Menu

وثيقة حماس تحول تنظيمي وسياسي باتجاه التسوية

محمّد جبر الريفي

ليس من باب النقد السياسي لحركة المقاومة الاسلامية حماس ولكن من باب التناول الموضوعي المنهجي المحايد والبعيد عن ظاهرة المناكفات السياسية في الساحة الفلسطينية لما تضمنه هذه الوثيقة من مبادئ وسياسات عامة شكلت في مجملها تحولا جوهريا في طبيعة الحركة التنظيمية ومواقفها السياسية.

على الصعيد التنظيمي صاغت الوثيقة تعريفا جديدا للحركة حيث تم الإعلان فيها على أن حركة حماس هي حركة تحرر وطني بمرجعية اسلامية وهذا يعني فك ارتباطها بحركة الإخوان المسلمين الذي ينظر إليها الغرب باعتبارها المستودع الذي خرجت منه تنظيمات الإسلام السياسي التي جنحت بعضها للتطرف والإرهاب وسقف فك الارتباط التنظيمي بحركة الإخوان المسلمين هذا يلبي في الواقع السياسي القائم حاليا في المنطقة رغبة الحركة في اقامة علاقات سياسية متوازنة و غير متوترة مع عديد من دول المنطقة العربية وبالأخص علاقات الجوار مع مصر والأردن الدولتان اللتان تحملان التيار الأصولي الإسلامي المسؤولية في تفجير الصراعات الداخلية في الدول العربية وقد تطمح حماس من وراء هذا التعريف الجديد إلى انتزاع تغيير في موقف المجتمع الدولي تجاه الحركة تمهيدا لإشراكها في المساعي السياسية التي تشهد الآن حراكا دوليا لتسوية القضية الفلسطينية وقد كان هذا التعديل في توصيف الحركة ضروريا ايضا لأنه ينسجم مع عملية الصراع السياسي اليومي مع الاحتلال في وقت يتم فيه الحرص من كلا الجانبين الإسرائيلي وحماس على استمرار حالة التهدئة على جانبي الحدود في القطاع مع الكيان.

على المستوى السياسي تضمنت الوثيقة قبول حماس باقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وهو تعميق سياسي جديد من أكبر تنظيم سياسي فلسطيني معارض لبرنامج الحل المرحلي الذي كانت ترفضه والذي يفقد امكانية تحقيقه على ارض الواقع بسبب سياسات ومواقف اليمين الإسرائيلي المتطرف مما جعل الأدارة الامريكية بعد وصول ترامب إلى سدة الحكم الإعلان عن أنه ليس المشروع الوحيد للتسوية السياسية في الشرق الأوسط للقضية الفلسطينية.

يمكن القول بأنه لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني يصدر قبولا من تنظيم إسلامي كبير بتسوية سياسية مرحلية مع الكيان الصهيوني العدواني فما هو شائع في الفكر الإسلامي أن أرض فلسطين هي وقف إسلامي لا يجوز التصرف فيها والإعلان عن قبول دولة فلسطينية على مساحة لا تتجاوز أقل بكثير من مساحتها الكلية هو نوع من التصرف في هذا الوقف الإسلامي و هو ما يحمل في الواقع السياسي تحولا في طبيعة العلاقة بين المشروعين الاسلامي والوطني الفلسطيني بحيث على هذا الأساس يمكن لأصحاب المشروع الإسلامي رسم السياسات بعد ذلك على أرضية تيار الواقعية السياسية الذي يتعامل مع الكيان الصهيوني كأمر واقع مع القول أن ذلك لن ينفي جوهر التناقض الرئيسي القائم معه وقد جاءت الوثيقة لتحمل نفس هذه الدلالات حين أكدت على عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني وقد غاب عن واضعي المباديء والسياسات العامة في الوثيقة أن حيثيات البرنامج المرحلي الذي تم إقراره من قبل المجلس الوطني الفلسطيني كان ايضا يحمل نفس هذه الرؤية الواقعية ولكن جاءت التطورات بعد ذلك لتدفع منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاعتراف بإسرائيل ؛؛؛ اخيرا الملفت للانتباه في الواقع السياسي القائم الآن أن حركة حماس بدأت تولي اهتماما اكبر بالعمل السياسي وخطابها السياسي بدأ متناغما مع رغبة المجتمع الدولي في الوصول إلى تسوية سياسية تضمن الاعتراف بشرعية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين والسؤال أين شعار المقاومة خاصة المسلحة من هذا التحول ؟ هل يبقى مرفوعا يعمل على ابقاء حالة الانقسام السياسي البغيض المرفوض شعبيا والذي أصبح بعد الآن لا مبرر له ؟ أم أنه سيمهد الطريق مستقبلا إلى التوصل إلى مصالحة وطنية باعتبار أن لا خلاف سياسي بين السلطة الوطنية في رام الله وحماس التي تحكم القطاع لأن كلاهما أصبحا تقريبا في موقف سياسي واحد من مشروع التسوية المطروحة القائمة على حل الدولتين والتي تحظى بإجماع دولي.