لم تكن الصحافة الفلسطينيّة منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 (انتفاضة الأقصى) بعيدة عن المشهد، إنما كانت في صدارته، فحملت على عاتقها منذ البداية إيصال صورة الشعب المنتفض الذي أرهقه الاحتلال بجرائمه المتكررة، واستباحة أرضه المستمرّة لعقود.
الصحفي الفلسطيني لم يتخلى عن مكانه في الصفوف الأماميّة، لكن صورته لم تكن أمام الكاميرا، إنما خلفها. فصورة إيمان حجّو، ومحمد الدرّة، وفارس عودة، وغيرها من المشاهد التي رأيناها أطفالًا على شاشات التلفاز لم تكُن مُجرّد صورٍ عابرة كمن يلتقط الصورة في صباح يومٍ ربيعيّ لإحدى الزهور، ويلقى عليها الثناء الكبير.
وكانت الصحافة الفلسطينيّة في ذلك الوقت تواجه تحديًا كبيرًا، من ضعف الامكانات والموارد، لكنّها رغم ذلك عملت جاهدةً على تجاوز كافة العقبات، من أجل إيصال رسالة شعبها، لأنّها كانت جزءًا من قضيته، وليست مجرّد مهنة ذات عائدٍ ماديّ.
الصحفي عادل الزعنون، مراسل تلفزيون فلسطين، الذي أخذ صدارة المشهد منذ اندلاع الانتفاضة قبل ستة عشر عامًا، وكان صورة فلسطين الأساسيّة في ذلك الوقت، عبّر عن صعوبة دور الصحفيين حينها، بقوله "كان العمل في تلك الفترة صعبًا، لأنّ الصحفي الفلسطيني لم يعتد على التصعيدات وتغطيتها، فمرّ قبلها بمرحلة هادئة ومستقرّة، من مرحلة ما بعد قدوم السلطة الفلسطينية حتى اندلاع الانتفاضة".
ويشير الزعنون خلال مقابلة خاصّة مع "بوابة الهدف" إلى أنّ الصحافة الفلسطينية كانت مع اندلاع الانتفاضة الثانية أمام تجربةٍ جديدة، وتحدٍ كبير "ذلك أنها لم تكن مهيأة لتغطية الحروب والنزاعات، ولم تكن كصحافة محلية تمتلك المقوّمات التي تحمي الصحفي من أيّ اعتداء ولو بالموارد القليلة، كما هو الأمر الآن".
كان صحفيّو الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني الرسميّ أمام تحدٍ كبير، إذ كانت كافة الأعين والشاشات عبر العالم مسلطة عليهم نظرًا لأنّ قبة الصخرة كانت تُزيّن شاشتهم بشكلٍ مستمرّ، وكانت تحمل اسم "فلسطين" وصورتها، فكان من الضروري أن تطبّق ما تحمله من شعاراتٍ وتوصل رسالة فلسطين المنتفضة.
وفي جانبٍ إيجابيّ لتلك الفترة، يرى الزعنون أنّ "الانتفاضة وتغطيتها أعطت فرصة كبيرة للصحفي الفلسطيني ليكون لديه تجربة لتغطية الحروب والنزاعات، لأنّ ما كان في فلسطين لم يكن موجودًا في كل مناطق العالم، فقد تمت تهيئة الصحفي الفلسطيني خلال تلك الفترة وعلى مدار أعوامٍ طويلة من الاجتياحات والتصعيدات، وكانت ذات عائد كبير وفائدة عظيمة على مستوى الصحافة الفلسطينيّة".
أمّا عن الإمكانيات التي كانت لدى صحفيي فلسطين، بيّن الزعنون والذي كان واحدًا من أهمّ مراسلي التغطية الإخبارية تلك الفترة، أنّ "الإمكانيات ضئيلة وهي نادرة وغير موجودة لدى الكثير من المؤسسات، وربما لم يتغيّر بشكل كبير بسبب ضعف التمويل، وبسبب الحصار المستمرّ وغيره.. لكن في المحصلة، والخلاصة، أنّ الصحفي الفلسطيني رغم إمكانياته الضعيفة والسيئة وعدم توفر الموارد الكافية، استطاع أن يوصّل رسالته للعالم، ووصلها بالشكل الأمثل والأفضل".
