وصل الرئيس دونالد ترامب إلى الكيان الصهيوني هذا الصباح في رحلة حظيت بأكبر قدر من التقييمات المتناقضة، من وصفها زيارة تاريخية إلى اعتبارها لزوم ما لايلزم، وتساؤلات عما يريد ملك التصريحات المتناقضة تحقيقه، أكثر مثلا من أنه سينجح فيما لم ينجح به سلفه باراك أوباما، أو تقديم اثبات جديد، على أن الادارات الأمريكية بغض النظر عن شخوصها لن تحقق أي نجاح فيما هي منحازة بسفور ووقاحة للطرف الصهيوني الذي لن يترك فرصة لابتزاوز أوباما، والضغط عليه لتحقيق المصلحة الصهيونية أولا وأخيرا. في هذه المقابلة قراءة في حدث الزيارتين: زيارة الرياض وزيارة تل أبيب ومقدار ما بينهما من تباين والجذور التاريخية للمشهد الذي تابعناه بالأمس واليوم.
وهذا ممكن وواقعي لأن الإدارة الأمريكية، تعتبر الكيان حليفها الأوثق والأقرب ومن لحمها ودمها لذلك فترامب في الحقيقة لايقدم تنازلات للصهيونية بل يمنحها ما يعتقد أنه واجب وحق، والصهاينة بدورهم يعلمون أنهم ليسوا مثل الزعماء الذين هللوا ورحبوا بترامب في الرياض، فأولئك لن يحصلوا من صفة الحليف إلا على الكلمة فقط، وعيلهم كما شهدنا وشهد العالم أن يدفعوا ثمن التنازل الأمريكي لاعتبارهم حلفاء، فزنجي المنزل الذي قرر الانخراط في معسكر أعداء أمته وشعبه ليس له أن يرجو من السيد الأبيض أكثر من ذلك.
دولة المستوطنين عرفت كيف تستقبل ترامب، فلم يتأخر ممثلهم الأبرز في الحكومة نفتالي بينيت بتذكيره بالوعد المقطوع بنقل السفارة إلى القدس المحتلة ولم ينتظر حتى أن يتجاوز ترامب السجادة الحمراء.
وهذا طبيعي أيضا فقد وصل ترامب إليهم وهم يحملون في أيديهم جدول أعمال متكامل وقائمة مطالب وليس كما حدث في الرياض حيث استقبل من مضيفيه وهم يحملون الأعلام البيضاء وقوائم التنازل والذل.
تحدث ترامب بالعبرية في مطار بن غوريون وقال "شكرا لكم وسلام لكم". وقال: "إنه لشرف عظيم لي أن أكون هنا، وفي رحلتي الأولى، جئت إلى الأرض المقدسة والقديمة لإعادة التأكيد على العلاقة التي لا تمحى بين إسرائيل والولايات المتحدة، وفي هذا المكان الغني في التاريخ، من الحضارات الأكثر ازدهارا وقوة، كما أنها دولة تقوم على مبدأ أننا لن نسمح لأهوال القرن الماضي بالعودة ". وقال:" لدينا فرصة نادرة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، هزيمة الارهاب ". تحدث بالعبرية بينما تهافت زعماء من ورق للتحدث أمامه بالإنكليزية في الرياض.
نتنياهو لم يفوت الفرصة فقال " والآن بعد أن كانت الرياض تتجه إلى تل أبيب، آمل أن يتمكن رئيس وزراء إسرائيل في المستقبل من السفر إلى الرياض، آمل أن تكون زيارتكم الأولى هي الخطوة الأولى نحو المصالحة والسلام، وأتطلع إلى العمل مع في السنوات القليلة المقبلة لتعزيز الرخاء والسلام والأمن وتعزيز التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة".
