تبدو العلاقة بين الخرطوم والقاهرة وكأنها محكومة بالتوتر الدوري والمتجدد في القضايا الخلافية بين البلدين، فمنذ عام 1965 تشهد العلاقات خلافات لا تعكس عمق العلاقات العربية والإنسانية والاقتصادية والأمنية والجوارية بينهما، وبعد كل تهدئة تعود الأمور للاضطراب بمجرد فتح ملفات جديدة، كما يحصل منذ فترة بسبب ملف حصص مياه النيل والجماعات الإسلامية المصرية الموجودة ب السودان ، والدعم الخليجي الجديد للسودان، وقضية حلايب وشلاتين وأخيراً حظر دخول المصريين بدون تأشيرة .
تطورات جديدة :
وقام رئيس السودان عمر البشير، مؤخرًا، بزيارة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أكد خلالها أن الأمن القومي الإثيوبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي السوداني، مشددًا على أن أي تهديد لأمن إثيوبيا هو تهديد مباشر لأمن السودان، ما فهم منه البعض أن المقصود من وراء ذلك مصر.
من جانب أخر وفي تطور جديد على صعيد العلاقات، أعلنت السودان حظر دخول المصريين أراضيها بدون تأشيرة، حيث شمل بشأن قرار السودان فرض تأشيرة دخول على المصريين الذكور من سن 18 إلى 49 عاما، وتحصيل رسوم من المغادرين المصريين بقيمة 530 جنيها سودانياً. وهو ما أوضحه السفير السوداني في مصر بأنه يأتي ضمن المعاملة بالمثل.
رداً على قرار السودان الأخير "أبدى نواب مصريون استنكارهم للقرار، واتهم عضو اللجنة الأفريقية محمود يحيى الحكومة السودانية بالانصياع لرغبات خارجية دفعتها لاتخاذ القرار"، وطالبها بالعدول عنه.
كما وصفت العضو في ذات اللجنة منى منير القرار بأنه غريب، وقالت إنه "لا يراعي العلاقات التاريخية بين البلدين"، مطالبة كذلك بالتراجع عنه، رغم تأكيد وزارة الخارجية السودانية في بيان لها إفادتها للسلطات المصرية المختصة باتخاذ القرار، وإعلان البيان أن القرار اتُخذ بالتشاور بين البلدين، فيما أكدت وسائل إعلام مصرية أن القرار كان مفاجئاً.
العديد من المراقبين يرأى أن تلك القرارات مؤشراً لتوتر بين نظامي البلدين. فيما رأى أستاذ العلاقات الدولية بمركز الشرق الاوسط للدراسات عصام عبد الشافي أن القرار يعكس توتراً مكتوما في العلاقات بين الدولتين، معتبراً الحديث عن "مبدأ المعاملة بالمثل" يأتي فقط لتبرير القرار، وأنه لو كان حقيقيا لطبّق القرار منذ سنوات.
الصحفي والباحث السوداني عباس محمد قال أن الدوائر السودانية ترى الإجراءات الأخيرة معاملة بالمثل لمماطلة مصر بحجج واهية في التطبيق الكامل لبنود اتفاقية الحريات الأربع الموقعة عام 2005، وأن السودانيين يرون أنهم استنفدوا جميع السبل لعدم الوصول إلى هذه النقطة.
صحيح أن القرار الأخير بشان السفر بتأشيرة، وزيارة البشير إلى اثيوبيا مؤخراً، والانفتاح الاقتصادي الخليجي على السودان، وقضية مثلث حلايب ومياه النيل هي واحدةُ للعديد من الاشكاليات والمعضلات التي تشهدها العلاقات بين السودان ومصر منذ زمن طويل وتتجدد، حيث تحكم العلاقة مابين مداً وجزراً تبعاً لطبيعة النظام الحاكم في كل منهما وسياسته الداخلية والخارجية، وكيفية صياغته لمواقفه ورؤاه وتحالفاته الإقليمية والدولية، لكن هذه العلاقة كانت في أغلب فتراتها تفتقر إلى الحميمية بسبب مجموعة من الخلافات والتوترات والتي برزت موخراً.
قضية توزيع مياه نهر النيل:
تعود خلافات القاهرة مع دول حوض النيل لعام 2010، بعد توقيع خمس دول من أصل 11 دولة وهم «إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا» اتفاقية «عنتيبي» التي نصت في أحد بنودها على إلغاء حصة مصر 55.5 مليار متر مكعب، وكذلك حصة السودان البالغة 18.5 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل 90% من مياه النيل.
ونص الاتفاق الجديد على الاستخدام المنصف والمعقول لجميع الدول؛ واعترضت الدولتان المتضررتان من الاتفاقية مصر والسودان، وقامت مصر على إثرها بتجميد عضويتها في المبادرة.
وتعتبر هذه الاتفاقية نقطة خلاف بين مصر ودول حوض النيل التي لا تعترف بها وتطالب بتقسيم حصص المياه وفق رؤى جديدة كما تطرحه القاهرة والخرطوم.
