"مبلغاً هائلاً من المال" ما يلزم لمجاراة عادات أهل قطاع غزة المحاصر في تكاليف التحضير للزواج، بعد أن صار حلماً يراود الشباب العاجزين عن الالتزام بالشروط التي يفرضها المجتمع الغزي على الشباب المقبلين عليه، في ظل الحالة الاقتصادية الصعبة وقلة الدخل وفرص العمل وارتفاع منسوب البطالة.
وبعد أكثر من 10 سنوات لفرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وما خلّفه من آثار سلبية في شتى مناحي حياة الغزيين، لا زالت أعداد كبيرة من شباب القطاع غير قادرة على الالتزام بمسؤولياتها اتجاه ما يفرضه الزواج من تكاليف العرس ومستلزماته، إضافة لارتفاع المهور.
في هذا السياق، ظهرت مؤسسات خيرية تُعنى بتيسير الزواج من خلال توفير مستلزمات العرس، (طقم النوم وبدلة العريس والعروس، وجبات الغداء والصالة وتوفير وسائل المواصلات وبطاقات الفرح)، بأقل تكلفة، وبإمكانية تسديد ثمن هذه المستلزمات على أقساط شهرية بقيمة لا تتجاوز 100 دولار، تصل مدة تسديدها في بعض المؤسسات إلى أكثر من 20 شهر.
وتقدّم هذه المؤسسات عروضاً متعددة وبأسعار تتفاوت بين 1500 دينار أردني و2500 دينار. على أن الفارق بين كل عرض وآخر هو نوعية الخدمة المقدمة وجودة محتوياتها، كما تختلف آلية السداد من عرضٍ إلى آخر، وحين يتعثّر السداد من قبل بعض الشباب، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، قد تلجأ هذه المؤسسات إلى النيابة العامة في القطاع لأخذ المجرى القانوني بحقهم.
ويطرح تزايد هذه المؤسسات في القطاع تساؤلات عدة حول طبيعة عملها ومساهمتها في تسهيل أمور الزواج على المقبلين عليه، هل هي ذات فائدة أم أنها فقط مخصصة لأرباح القائمين على المؤسسات؟
الشاب أحمد سمير (29 عاماً) صرح لمراسل بوابة الهدف عن حسن تجربته مع مؤسسات التيسير، والذي بدوره كان قد عمل لسنوات حتى استطاع توفير "المهر" البالغ 5 آلاف دينار أردني، للزواج من إحدى قريباته، يقول حول هذا الموضوع "في تلك اللحظة لم أكن أملك شيء سوى خاتم زواجي"، ويضيف "لولا التسهيل الذي قدمته لي المؤسسة لتأخرت عاماً آخر عن موعد الزواجي الذي طال كثيراً".
ويقول الشاب أحمد أن تسديد قسط بمبلغ بسيط شهرياً، جراء العقد بينه وبين المؤسسة التي التحق ضمن أحد برامجها، هو أقصر الطرق لتوفير مستلزمات العرس بدون الانتظار وصعوبة الادخار لمبلغ كالمطلوب دفعة واحدة.
أماني العوضي، منسقة العلاقات العامة في مؤسسة فرحة لتيسير الزواج قالت أن مؤسستها ذاتية التمويل، كما أنها تعمل على تعبئة الفراغ المالي من خلال الاقساط الشهرية لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الشباب المقبلين على الزواج من العروض التي تقدمها المؤسسة.
وقالت العوضي أن مؤسستها تقدم خدمات رئيسية للشبان المقبلين على الزواج، من شأنها تختصر عليهم مبلغاً كبير من المال قد يدفعونه عند التعامل مع أصحاب المحلات التي تقدم خدمات ومستلزمات الزواج، ذلك بسبب التسهيلات التي تميز آلية عمل مؤسسات التيسير.
وبالنسبة لجودة الخدمة المقدمة للمقبلين على الزواج، تقول العوضي أن مؤسستها تعاقدت على التعامل مع أكثر الشركات والمحلات كفاءة في القطاع في هذا الاختصاص، وأضافت أن مهمة مؤسستها تتلخص في تسهيل جميع أمور التحضير للعرس على الشباب.
أما عن آلية السداد وما يعقبها من مشكلات، قالت العوضي أن الطرق القانونية تفرض على المؤسسة تحويل الملف للمحامي الخاص بالمؤسسة، وفي ذات الوقت اردفت "منعاً للاستغلال، أصبحنا نعمل بنظام الشيكات، أيسر على مقدّم الخدمة وعلى المستفيد منها"
وقالت أن مؤسستها تعطي مهلة للسداد ثلاث مرات قبل التوجه الى الحل القانوني، إلا أن بعض المتعاقدين تستغل أنها أخذت حاجتها فتتخلف عن تسديد الاقساط التي عليها.
وتعتمد طبيعة عمل هذه المؤسسات على الدعاية والإعلان لجذب الزبائن ومن ثم ترغيبهم بتقسيط المبلغ الإجمالي لتكاليف الزفاف وبدلة العريس والعروس والغداء والحفلة وغيرها مجتمعة.
شبهات نصب!
في ذات السياق، يقول عبد الرحيم أحمد (27 عاماً)، أنه وبعد أن أنهى اجراءات العرس ضمن عرض في مؤسسة من مؤسسات تيسير الزواج، شعر وكأنه تعرض لخسارة كبيرة فور استلامه لهذه المستلزمات، ذلك لعدم ارتياحه من جودة المحتويات المقدمة في العرض، وفي الوقت الذي يواجه صعوبة بالغة في ادخار مبلغ التسديد الشهري، وفي كل مرة يدفع بها قسطاً يشعر وكأنه يتعرض للخسارة من جديد.
يقول عبد الرحيم "لو أنني قمت بشراء هذه البضائع لوحدي لجلبتها بثمن أقل بكثير، لقد وقعت في فخ الغش والاحتيال".
هذا ما يؤكده الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في غزة، المقدم أيمن البطنيجي، لمراسل بوابة الهدف، إذ استقبلت الشرطة الفلسطينية العديد من الشكاوي ضد بعض مؤسسات التيسير، على خلفية الغش والاحتيال والنصب، وذلك من قبل مواطنين متضررين من عمل هذه المؤسسات واستغلالها لاحتياجات واحلام الشباب الفلسطيني في القطاع.
وأضاف البطنيجي أن عدة شكاوى ضد هذه المؤسسات وصلت إلى المباحث، التي عملت بدورها على متابعة الأمر بشكلٍ متواصل، وتبين أن بعضهم يمتلك منجرةً أو معرض موبيليا وأثاثا منزليا ويبيع غرفة النوم الواحد بسعرٍ أكبر من تكلفة صناعته الحقيقية، عدا عن رداءة جودته التي أكدتها العديد من شكاوى الشباب الذين اشتركوا في مثل هذه العروض.