رئيس الكيان الصهيوني قال محقا إن "زيارتكم هي رمز للرابطة غير القابلة للكسر بين إسرائيل والولايات المتحدة أنت رئيس حليف إسرائيل الأهم والأكبر، أنت صديق حقيقي لإسرائيل والشعب اليهودي". وأضاف "الشرق الاوسط منطقة مليئة بالارهاب، والقمع والجنون، وهي علاقة بين الدول، ولكن أيضا بين الناس، ونحن نشاطر قيم مماثلة، وكذلك الأمل في السلام". طبعا لم يتذكر أحد في الرياض من أن يقول لترامب إن الكيان الذي تذهب إليه هو مصدر الإرهاب والجنون في الشرق الأوسط.. وهل كانوا يجرؤون؟
ولكن كيف يمكن وصف هذا المشهد الكاريكاتوري؟ في العلاقات المتناقضة القائمة على تضارب رهيب في المصالح يدركه طرف صهيوني ويعرف ما يريده من الولايات المتحدة وينام عنه طرف عربي واسلامي، يذعن لما تريده ويتجاهل مصالحه نفسها؟
فلننظر إلى التاريخ
نعلم جيدا أن الولايات المتحدة وعبر رئيسها ترومان قد قامت بالإعتراف بدولة اسرائيل بعد خمس دقائق من إعلانها، إن ذلك لا يعكس تسرعا أمريكيا أو إخلاصا لمبادئ ويلسون وانما يدل على مدى اشتراك الولايات المتحدة ومساهمتها في التخطيط للمؤامرة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، فالولايات المتحدة وهي القوة الإستعمارية الوحيدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بدون خسائر تذكر ماكانت لتسمح وهي أفضل المنتصرين حالا وأقواهم بحكم امتلاكها القنبلة الذرية، بأن تغيب عن مسرح الأحداث الرئيسي في الشرق الأوسط، حيث الممرات الإستراتيجية ومناطق التمدد النموذجية للمعسكر الشيوعي، وحيث منابع النفط لاحقا، فكان لابد أن تحجز مكانها، فأصبح الإتجاه الآن نحو منابع الثروات في الشرق، لذلك كان اعلان ترومان تتويجا لهذه السياسة الأمريكية، فقد أنشأت الولايات المتحدة أول قنصلية لها في القدس عام 1856 رغم قلة عدد اليهود الأمريكيين في فلسطين، الا أنه كان قد بدأ الإدراك في أمريكا كما في أوربا لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه اليهود، لذلك لم يكن صدفة أن آخر ثلاثة سفراء بعثت بهم الولايات المتحدة الى الأستانة هم من اليهود، وقد عمل هؤلاء على حماية المصالح اليهودية في الدولة العثمانية، والمخطط الإستعماري كان يستند إلى ضرورة حماية المصالح الغربية في المنطقة لذلك كان من الطبيعي أن تدعم أمريكا الخطة البريطانية الفرنسية الخاصة بتقسيم العالم العربي مع السعي طبعا لتجاوزها بسبب تجاهلها للولايات المتحدة التي لم تكن قد دخلت حلبة الصراع بشكل جدي حتى ذلك الوقت، ويشير أرشيف ويلسون أنه كان يعلم بالمعاهدات السرية (سايكس بيكو) وبموضوع اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من بلفور شخصيا عند زيارته الى الولايات المتحدة عام 1917، الحرب العالمية كانت الثانية نهاية مرحلة، كان لابد فيها للأشكال القديمة أن تتراجع، ودولة اسرائيل كانت نموذجا للتجديد في الآليات الإستعمارية، إذ أمريكا في مواجهة منطقة خطرة، تحتوي مصالح حيوية بالنسبة لها، وتوجد دولة اسرائيل وهي كيان غريب، متطابقة من حيث النشأة مع الشقيقة المستعمرة الكبرى وهذه الدولة موجودة في إطار معاد، تحتاج للدعم من الخارج الإستعماري المتوافق معها، وقادرة في نفس الوقت على القيام بالمهمات المطلوبة ، وذلك يصبح إطارا ملائما لنشأة الدولة المفضلة ، وهنا نجد أنفسنا أمام نظامين يتحدران من جذر واحد وينتميان الى نفس الفئة الإستعمارية، فالوجود الإسرائيلي في فلسطين هو حالة استعمارية نموذجية بغض النظر عن التسميات التي يحلو للمفكرين والسياسيين العرب إطلاقها، من أجل ذلك تصبح العلاقة الأمريكية الإسرائيلية علاقة قسرية موضوعيا، طبيعية محكومة لطبيعة النظامين وليست مفتعلة.
