Menu

الشهيدة شيماء.. الأنفاس الأخيرة

منزل عائلة أبو نجم

غزة_ خاص بوابة الهدف

تمام الساعة التاسعة ليل الثالث من أغسطس، استغل المسعف ورجل الدفاع المدني حسين ظاهر (30 عاماً) هدوء الأجواء ليغفو قليلاً ويستجمع قواه، قبل أن تُفاجئه إشارة وصلته عبر جهاز اللاسلكي الخاص به، نقلت صراخ أحدهم "قصفوا دار أبو نجم على روس صحابه، وفي منهم عايشين"، المنزل يقع إلى الشمال الغربي من مخيّم جباليا شمال قطاع غزة

همّ حسين وزملاؤه بمعداتهم ومركباتهم إلى مكان القصف، كان التيار الكهربائي مقطوعاً عن المنطقة، أشعل الطاقم المصابيح، "وكأن زلزالاً ضرب الحي بأكمله" يصف حسين المشهد، وكاد يجزم بأن أحداً لن يخرج من كومة الركام هذه حياً.

أحد الجيران أخبر الطاقم أن عائلة أبو نجم بأكملها كانت في المنزل لحظة القصف الصهيوني، كما أن منازل أخرى تضررّت، وبها شهداء.

يقول حسين "سمعنا صوت أنين يخرج من بين الحجارة، بعد لحظات من البحث عن الشهداء، وبذهول تام أخذت بالصراخ، هل من أحد هنا؟!...، اقتربت من مكان الصوت، وبدأنا بإزاحة الحجارة الكبيرة، لنجد فتاة دفن الركام جسدها بالكامل، باستثناء رأسها الذي كانت تغطيه الدماء".

"هينا جنبك.. سامعاني؟، ضلّك معي، تغمضيش عنيكِ".. بهذه الكلمات حاول حسين طمأنة الفتاة، وإبقائها واعية حتى يتمكّنوا من انتشالها، قبل إعطائها كمامة الأكسجين".

"شيماء قاسم"، عرف حسين اسمها من خلال حديثه معها، وظلّ الطاقم قرابة الساعة ونصف الساعة يُحاول إخراج شيماء من تحت الركام "كانت تئنّ كطفلٍ صغير.. أريد ماءً"، يقول المُسعف.

استمر المُسعف بدعم الفتاة المصابة وهو يضع كفه تحت رأسها لإسناده، لكن الرأس ثقُل فجأة، بعد نحو 3 ساعات.. استشهدت شيماء.

الشهيدة شيماء وائل قاسم "14 عاماً"، لجأت عائلتها إلى منزل محمد المصري المجاور لمنزل عائلة أبو نجم، بعد أن أعلن جيش الاحتلال نيّته قصف أحد المساجد القريبة من بيتهم. كما استُشهد من عائلة المصري: سهى المصري، وابنتها رغد "3 أعوام". 

حسين المسعف الذي يمارس عمله مذ كان بعمر الـ20، قال أن أصعب المواقف التي مرّت عليه في إنقاذ الجرحى، كان استشهاد شيماء بين يديه.

الطاقم نقل جثمان شيماء إلى مستشفى كمال عدوان، شمال قطاع غزة، لتُعرض على الطبيب الشرعي شحدة عمران "44 عاما"، وهو واحد من مجموع 12 طبيباً شرعياً عملوا خلال العدوان الصهيوني الأخير على القطاع.

"حين احضروا جثة شيماء، مسحتُ وجهها، من الغبار والتراب، كان به عدّة خدوش، ومن المعاينة الأولية للجثمان، تبيّن أن نزيفاً داخلياً حدث في الرئتيْن، وتمزيقاً كاملاً في الجهاز الهضمي". يقول عمران، الطبيب الشرعي.

الطبيب أفاد بأن "إسرائيل تستخدم أسلحة تقتل الفلسطينيين، بشكل فتاك، تُمزّق أجسادهم من الداخل، وتتسبّب بنزيف قوي يقضي عليهم بأسرع وقت".

شيّالة برتقالة، سُجيت عليها شيماء، لنقلها إلى غرفة أخرى، حيث ستكفّن.

المكفن "الحانوتي" رمضان شعبان "50 عاماً"، تلعثم ببضعة أحرف، حين حدّثناه عن شيماء، وقال "كان صعباً جداً عليّ أن أكفّن عائلة كاملة.. آخر من وصلني من تلك العائلة كانت الجميلة شيماء".

واستُشهد من عائلة أبو نجم، محمد عبد الكريم محمد أبو نجم، 54 عاما، وأولاده: بلال محمد عبد الكريم أبو نجم، 26 عاماً، ومحمد محمد عبد الكريم أبو نجم، 20 عاماً، وأحمد محمد عبد الكريم أبو نجم، 17 عاماً، ووالده عبد الكريم محمد عوض أبو نجم، 92 عاماً. حسب "بتسيلم- مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة".

جيش الاحتلال، زعم بعد القصف بفترة وجيزة، أنه استهدف منزلاً تواجد به القائد العسكري في حركة الجهاد الإسلامي الشهيد دانيال كامل محمد منصور، 41 عاماً، الذي ارتقي في ذات القصف، إضافة للشهيد عبد الناصر عبد الخالق إبراهيم العجوري، 26 عاماً. "بيتسيلم"

المُكفّن شعبان جهّز شيماء وعائلتها للدفن، إلّا أن الأقارب لم يجدوا مُتّسعاً لدفنهم جميعاً، كلٌ في قبره، إذ لم تكن في مقبرة البلدة أضرحة مُجهّزة، فتم دفن العائلة كلّها في قبرين فقط، لتُجاور شيماء اخوتها الصغار.

واستُشهد في العدوان الأخير على قطاع غزة صيف العام 2014، 2174 شخصاً، منهم 530 طفل و302 امرأة، وأصيب نحو 11 ألفاً، 145 عائلة فلسطينية فقدت 3 أو أكثر من أفرادها في حدث واحد، وبلغ عدد شهداء هذه المجازر 755 شهيداً، حسب تقرير للمركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.