لكن الأخيرتين اتخذتا مواقف غير موحدة من سد النهضة منذ إعلان أديس أبابا بدء إنشائه أوائل أبريل/نيسان 2011، ففي حين تتهم القاهرة الخرطوم بدعم أديس أبابا وتطالبها بالوقوف معها في مقاومة السد، فيما تميل الخرطوم إلى إحداث توازن في الموقف عبر الالتزام بالاتفاقيات السابقة مع مصر ومساندة إثيوبيا في قضية السد.
الدكتور محمود أبو زيد وزير الري المصري السابق والمختص في شؤون مياه النيل يقول "إن مصر تعلم جيدًا أن السودان غير متمسكة بالرفض بنفس درجة القاهرة، كما أن البشير حاليًا يعلم أن الدول الموقعة على «عنتيبي» في حاجة إلى انضمام السودان؛ حتى تصبح الاتفاقية سارية التنفيذ على كل دول حوض النيل".
وبحسب دراسة مصرية حول "الصراع المائي بين مصر و دول حوض النيل" تقول الدراسة إن السودان لن تتضرر بدرجة كبيرة في حال انضمامها لـ«عنتيبي»؛ نظرًا لأن نهر النيل في حقيقته لا يمثل لها أهمية كبيرة بالمقارنة إلى مواردها المائية الأخرى، والتي تتمثل في أكثر من 11 نهرًا، إضافة إلى الأمطار الغزيرة والمياه الجوفية، فالخرطوم تعتمد على 15% فقط من نهر النيل، بينما تعتمد مصر على أكثر من 85%.
لذلك وحسب مراقبين تسطتيع السودان أن تحرم مصر من حصتها الكبرى في نهر النيل بالتوقيع على «عنتيبي»؛ وبالنظر إلى الخلاف القائم بين الدولتين بسبب أزمة «حلايب وشلاتين» فإن السودان قد تتخذ أي إجراء لمعاقبة مصر في حال فشل المفاوضات الجارية حالياً.
مخاوف مصر من توجهات الدعم "الخليجي" الأخير للسودان
يتحصّن السودان الآن بعلاقاته الجديدة مع دول الخليج التي باتت تنظر إليها كصديق قوي لاسيما بعد تصفية علاقاته تمامًا مع إيران، وانخراطه العسكري والسياسي الكامل في التحالف العربي في اليمن، وتجاوب الإدارة الأمريكية مع السودان في ملف الحصار الاقتصادي ورفع الحصار جزئيًا عن السودان بانتظار الرفع الكامل للعقوبات في تموز من العام الجاري.
فخلال زيارة الرئيس عمر البشير الأخيرة إلى الإمارات، أعلن أن بلاده حصلت على نصف مليار دولار وديعة، والتي أسفرت عن استقرار سعر صرف الجنيه السوداني؛ وهي نفس الزيارة التي اتهم فيها المخابرات المصرية بالتجسس عليه لصالح المعارضة المسلحة.
فبعد معاقبة الرياض للخرطوم اقتصاديًا في عام 2014 بإيقاف تحويلات الصرف لأكثر من 500 ألف سوداني مقيم في المملكة؛ قامت الرياض خلال زيارة الرئيس السوداني، بتنشيط الاقتصاد السوداني بعدة اتفاقيات انتشلته من أزمة الديون الخارجية، إضافة إلى توفير 370 ألف فرصة عمل جديدة؛ جدير بالذكر أن البشير لم يقم بزيارة السعودية إلا بعدما أرسل قواته للمشاركة في حرب اليمن، وهي الحرب التي تسببت بتوتر العلاقات بين مصر والسعودية.
بعيد قرار مشاركة السودان في العدوان على اليمن وقعت السعودية أربع اتفاقيات لتمويل سدود على نهر النيل بما قيمته مليار وربع المليار دولار، واتفاقية أخرى تقضي بزراعة نحو مليون فدان من الأراضي شرق السودان بميزانية 500 مليون دولار، وهو ما أزعج القاهرة التي رأت في تلك المشاريع التنموية خطرًا على أمنها المائي؛ خاصة بعدما أصبحت السعودية تحتكر 50% من النشاط الزراعي في السودان.
لقد أدت مُضاعفة السعوديّة لاستثماراتها الزراعيّة في السودان، والتي ارتفعت من 7% في عام 2013 إلى 50% عام 2016 ومطلع عام 2017 ، وما ترتب على ذلك من بناء سدود على النيل في السودان، إلى انتشار تخوفات سياسية من جانب السلطة المصرية من أن يؤثر ذلك في الحصّة المائيّة المتدفّقة من النيل إلى مصر.
ويعتقد الخبراء أن زيادة مساحات الأراضي المزروعة في السودان، سيكون على حساب الأراضي المزروعة في مصر، خصوصًا في ظل استبعاد الاعتماد على المياه الجوفية لزراعتها، لارتفاع تكلفتها المادية، وبالتالي سيكون أي استثمار زراعي داخل الأراضي السودانية معتمدًا بشكل رئيسي على الحصة المائية لمصر.
المتابع لمسيرة الخرطوم في طبيعة علاقاته الأخيرة وتحالفاته في سنواته الأخيرة مع الخليج أنه تستخدم في سبيل تطوير علاقاته الكثير من المعطيات والمغريات الاقتصاديات المعتمدة على موارده الضخمة الزراعية والحيوانية والمائية والمعدنية والسياحية.