في هذا السياق نستطيع فهم الدعم اللامحدود الذي تقدمه أمريكا لاسرائيل عبر آلاف المليارات من الدولارات التي مصدرها أصلا دول النفط العربية، وتكديس الأسلحة والتغطية على التسلح النووي، دون أن ننسى طبعا الدعم السياسي اللامحدود في كل المحافل، بهدف أن تبقى هذه الدولة قوة متفوقة "لابد أن نمنح اسرائيل كل مايضمن تفوقها العسكري دائما وأبدا " و "إن إسرائيل ينبغي أن تظل دائما وبمساعدتنا قادرة على حماية أمنها وتشتيت أعدائها والتفرقة بينهم وسحقهم" ولا يمكن أن ننسى السلوك التصويتي لمندوبي الولايات المتحدة في مجلس الأمن والجمعية العامة ضد المصالح العربية، واستمرارالولايات المتحدة في رفض الإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بعد أن اعترفت بها دول العالم أجمع، وقرارات الكونغرس الأمريكي المعادية للفلسطينيين والعرب والتي حولت الكونغرس الى صورة بائسة عن الكنيست الصهيوني ولنا في وقاحة المندوبة الحالية للولايات المتحدة وعنجهيتها مثلا وعبرة.
رهانات خاسرة .. خداع الذات: أي شراكة بين الذئب والخروف؟
بين عالم المضطهدين وعالم الاضطهاد؟ بالتأكيد النخب العربية الحاكمة هي في المعسكر الثاني ولكن علاقتها مع الأسياد هي علاقة زنجي البيت، العبد الخانع لسيده المتنكر للون جلده، ولكن الازمة الحقيقية ليست مع هذه النخب المنضوية في معسكر الأعداء عن سبق اصرار ومصالح ومصير، بل مع العقل العربي العام في أوهامه حول العدالة والتأثير:
المشكلة في الوعي العربي تجاه العلاقة الأمريكية الصهيونية، تكمن في عدم إدراك طبيعتها بأنها علاقة ارتباط عضوي بين نظامين ينتميان الى نفس النموذج، تصبح هنا المراهنة على امكانية تحرير العقل الأمريكي من النفوذ الصهيوني، وأن تدرك الولايات المتحدة أن مصالحها انما هي مع الطرف العربي وليس مع الدولة الدخيلة، هذه المراهنة ليس لها أي قيمة في العملية السياسة، وفي آليات التفكر الإستعماري، لأن المستعمرين انما ينتمون الى ذاتهم والى نماذجهم الخاصة، وأي انقلاب هو انقلاب على الذات وبالتالي فمن ينقلب على النظام يصبح خارجه ببساطة، هذا ينطبق أيضا على السياسيين الأمريكيين كأفراد، والذين يلعبون اللعبة الديبلوماسية ضمن النظام الذن ينتمون اليه، ويفسر ربما أن هؤلاء كثيرا مايغيرون مواقفهم بعد خروجهم من السلطة ويدفعون الثمن ان هم فعلوا ذلك وهم في مركز القرار، ولكن من يحاسبهم هنا هو النظام نفسه وليس اليهود كطابور خامس كما يعتقد الوعي العربي، وبالتالي فان المراهنة على تغير الموقف السياسي في أمريكا انما تعني المراهنة على تحدي النظام نفسه في بنيته الأيدلوجية السيياسية، وهذا رهان غير صحيح ولاينتمي الى الوعي السياسي، وعدم الإعتراف بعدم جدوى هذا الخيار ناتج أصلا عن غياب الجرأة اللازمة لمواجهة النتائج التي تترتب على هذا الأمر.
