بتاريخ 1 نوفمبر 2016 ، أبلغت سلطة الأراضي في قطاع غزة، أهالي "حي الأمريكية" شمال غرب القطاع، بضرورة الإخلاء، لكونه مُقاماً على أراضٍ حكومية، وكافة المنازل المبنية فيه غير قانونية، وتُمثّل تعدٍ على الملكية العامة.
"حيّ الأمريكية" في منطقة العطاطرة غرب بيت لاهيا، شمال غرب القطاع، يُصنّف من العشوائيّات أي "منطقة سكنية غير منظّمة، بُنيت بدون ترخيص من السلطات المعنيّة" كما يُعرفّها القانون، يمتدّ على مساحة 30 دونماً، تقطنه نحو 1500 نسمة، وبه قرابة 250 منزلاً، ويخضع لإشراف بلدية بيت لاهيا التي تُزوّده بالكهرباء والماء والخدمات الأخرى، بحسب اللجنة الشعبية بالحي.
المتحدث باسم أهالي الحي، عوض أبو خوصة، قال "إنّ سلطة الأراضي توجّهت لنا بقرار إزالة الحي، بتاريخ 1 نوفمبر الماضي، والنّص كان إهدم بيتك، ومنذ ذلك التاريخ، لم نترك أحداً إلّا وناشدناه بضرورة التدخّل للتوصل إلى تسوية، تُبقينا في منازلنا".
وأوضح في مقابلة له مع "بوابة الهدف" أنّ الأهالي يعلمون أنّ الأراضي التي يقطنون فيها مملوكة للحكومة، لكنّهم أقاموا فيها منذ عشرات السنين، على أمل إيجاد تسوية ما، وتُوجد بالحي عائلات سكنته بعد عام النكبة 1948، وأحدث المنازل بُنيت فيه قبل العام 2010".
آخر إخطار من سلطة الأراضي لأهالي "الأمريكية" كان منتصف ديسمبر الماضي، إذ أبلغتهم بأن قرار الإخلاء نهائي لا رجعة فيه، لأنه سيُقام على أنقاض المنازل مشروعٌ سكنيّ لموظفي حكومة غزة، لكن هُناك بدائل عن منازلهم، ستكون بإعطاء كل عائلة قطعة أرض بمساحة 150 متراً مربعاً، مدفوعة الأجر، في منطقة أخرى، حسبما أفاد أبو خوصة، الذي أضاف أنّ "هذه الأراضي البديلة ستكون شمال غرب القرية البدوية، على بُعد نحو 200 متراً فقط من السياج الأمني الإسرائيلي، كما جرى إبلاغنا خلال لقائنا مع نائب رئيس سلطة الأراضي حسن أبو ريالة يوم 18 ديسمبر الماضي".
أبو خوصة أكّد أن "الأهالي كافة يرفضون ترحيلهم، ويُصرّون على رفض أية حلول أو تسويات يروْنَها غير عادلة، ومنها الأراضي البديلة، التي تبعُد عن الموت مسافة أمتار فقط".
وقال "كل الأهالي مُستعدّون لدفع ثمن الأراضي التي يقطنوها، للحكومة، بالتقسيط.
"المنطقة ليست عشوائية تماماً كما تقول الحكومة؛ فهي تضمّ كافة مناحي الحياة، بها مدرسة، ومساجد، ومحال، ونحن نتعهّد بتنظيم الشوارع، لكنّنا لن نقبل أبداً، بأن يتم تهجيرنا، كما يحدث الآن في أراضي قرى الداخل المحتل، من قِبَل سلطات الاحتلال" والكلام هُنا لأبي خوصة، الذي قال مُخاطباً المسؤولين "إياكم أن تهدموا بيوتنا، فليس بعدها سوى القبور".
أقام الأهالي، بعد إبلاغهم بقرار إزالة الحي، خيمة اعتصام، توافدت عليها مختلف الفعاليات الشعبية والفصائل والقوى الوطنية، ومؤسسات حقوقية محلية ودولية، للاطّلاع على القضية عن كثب، والتعرّف على مطالب السكّان. كما أنشأوا صفحة عبر موقع التواصل "فيسبوك" للتعريف بالحي ومشكلته.
وفد من الفصائل التقى، قبل أيام، رئيس سلطة الأراضي ب غزة د.كامل أبو ماضي، في محاولة للتدخّل لإيجاد تسوية تُرضي الطرفين، وتحفظ للأهالي حقّهم بالسكن اللائق.
ممثل الجبهة الشعبية في الوفد، محمد طومان، أطلع "بوابة الهدف" على نتائج اللقاء، وقال "إنّ سلطة الأراضي طرحت حلول، لكن الأهالي يرفضونها، والصورة لم تتغيّر حتى اللحظة، لكنّ جرى الاتفاق مع الحكومة على أنّه وإلى حين التوصّل لحلّ، أن لا يتم التعرّض لسكان الحي".
ولفت إلى أنّه من المنتظر أن ينعقد لقاء آخر بين الفصائل وسلطة الأراضي خلال اليومين المقبلين، لمتابعة الأزمة.
" بوابة الهدف" توجّهت إلى د. أبو ماضي، الذي أوضح بدوره أنّ من مهام سلطة الأراضي حماية الأراضي الحكومية، وأي تعدٍّ في أي منطقة على الأراضي الحكومية، يجب أن يُزال.
