Menu

"مرسين" تتحايل لتلمّس عروبتها

ساحل مرسين

مرسين_ خاص بوابة الهدف

على عكس الحال في معظم المدن التركية، حين تصل لمرسين تفتقد الإعلانات العديدة واللوحات الارشادية الموجهة للسياح العرب، وما يزيد من غرابة الأمر؛ أن ثلث سكان هذه المدينة الواقعة في الجنوب التركي، هم من اللاجئين السوريين.

في المدينة التي تحتوى على الميناء الأهم في جنوب تركيا ، يعيش حوالي 400 ألف لاجئ سوري، من أصل مليون و700 ألف شخص، هم مجموع سكانها واللاجئين إليها؛ نزح هؤلاء اللاجئين إلى مرسين في بداية الازمة السورية بالعام 2011، ونجح الكثير منهم في بدء مشاريع تجارية مختلفة، اختص معظمها بالقطاع السياحي.

لمرسين قصة قديمة مع الغربة عن اللغة العربية، فبينما يشتهر لواء الاسكندرون بوصفه اقليم سوري تم ضمه عنوة الى تركيا في العام 1939م بفعل اتفاق ضمني بين السلطات الفرنسية المنتدبة على سوريا والحكومة التركية، سعت من خلالها فرنسا والدول الغربية لشراء الود والتعاون التركي مع مساعيها لتوطيد سيطرتها على الشرق الاوسط، بالمقابل فإن مرسين يتم تجاهلها حين يتم سرد حكاية الاسكندرون.

بتاريخ 24 يوليو تموز 1923 تم توقيع "معاهدة لوزان الثانية" بين قوات حلفاء الحرب العالمية الاولى والجمعية الوطنية العليا في تركيا، بموجب هذه المعاهدة تم الاعتراف بالجمهورية التركية من قبل الحلفاء، وتم اعادة ترسيم حدودها مع سوريا الواقعة انذاك تحت الانتداب الفرنسي، ليتم ضم مناطق واسعة من الشمال السوري "ما كان يعرف بالاقاليم السورية الشمالية" لتركيا، وبذلك ضمت تركيا مناطق مرسين وطرطوس وقيلقية، واضنة وعنتاب وكلس ومرعش، واورفة وحران وديار بكر، وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

الحكومات المتعاقبة في الجمهورية التركية حرصت منذ ذلك التاريخ على سن قوانين متعاقبة تحظر استخدام اي لغة غير اللغة التركية في المسميات المتداولة للمناطق او الشوارع، او الاعلانات المكتوبة، وذلك في اطار سياسات التتريك التي رمت لدمج او طرد السكان العرب وغيرهم من سكان المناطق التي تم ضمها في الجمهورية الوليدة وثقافتها القومية التي اتخذت طابعا يسهل الحكم بانه لم يخلُ من عنصرية صارخة.

 هذا الحظر فقد تأثيره فعليا في معظم أنحاء تركيا؛ بفعل حاجة البلاد للتدفق السياحي المتزايد في العقود الاخيرة، وفي المدينة التركية الأشهر، اسطنبول، بات بإمكانك التجول في شوارع رئيسية لا تكاد تحوي قائمة طعام واحدة أو يافطة إعلانية باللغة التركية، فالسائح العربي هناك هو الملك غير المتوج والذي تبذل الجهود لأجل استقطابه، هو وما يحمله من عملة أجنبية، وبات بإمكان اللاجئين السوريين والعراقيين التسويق لمطاعمهم ومحالّهم، وما تحتويه من بضائع ووجبات عربية بات يقصدها الاتراك بجانب المقيمين العرب والسياح من عرب وغيرهم.

ولكن في الجنوب التركي وخصوصا في تلك الأراضي التي تم ضمها من سوريا، بقيت هذه السياسات فاعلة، بل وتم اتخاذ إجراءات عدة للتشدد في تطبيقها، فرغم أن السكان هناك ممن يحملون الجنسية التركية يمكنهم تبادل بضعة عبارات باللغة العربية معك إلا ان المحال المملوكة للعرب تضطر للتحايل بوضع يافطات تحمل أسماء عربية مكتوبة بالحرف اللاتيني، أو بعض الأسماء الغربية البعيدة عن تلك المتداولة تركياً، فعلى شاطئ مرسين تجد "kaftiria ruma" و "hulwayat  حلويات سلورة- salura" غير بعيد عنه، تعدك بالوجبات العربية.

ورغم الأصول العربية أو غير التركية، لمعظم حاملي الجنسية التركية في مرسين، فإن تدفق اللاجئين السوريين، خلق حالة من التوتر بين السكان القدامى والوافدين الجدد، الذين نافسوهم في مساحات عيشهم في مدينة لا تحتمل بُنيتها التحتية وواقعها الكثير، هذا التوتر اختفى مع الوقت حين اضطر العربي أو السوري الوافد الى "التكيف" مع  متطلبات العيش، فيما اضطر الكثيرون لركوب البحر مغامرين في رحلة محفوفة بالمخاطر ومكائد المُهرّبين للذهاب الى أوروبا.

انتزاع المكان من هويته ولغته يبدو للزائرفي وهلته الأولى قد نجح، وأن سياسات التتريك قد نجحت حتى يصطدم بقصة بسيطة، فهذه المدينة تشتهر بنوع من الحلوى المصنوعة من الجزر، تسمى "الجزرية"، تُكتب وتلفظ بالتركية بذات المسمى، وحين تسأل التركي مما تصنع الجزرية يجيبك أنها تصنع من "الهافوش– الاسم الذي يطلق على الجزر باللغة التركية"، ولا داعي لاتمام التساؤل عن غياب العلاقة بين كلا اللفظين فالحلوى قد احتفظت باسمها العربي، فيما فقد الجزر اسمه بفعل التتريك.

في مرسين بامكانك الانتباه لجدلية السياسة التركية المستحدثة في عهد حزب العدالة والتنمية، فبينما يتم تشجيع الطلبة الأتراك على تعلم اللغة العربية في المرحلة الجامعية بوصفها لغة القرآن، يُحظر أن يحضر أثر هذه اللغة في مرسين، وغيرها من المدن السورية التي تم ضمها لتركيا، وبينما ترحب تركيا بالمعارضين السوريين والعرب على أراضيها، فإنّها تمسح لغتهم من على أراضٍ سورية كانت قد أخذتها ذات يوم، وفي مقابل إخفاء اللغة العربية من شوارع مرسين، بإمكانك الاستماع إلى طرفة يتداولها المقيمون العرب في اسطنبول: حين يقصد أحدهم حي "اك سراي"، يُبادره الآخر بالسؤال "أخذت فيزا سورية لتدخل اك سراي"، أو حين تصادف من يتحدث التركية في تلك المنطقة فيكون السؤال: ما الذي أتى بهذا التركي إلى هنا".