ثمة رهان آخر على الرأي العام الأمريكي وامكانية أن يتحرك ضد النظام وأن يؤيد المصالح الفلسطينية والعربية، ورغم أننا لاننفي أهمية الرأي العام وضرورة العمل على كسبه الا أننا يجب أن نرى الأمور بشكل واقعي، لأن "الرأي العام انما تصنعه القوى المهيمنة ومصالحها، لاالضمير ولا الإدراك السليم.
وفي سياق هذا الفهم ثمة مقولة دارجة عربيا وهي أن الولايات المتحدة قد انسحبت من فيتنام عندما أصبح هناك رأي عام أمريكي ضد الحرب وكذلك الأمر في كوريا وغيرها، ولكن الحقيقة التي تحاول السياسة العاجزة اخفاءها والإستعاضة عنها بالمقولة السابقة هي ، الولايات المتحدة أرغمت على الإنسحاب من فيتنام دون أن تحقق غاياتها بسبب الكفاح البطولي للشعب الفيتنامي وثباته وليس بسبب معارضة الشعب الأمريكي، هذه الحقيقة أدركها الشعب العربي والفلسطيني فقذف منذ زمن أي رهان على أمريكا خلف ظهره مدركا تماما أن أمريكا واسرائيل هما وجهان لعملة استعمارية واحدة، في خندق واحد، وهذا ناتج عن الوعي أن هناك تضارب أساسي وحتمي بين النظام الرأسمالي الأمريكي وبين حركات التحرر في العالم كله، وقد اعترف الرئيس فورد بنفسه بهذا الأمر في تصريحه حول كمبوديا "ان ارادة الولايات المتحدة هي ايقاف المد الثوري لمنع قيام أي نظام تعتبره تهديدا لأمنها القومي".
من يعارض السلام: وعلى كل حال نحن لن نستسلم
يضعنا ما سبق على السكة المناسبة لفهم المنظومة الفكرية التي تقود التحرك الأمريكي حاليا عبر عملية السلام، فما وصلت اليه هذه العملية وظروف انطلاقها والسلوك الأمريكي فيها يثبت لكل ذي بصيرة أن "جبهة الرفض" الحقيقية انما هي التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وليس الفلسطينيين والعرب كما تشييع وسائل الإعلام المهيمنة، إلا بمقدار ما يعتبر رفض الخنوع والاذلال والتمسك بالحقوق ومقاومة الاحتلال رفضا للسلام، فسياسة الولايات المتحدة تجاه اسرائيل لا تعني تمكين اسرائيل من تهديد العرب فحسب بل ورفض كل تسوية سياسية، والولايات المتحدة ليس من مصلحتها ولامن مصلحة اسرائيل اقامة سلام في المنطقة، التوتر - وهنا المفارقة - هو الذي يضمن الحفاظ على المصالح الأمريكية "ولعل هذا ما يفسر أو يعطي لمحة لتفسير اشعال المنطقة وتدمير بلدان عربية كاملة بهدف موضعة الكيان الصهيوني في إطار مناسب له، قادر على العيش فيه وربما السعي لقيادته. لذلك لنا أن نتوقع الأسوأ في عهد ترامب الذي يدعم المستوطنات من ماله الخاص، والذي بجهل غير مسبوق يتحدث عن ولعه بالمسادا، الأسطورة الكاذبة المفتعلة، ويغازل اليهود والمستوطنين كأنه واحد منهم.
لكن الشعب الفلسطيني سيبقى العقبة الكأداء أمام كل هذا التنمر والقباحة، وأمام هذا العنف الدبلوماسي والمادي بكل أشكاله، وهم يدركون تماما استحالة دفعه للاستسلام، ويدركون تماما عجزهم عن الكسب النهائي للمعركة، لذلك لنا أن نتوقع المزيد من الجهود لتسويات ليست أكثر من إدارة مؤقتة للصراع حتى تحين ساعة لاريب فيها.

