Menu

لماذا لم تمُت الجبهة مع أبو علي مصطفى؟!

أبو علي مصطفى

غزة_ خاص بوابة الهدف_ بيسان الشرافي

راهن الكيان الصهيوني أنه باغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفي، بتاريخ 27 أغسطس 2001، في مكتبه بمدينة رام الله، أنه ضرب الجبهة في مقتل، وأنّ اغتيال رأسِها سيُضعفها حدّ التلاشي، أو في أحسن الأحوال، فإنّ غياب القائد سيُظهّر ما يُمكن أن تُبطِنُه قيادات أي تنظيم، من خلافات داخلية تتفشّى بعد الفراغ الذي سيتركه.

"كلّها مُراهنات زائفة طائشة، أثبتت الجبهة الشعبية خطأها الجسيم" يقول جميل المجدلاوي، النائب في المجلس التشريعي عن الجبهة، وعضو مكتبها السياسي سابقاً. ويُكمل "الجبهة وفي أعقاب اغتيال أبو علي مصطفى ، أكّدت بالتطبيق الفعلي أنّها قادرة على مُتابعة المسيرة الكفاحية مهما كان حجم المُصاب الذي تتعرّض له".

جريمة الاغتيال جاءت بعد انعقاد المؤتمر السادس للجبهة الشعبية، الذي جرى خلاله انتخاب أبو علي مصطفى أميناً عاماً لها خلفاً للمؤسس الراحل جورج حبش ، هذا الانتخاب الذي كان بإجماع كامل أعضاء اللجنة المركزية، داخل الوطن وفي الشتات، إضافة إلى أنّه لم يمضِ على عودته للوطن سوى عاميْن، حتى تمّ اغتياله؛ كلٌ له دلالاته عند مُحاولة تفسير وتبرير النية الشيطانية التي كانت تُعبّئ عقليّة الكيان الصهيوني، والتي أوصلته لضرورة التخلّص من هذا "القائد الوطني".

عبد الرّحيم ملّوح، وهو أحد مُؤسسي الجبهة، وشغل منصب نائب الأمين العام حتى العام 2013، قال "إنّ أبو علي لطالما كان يرغب بالعودة إلى الوطن، وكذلك كانت رغبة قيادة الجبهة، وعندما اتّخذ قراره بالعودة، كانت أول كلمات نطق بها: جِئنا لنُقاوم.. لا لنُساوم".

كان ذلك على جسر الملك حسين، بين المملكة الأردنية والضفة المحتلة، في أيلول من العام 1999، وتزامن في الشهر ذاته، ذكرى مرور 6 سنوات على توقيع اتفاق المبادئ المُسمّى "أوسلو" بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية.

يُكمل ملّوح "كان يقصد أبو علي حينها، وبوضوح، أن الجبهة الشعبية وقيادتها لن ترضخ لتلك الاتفاقية و لا للكيان المُحتل، وما العودةُ للوطن إلّا لهدف المقاومة والمواجهة مع العدو الصهيوني".

وتوافق مع ملّوح المجدلاوي بأن "العودة للوطن في ظلّ أوسلو هو لاستمرار المقاومة، لا للترويج لأوسلو أو الرضوخ لها، وهذا التوجّه بالتحديد هو ما جعل أبو علي على رأس قائمة الاغتيال".

"لقد نفّذ ما أوصى به الحكيم جورج حبش، في المؤتمر الخامس، حين وصف الجبهة الشعبية بالطير الذي يملك جناحيْن، أحدهما داخل الوطن، والآخر خارجه، لكنّ رأس هذا الطير، لا بدّ أن يبقى ويتوجّه لداخل الوطن". يقول المجدلاوي.

كثيرون ممّن عرفوا أبو علي مصطفى، من قريبٍ ومن بعيد، أدركوا أنّ بعودته للوطن، لن يكون اغتياله سوى مسألة وقت. هُناك أشخاص أبكتهم هذه الحقيقة. أبو علي بات في أوّل قائمة الاغتيالات الصهيونية الآن.

27 أغسطس 2001،  ظهر يوم اثنين، قصفت الطائرات الصهيونية المبنى الذي كان يتواجد بداخله الأمين العام أبو علي، بصاروخيْن لم يُضيّعا الهدف، فكانت جريمة الاغتيال لهذا القائد، ليلقّب بعدها بـ"قمر الشهداء".

