّ عقول أهل البلدة، بعد عامين، فيما لا يستطيع بعضهم العودة إلى منازلهم نتيجة تدميرها، ولا يستطيع عددٌ آخر العودة لحياتهم الطبيعيّة، حيث رأوا أبشع ما يُمكن أن يُرى في الحياة، حين تُرتكب المجزرة أمام أعينهم، بحقّ أطفالهم وأهلهم وفي قلب شوارعهم التي عاشوا فيها حياتهم، وذكرياتهم.