يجلس على دولابه الكهربائي كشاب في مقتبل العمر, والطين بين يديه كقطعة عجين يلعب بها, فيُشكل أواني فخارية تجسد تاريخ وتراث شعب عريق لطالما تحمل الصعاب في مختلف العصور والأزمان.
إنه الحاج الستيني صبري مصطفى عطا الله صاحب أحد مصانع الفخار في قطاع غزة.
يقول عطا الله: إن صناعة الفخار من أقدم الصناعات الموجودة في بلادنا وتعد من التراث الفلسطيني العريق الخالد إلى يومنا هذا لكن مع اختلاف النسب بين الماضي والحاضر.
ويضيف: كان قطاع غزة يحتوي على ما يقارب الخمسين مصنع, أما الأن فلا تتجاوز الخمسة مصانع بسبب الكثير من العوامل والمؤثرات التي تساهم في انقراض هذه الحرفة.
كيف نصنع فخارا؟
وحسب عطا الله، تدخل صناعة الفخار في عدة مراحل أولها جمع الطين المتواجد بكثرة في المنطقة الشرقية لشمال القطاع, ومن ثم تنشيفه ليوضع في بركة كبيرة من المياه ليتم تذويبه وتنقيته من الشوائب حتي يصبح مادة لزجة, ثم يوضع في مكان يدعى "المصول" ليترسب بدون مياه، ويترك هناك ما يقارب الثمانية أشهر.
بعد ذلك، يوضع الطين في "العجانة" ليخلط، ويخرج على شكل قوالب جاهزة للتشكيل على آلة "الدولاب" الذي يدور مع عقارب الساعة, وتُشكّل على هذا الدولاب الدوار الأشكال الفخارية المطلوبة في السوق كالقدر والحصالات وأباريق المياه والمزهريات والزبادي.
بعد مرحلة التشكيل توضع الأشكال في مكان لتنشف وتجهز لمرحلة الفرن الناري الذي تبدأ درجة حرارته من درجة حرارة الجو حتي 800 درجة مئوية .
طين فلسطين الأحمر
عطا الله، يبين أن الفخار الموجود في الأسواق متوفر بثلاثة ألوان: الأبيض، والأسود, والأحمر.
ويغلب على طين فلسطين اللون الأحمر لذلك غالبا ما يخرج لون الفخار من الفرن أحمرا, أما اللون الأبيض فتضاف إليه مادة كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) على الفخار ليخرج اللون الأبيض.
وعن الفخار الأسود فيكون للفرن مدخل للنار والحطب، ومخرج لدخان ثاني أكسيد الكربون, فيغلق مخرج الدخان لكتم ثاني أكسيد الكربون داخل الفرن، وتضاف مادة زيت محروق " المازوت" ويغلق الفرن لمدة 48 ساعة فيخرج الفخار الأسود.
وهكذا تورد الألوان الثلاثة للأسواق، لكن الإقبال يبقى ضعيفا.
منافسون في السوق
عطا الله يوضح أن هناك منافس للصناعات الفخارية كالبلاستيك والخشب والزجاج والألمنيوم, فبعد أن كان الناس يعتمدون بشكل أساسي على الأواني الفخارية مثل تبريد وشرب المياه في إناء فخاري والعجن والطبخ في إناء فخاري وتخزين الزيت والزيتون في إناء فخاري، صاروا يستخدمون الأواني البلاستيكية والزجاجية.
ويرجح عطا الله أن عدم اهتمام المؤسسات المعنية بالحرف والصناعات, من الأسباب التي أدت إلى تآكل صناعة الفخار في قطاع غزة، مطالبا بالمساعدة على الاستمرار في توريث وتعليم هذا التراث إلى الأجيال الشابة حتى تبقى هذه الحرفة على مر الزمان.
لا تصدير للخارج
ويستذكر الحاج الستيني الماضي الجميل فيقول: هذه الحرفة هي روحي.. أنا أشعر بالسعادة والسرور عند صناعة الفخار التي كانت في الماضي أجمل من اليوم فكان ما يقارب الـ80% من صناعاتنا الفخارية تصدر للضفة الغربية وشمال فلسطين, أما اليوم كأصحاب فواخير فإننا نعاني الأمرين من الاحتلال وحصاره الجائر للقطاع وعدم تمكيننا من التصدير للخارج حتى نحافظ على هذه الحرفة التراثية القديمة من السقوط في الهاوية.
وطالب عطا الله وزارة السياحة والأثار ووزارة الإقتصاد والمؤسسات المعنية بدعم هذه الحرفة التراثية والحفاظ عليها ولفت النظر لها من أجل البقاء.
إذن حرفة عريقة أبت ألا تندثر وتنكسر وسط العديد من الأسباب والظروف التي قضت على الكثير من الحرف والصناعات في قطاع عانى ويلات الحروب خلال سنوات قليلة , فهل من أبِ شرعي يتبناها.