ويرى مراسل تلفزيون فلسطين أنّ الصحفي الفلسطيني يعتبر العمل جزءًا من نضاله وقضيته، ويُضيف "المهنية مفيدة للصحفي الفلسطيني وأدت لتطوير دوره وإلى نجاحه في إيصال رسالته".
التحدي الأكبر الذي واجه الزعنون، حسب قوله، تحدي يحمل العواطف والمشاعر، هو تحدي التوفيق بين المهني والأسري، فالصحفي جزء من قضيته الفلسطينيّة وعليه أن يقوم بدوره الكامل لإيصال الرسالة، وفي الوقت نفسه يبقى قلقًا على عائلته، ويقول "إنّ الأسرة، إلى جانب كونه جزء من معاناة الناس وجزء من تغطيتهم وإيصال رسالتهم، فقد كانت الجزء الآخر الذي يجعل من المراسل قلقًا من دوره وعمله".
لم يتغيّر الاحتلال، فاعتداءه منذ الانتفاضة وحتى اليوم يطال كلّ فلسطيني، فلا يفرّق بين مدني أو صحفي أو مقاتل، ويُعبّر الزعنون لـ "الهدف"، عن قوة دور الصحفيين في ذلك الوقت قائلًا "كان لدينا إصرار غير عادي مني ومن زملائي أن نستمر في هذا الدور وهذه المهنة، ومهما كان الثمن الذي سندفعه، لأننا تمامًا مؤمنين أن العمل ليس مجرد تحصيل مرتب، إنما هو رسالة، وأكبر من أي أهداف مادية ومالية، إنما هدف أكبر هو إيصال رسالة تجعلنا نتحمل الظروف مهما كانت تعقيداتها".
وبما أنّ الصحافة كانت جزءًا من المشهد، فكان الصحفيين جزءًا من الاستهداف أيضًا. يصف الزعنون مشهدًا من أصعب ما رأى خلال الانتفاضة، قائلًا "كانت المرّة الأولى التي قصفت طائرات الأباتشي فيها صواريخ "الأنيرجا"، كان الاستهداف من ارتفاعٍ منخفض. كنا نرى الناس تموت أمامنا، وفي أيّ لحظة يمكن أن نصبح بين الضحايا. الكل يهرب والكل ملقى على الأرض، رجال أمن وصحفيين ومواطنين.. كان مشهد مروّع نعيشه لأوّل مرّة".
وفي تذكّره لمواقف أخرى، كان مما علق في ذاكرته، مشهد الطفل "مُحمّد"، من دير البلح، والذي أصرّ أن لا يُجري مقابلة مع التلفزيون إلّا بعد تنفيذ مهمةٍ كان ينوي عليها، قائلًا "فبعد طلب طاقم التلفزيون منه أن يُجري مقابلة حول الأحداث، طلب منا الانتظار دقائق فقط ثم يعود إلينا، لكن خلال هذه الدقائق رأيناه يرشق جيبات الاحتلال بالحجارة، ويسقط شهيدًا برصاصهم.. لم نستطع تصويره حيًا في مقابلة، وهو أصرّ أن يكون فيها شهيدًا".
ولم يغِب عن بال الزعنون، حصارهم المفاجئ خلال أحد الاشتباكات المسلحة في منطقة "أبو هولي" وسط قطاع غزّة، والذي وقع مفاجئًا أثناء تغطيتهم للأحداث هناك، فبدأ طاقم التلفزيون يُناشد كافة الجهاد من إسعافٍ وصحافة كي يتم إنقاذهم، بعد وقوعهم وسط اشتباكٍ لمقاومين وجيش الاحتلال في الجهتين.
وكانت انتفاضة الأقصى قد بدأت في 28 أيلول/سبتمبر عام 2000، بعد اقتحام رئيس الوزراء الصهيوني آرئيل شارون، المسجد الأقصى المُبارك، مع عناصر من جيشه، حيث اندلع خطّ المواجهة في كافة المناطق الفلسطينيّة، ولم تغب الصحافة عن دورها ذلك الوقت، وعملها الرئيس في تغطية الانتفاضة.
وبدأت الصحافة دورها مع الانتفاضة، حيث كانت في خطّ المواجهة الأوّل، فالصحفي الفلسطيني ليس كغيره في العالم، ليس محايدًا، إنما هو الصحفي المقاوم والذي يعتبر قلمه وصورته سلاحًا هامًا اعتمدت عليه خطوط المواجهة التي استمرّت منذ ستة عشر عامًا حتى اليوم.