لم يُنكر ماهر الطاهر، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، ومسؤول العلاقات الخارجية فيها، أن اغتيال أبو علي كان بمثابة ضربة كبيرة في الرأس، لما كان يُمثله المُصطفى من قيمة كُبرى لدى الجبهة وفي الساحة الفلسطينية.

وأضاف "اجتمع المكتب السياسي للجبهة على الفور، وناقش كيف سيتم التعامل مع هذا الحدث الجلل، وأوّل ما بحثه هو التشييع اللائق لجثمان الشهيد أبو علي. جماهير فلسطينية وعربية عريضة شاركت في تشييع أبو علي وبيوت العزاء التي أُقيمت له داخل الوطن وخارجه، وهو ما مثّل بحد ذاته رسالة للمحتل عن مدى تأثير وحجم مكانة الجبهة وقادتها".

التحدي الثاني برأي الطاهر، كان "الفراغ الذي تركه أبو علي بعد استشهاده، وهو ما دفع قيادة الجبهة للاجتماع، رغم تشتتها في الداخل المحتل وفي أماكن اللجوء. بانتخاب أحمد سعدات أميناً عاماً من داخل الوطن، بعد 40 يوماً فقط من الاغتيال، كانت رسالة ثالثة أن الضربة المُوجعة لم تزِد الجبهة سوى قوّةً وعزيمةً على الاستمرار بنهج الكفاح والمقاومة".

يستذكر المجدلاوي، الفترة التي تلت الاغتيال مباشرةً "بعد التأكّد من خبر الاغتيال، التأمت اللجنة المركزية للجبهة الشعبية، بدعوة من مكتبها السياسي، وقررت فوراً انتخاب نائب الأمين العام أحمد سعدات، ليخلُف الشهيد أبو علي في الأمانة العامة، كما تمّ انتخاب عبد الرحيم ملّوح نائباً".

الطاهر يقول أنه "بالتصرّف السريع من قبل قيادة الجبهة، والإجماع على ما كانت تُقرره في تلك الفترة الهامّة، أثبتت الجبهة أنها تنظيم يعمل بمؤسساته، ولا يقوم على القيادة الفردية، وقادر على الاستمرار رغم التحدّيات التي يُواجهها. كما أنها استطاعت الحفاظ على النهج الديمقراطي بانتخاب أحمد سعدات أميناً عاماً".

ما تطرّق إليه الطاهر أخيراً، فسّره ملّوح بأن "أبو علي، وفي الفترة التي تلت تولّيه الأمانة العامة، كرّس جلّ اهتمامه على قضيّة توحيد اليسار، واجتهد في هذا الاتجاه، لجعل العمل في الجبهة الشعبية جماعياً"، وهو ما برز جليّاً بعد جريمة اغتياله، بما برهنته الجبهة من وحدة الصف والنهج، والديمقراطية، والغنى بالقادة ومشاريع القادة.

لا يَخفى على أحد، أن حجم الضربة التي تلقّتها الجبهة، جعلت العقول والألسُن تُفكّر وتتساءل عن ردّ الجبهة على اغتيال المُصطفى، "هل سترد.. كيف، ومتى".

يقول الطّاهر "لم يكُن الأمر بحاجة لتفكير. قيادة الجبهة لم تتردّد، بمجّرد انتخاب سعدات، جاء القرار، وخرج الأمين العام ليُعلن الرأسُ بالرأس. تم الردّ سريعاً وبعد 40 يوماً، بعملية 17 أكتوبر الفدائية. كانت ردّاً مؤلماً للاحتلال، وهو ما دلّل عليه حملة الاعتقالات الجنونية التي نفّذتها أجهزتُه، في صفوف قيادات ونُشطاء الجبهة، والتي طالت الأمين العام نفسه.

ملّوح تمنّى لو أن لأبي علي أشباهَ كُثُر، لعُمق فكره و صدقِ قوله ومبدئية فِعله، وهذه المناقب، هي ما أكّد المجدلاوي أنها لا تزال بمثابة النور الذي تسير على هدْيِه الجبهة، وشدّد الطاهر على أنّ الجبهة ستُواصل السير على خُطى قمر الشهداء، ووصاياه، ونهجه، حتى تحرير كامل الوطن وعاصمته القدس الشريف.