ما الذي يجري؟
بدأ الهجوم على الموصل ثاني أكبر مدن العراق من حيث عدد السكان و التي تقع إلى الشمال من بغداد بنحو 400 كيلومتر. و يتحصن فيها نحو 5000 إلى 6000 مقاتل من داعش بعد إعلان العبادي رئيس وزراء العراق عقب ترتيبات سياسية و إعلامية و عسكرية أميركية بدء الهجوم على الموصل فجر يوم الاثنين 17 أكتوبر/تشرين الأول 2016 لاستعادة المدينة.
القوات المهاجمة تتوزع كالتالي:
· 45.000 من القوات التابعة للجيش العراقي.
· 40000 من البشمركة الكردية.
· آلاف من مليشيات الحشد الشعبي.
· آلاف من قوات حرس نينوى، التي كان يطلق عليها سابقاً "الحشد الوطني" و هم من المتطوعين من أهالي الموصل.
إلى جانب دعم التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة جواً ، و مشاركة 300 خبير عسكري أميركيي في إدارة غرف العمليات، أي أن عدد القوات المشاركة على الأرض الآن يصل إلى نحو 102.000 جندي.
تركيا حاولت و ما زالت المشاركة في المعركة لما تعتبره " مصالح حيوية" بينما يرفض الحكم العراقي و الحشد الشعبي ذلك بشدة، و تتحدث تركيا علانية عن مخاوفها من " تطهير طائفي " حيث يشكل السنة غالبية مطلقة من سكان الموصل، بينما يؤكد العبادي منع الحشد الشعبي من الاحتكاك بالسكان.
كل التقارير و المراقبات تشير إلى أن قميص داعش ما هو إلا غطاء لمصالح كل طرف، فالمواقف و الآليات و الغايات تختلف بين طرف و آخر السوريون و الروس يتخوفون من أن العملية برمتها إن هي إلا نقل لداعش باتجاه الرقة، وهذا يدل على جادة الصواب.
الأميركيون ينظمون المسألة و يوظفونها كحرب إعلامية، تذكر بالعام 2003 و إسقاط النظام و تفكيك الدولة العراقية و سحق مؤسساتها الحكومة العراقية- إلى جانب تنفيذ الرغبة الأميركية- تريد تحقيق انتصار على يد العبادي، بعد فضيحة تسليم الحكومة للموصل أثناء فترة المالكي إلى مقاتلي داعش في منتصف 2014.
الأكراد يريدون تأكيد قوتهم على الأرض، و اقتسام الكعكة الموصلية و إظهار ولائهم للغرب، و توطيد العلاقة معه، من جهة و الاهتمام بما أمكن بالسيطرة على القرى التابعة لنينوى و خاصة الموصل.
أما الشعب العراقي، فيعاني باستمرار،هناك نحو مليون و نصف المليون لاجئ كرقم متوقع بدأوا بالخروج من الموصل ضمن ظروف صعبة و خطرة، و من محاور وطرق أخرى يخرج مقاتلو داعش ، الذي بدأ قبل أيام بإخراج جرحاه و بعض قادته بشكل شبه علني و بقوافل متتابعة تحت نظر القوات الجوية الأميركية و العراقية، وقد توجه عناصر داعش باتجاه الرقة و لم يصب أي واحد منهم بأذى، بل تحركوا ضمن قوافل و بسيارات دفع رباعي متشابهة!
لحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، يواجه الآن بمرشحته هيلاري كلنتون موقفاً غير حاسم ضد الحزب الجمهوري و مرشحه ترامب، بينما يقف برود تحرك الرئيس الحالي باراك أوباما كنُصب تهمة لفترة إدارة الديمقراطيين يستخدمها ترامب كورقة تشهير مقابلة، و باعتبار أن الانتخابات الأميركية قاب قوسين، فإن الأمر يتطلب حصد نتائج إدخال داعش و أمر الجيش العراقي بالانسحاب منها بطريقة هوليودية في منتصف العام 2014 ليبسط التنظيم سيطرته هناك، و ذلك لتهيئة الورقة الداعشية و إظهارها لحظة الحاجة.