وأكّد أن "قرار سلطة الأراضي بإزالة التعدّيات نهائي، وكل من يقطنون بحيّ الأمريكية، سيتم ترحيلهم"، لافتاً إلى أنّ المشكلة ليست كما يتم تداولها في الإعلام المحلّي، فبعض سكان الحيّ يتستّرون خلف الحالات الإنسانيّة، وهم في الحقيقة تجار أراضي، أمّا المواطنين البُسطاء والميسورين، لا مشكلة للحكومة معهم، حسب تعبيره.
وأضاف د.أبو ماضي "لدينا قائمة بـ192 حالة تعدٍّ على أراضٍ حكومية –اطّلعت بوابة الهدف عليها- سيتم تحديد التعدّيات المتكررة منها، على اعتبار أن أصحابها يُتاجرون بهذه الأراضي، ليتم اتّخاذ الإجراءات العقابية بحقهم وسيتم ترحيلهم دون تعويض، أمّا الحالات المُتبقيّة سنتوصل إلى تسوية بشأنها، حسب قوانين مجلس الوزراء السابقة، والقوانين المعمول بها في القطاع".
وبيّن أن سلطة الأراضي قدّمت تسوية واضحة للمواطنين الميسورين، وأنّ "التعويضات لهم ستكون عبارة عن قطعة أرض بديلة لكل عائلة، ستكون شبه مجانية، إذ سيتم خصم 40% من سعرها، كما سيتم تعويض الأهالي بمبلغ مالي، سيُضاف أيضاً إلى سعر الأرض البديلة".
وبعد أن أطلعت "بوابة الهدف" د.أبو ماضي على مطالب سكّان الحي، وخاصةً استعدادهم لشراء الأراضي بالتقسيط دون أن يتم ترحيلهم، ردّ بأنّ الحكومة هي التي ستُقرر كيف ستكون التسوية، لافتاً إلى أنّ سلطة الأراضي لن تعطي قرار شاملاً واحداً لكامل ملف التعدّيات في الحي، بل ستتعامل مع كل حالة تعدٍّ على حدة".
وأضاف أنّ "سلطة الأراضي ستتخذ إجراءات عقابية، بحق من يُتاجرون بالأراضي الحكومية، ويسرقون أموال الشعب، كما سيتم إخراجهم من الأراضي التي استولوا عليها، ولن يتم تعويضهم، سواء كانوا موظفين تابعين لحكومة غزة أو حكومة رام الله".
واستشهد بحالة تعدٍ مُتكرر، قائلاً "أحد سكان حي الأمريكية، وضع يده على 15 تعدياً، ويستولي الآن على مساحة 7 دونمات، وهو يُتاجر في الأراضي هناك، وهذا وضع لا تقبل به سلطة الأراضي".
وتعمل فئة من التجار بالقطاع، في مجال بيع وشراء الأراضي الحكومية، بأسعار منخفضة جداً بالمقارنة مع أسعار الأراضي الأخرى، مُستغلّين حاجة الناس، وقلّة حيلتهم. بعض أسماء هؤلاء التجار معروفة، ومشهورٌ عنهم "سمسرتهم" في الأراضي الحكومية، إلّا أنّ ما يدفع الناس للتعامل معهم، رغم ذلك، هو ارتفاع وعدم استقرار أسعار العقارات بالقطاع، خاصة خلال السنوات الأخيرة، منذ سيطرة حركة حماس على الحكم في غزة، والحصار الصهيوني الذي أعقب ذلك.
ولم يُحدد د.أبو ماضي، مواقع الأراضي البديلة، مُكتفياً بالقول إن "الجهات المعنية تدرس عدّة خيارات، وستُراعي أن تكون المناطق البديلة في أماكن جيّدة ومناسبة للمواطنين"، مُعقّباً بأنه في حال لم تكن الأراضي مُزوّدة بخدمات، كالماء والكهرباء، فإنّ الحكومة مُلزمة بتوفيرها، كحال أي منطقة سكنية أخرى.
كما رفض الكشف عن المُخطط الذي تنوي سلطة الأراضي تنفيذه على أنقاض الحي بعد إزالته، وقال إنّ الحكومة هي مالك هذه الأرض، وعليه فإنّها حرّة التصرف فيها.
المحامي صلاح عبد العاطي، قال لـ"بوابة الهدف"، إن القانون الأساسي الفلسطيني، يكفل حق المواطن بأن توفر له الدولة السكن الملائم، كما ينص أيضاً على أن ملكية الأراضي الحكومية لا تسقط بالتقادم.
ورأى عبد العاطي، أنّ الحل يكمن في أن تُوازن الحكومة بين متطلبات الحفاظ على الأراضي المملوكة لها من جهة، والحفاظ على حق المواطن بالسكن من جهة أخرى.
وأضاف أنّ "التعامل مع سكان حي الأمريكية يجب أن يكون مرهون بكونهم مواطنين فلسطينيين أولاً، رغم مخالفتهم للقانون في تعدّيهم على الأراضي الحكومية، ولابد أن يتم التعامل معهم وفق ظروفهم المادية وإمكانياتهم، كلٌ مواطن على حدة، والعمل على إيجاد بدائل مرضية لهم تُؤمّن حقهم في السكن، يُمكن أن تكون عبر إشراكهم في المشاريع الإسكانية التي تُريد الحكومة تنفيذها تعويضاً لموظفيها.
*الصور المُرفقة من صفحة "حي الأمريكية" على فيسبوك