مؤخراً، حانت اللحظة الاميريكية لإخراج داعش من الموصل، و ترافق ذلك مع استبعاد حلفاء واشنطن من العرب لا سيما السعودية و قطر ، و كذلك تركيا لعدم التشويش على العملية، و حصد النصر السينمائي لصالح أميركا و القوات الكردية و الحكومة العراقية و المليشيات الموازية.
و كانت الموصل قد سُلمت لداعش بالكامل في 10 يونيو/حزيران 2014 ، حيث كان المالكي رئيساً للوزراء، و كانت أيضاً أحجية الموصل سبباً رئيسيا في إحراق اسمه، و تمت السيطرة على مدينة الموصل من قبل داعش بيسر، وكذلك على منشئات حيوية في المدينة، سلمت له كما تذكر تقارير عراقية، مثل مبنى محافظة نينوى والمطار ، و عدة مقرات و قنوات تلفزيونية، و مخازن أسلحة و معدات، كما تم ترك نحو ألف سجين من السجن المركزي ليطلقهم داعش فيما بعد و يصبحوا من مقاتليه!، آنذاك اتهمت أطراف محلية في محافظة نينوى رئيس الوزراء نوري المالكي بالمشاركة في مسرحية إدخال داعش إلى الموصل لغاية أميركية و طائفية، و لتمتين وجود داعش قرب الحدود السورية.
و الآن تتخوف الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الإنسانية من نزوح نحو مليون و نصف من سكان الموصل باتجاه الأراضي السورية و مناطق السيطرة الكردية ، التي تم تهيئة المخيمات فيها لاستقبالهم.
تعترف كل القوى المشاركة في سيناريو نقل إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام " داعش" بأن حصة الكارثة الأكبر ستكون من نصيب المدنيين، لا داعش و لا القوات المتحالفة المهاجمة، و هو ما عبر عنه يوم 18/10/2016 الناطق بإسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ويليام سبيندلر.
تتفق وكالات الإغاثة عموماً على توقع نزوح أكثر من مليون شخص، و قد يصل إلى مليون و نصف، و على الخطر الكبير على سلامة المدنيين في مدينة الموصل العراقية، التي يقطنها قرابة مليون ونصف المليون نسمة و يحلمون بالهرب من العمليات العسكرية ، التي تهدف لانتزاع السيطرة على ثاني أكبر مدن العراق من تنظيم الدولة الإسلامية.
الأمر يبدو صعبا للغاية بسبب عدم وجود مسارات آمنة واضحة للخروج من الموصل، مما قد يعرض المدنيين لخطر الحصار و المكوث وسط تبادل إطلاق النار و القصف أو السقوط ضحايا لمتفجرات وألغام أرضية.
داعش بدوره ينفذ دوره في المشهد، فقد تم إخراج معظم قادته و جرحاه و عشرات العائلات باتجاه الأراضي السورية تحت نظر طائرات التحالف الأميركي، و هو الآن يدافع عن المناطق التي يسيطر عليها و يتحدث عن كر و فر، و يهدد باستخدام كافة إمكانياته العسكرية بما فيها الأسلحة الكيماوية.
و تستنتج شخصيات مراقبة من العملية برمتها أمرين من حيث الهدف الأساسي:-
استخدام ورقة الموصل و داعش في الانتخابات الأميركية
رفد و تحصين داعش في الأراضي السورية خاصة في الرقة للضغط على سوريا و روسيا.
تحقيق انجازات للعبادي، تثبت من موقعه.
توثيق و تقوية الجانب الكردي و توسيع سيطرته.
وهناك بالتأكيد مكتسبات لكل طرف مشارك أو فاعل في الأزمة، هذا باستثناء الشعب العراقي المنكوب في الموصل وغيرها.

