أعلنت المملكة العربية السعودية أمس الأحد أن الملك سلمان بن عبد العزيز لن يحضر الإجتماعات المقرّرة مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض، وقمة "كامب دافيد" التي تنعقد خلال الأسبوع الحالي، في ما يمثّل، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، إشارة ظاهرة إلى استمرار استياء السعودية من إدارة أوباما حول علاقاتها مع إيران.
وكان الناطق بلسان البيت الأبيض، إريك شولتز، قد أعلن يوم الجمعة الماضي أن الملك سلمان سيزور واشنطن "لاستئناف المشاورات حول مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والثنائية".
ولكن وكالة الأنباء السعودية أعلنت أمس الأحد أن الملك سلمان سيوفد ولي العهد الأمير وزير الداخلية محمد بن نايف، وولي ولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان. وقالت الوكالة إن القمة تتزامن مع بداية هدنة إنسانية مدتها خمسة أيام في اليمن وافتتاح مركز للإغاثة الإنسانية يحمل اسم العاهل السعودي.
وقال مسؤولون عرب للصحيفة إن غياب الملك سلمان يشكل مؤشراً لخيبة أمل السعودية إزاء ما يمكن للبيت الأبيض أن يقترحه من تطمينات أميركية ضد إيران.
ويتوقع أن يتصل الملك سلمان بالرئيس أوباما اليوم الإثنين للبحث في قراره بعدم السفر إلى الولايات المتحدة، حسب ما قال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية.
وأضاف هذا المسؤول أنه حينما التقى مع وزير الخارجية جون كيري في الأسبوع الماضي، فإن الملك كان قد أعرب عن تطلّعه إلى الاجتماع شخصياً مع الرئيس أوباما. ولكن، فور إعلان البيت الأبيض مساء الجمعة عن اجتماع بين الرئيس أوباما والملك في واشنطن، فقد اتصل وزير خارجية السعودية لينقل للإدارة أن الملك سلمان لن يتوجّه إلى الولايات المتحدة.
وقال المسؤول الأميركي إنه لم يرد أي "تعبير عن خيبة الأمل" من السعوديين. وأضاف: "إذا أراد أحد أن يعبّر عن موقف ازدراء، فإنه يفيدك بذلك بصورة أو بأخرى".
وقال نائب رئيس "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية"، جون إلترمان، إن غياب الملك سلمان تعبير عن ازدراء وهي فرصة في الوقت نفسه. وقال إن فيه "فرصة ضمنية لأنه سيكون أمام المسؤولين الأميركيين فرصة غير معتادة للتعرف على الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع القوي وولي ولي العهد، الذي نادراً ما التقوا به سابقاً".
ولكن "ألترمان" أضاف أنه "حينما يرسل شريك مقرّب إشارة لا غموض فيها بأن لديه أمورا أهم من الحضور إلى البيت الأبيض والاجتماع مع الرئيس، وذلك مباشرةً بعد إعلان البيت الأبيض بأن الرئيس سيجتمع على حدة مع الملك قبل مباشرة أعمال القمة، فإن ذلك كله يمثّل إشارة واضحة".
وكان وزير الخارجية جون كيري قد اجتمع يوم الجمعة، في باريس، مع وزراء خارجية الدول العربية المدعوّة إلى قمة "كامب دافيد"- وهي السعودية والإمارات و قطر والكويت والبحرين وعُمان- لبحث ما يمكن أن تسفر عنه قمة "كامب دافيد"، ولإبلاغهم عما يمكن للولايات المتحدة أن تعرضه في القمة. ولكن مسؤولين في إدارة أوباما قالوا إن مسؤولين عرب طالبوا أثناء اجتماع باريس بمعاهدة دفاعية تلتزم أميركا بموجبها بالدفاع عنهم حال تعرّضهم لهجوم خارجي. ولكن التوصّل إلى مثل تلك المعاهدة سيكون صعباً لأن المعاهدات- على غرار المعاهدة الدفاعية بين الولايات المتحدة واليابان- تتطلب مصادقة الكونغرس.
والواقع أن الرئيس أوباما، حسب مصادر في إدارته، مستعد لاقتراح "بيان رئاسي"، غير أن مثل هذا البيان لن يكون ملزماً للإدارة الأميركية مثل المعاهدة، كما إن الرؤساء المقبلين قد لا يعتبرون أنفسهم ملزمين به.
من جهة أخرى، يقول مسؤولون وخبراء أميركيون إن الدول العربية ما تزال تشعر بالغضب إزاء الملاحظات التي أدلى بها الرئيس أوباما في سياق مقابلته مع فريدمان في جريدة "نيويورك تايمز"، وجاء فيها أن على حلفاء مثل السعودية أن يشعروا بالقلق من التهديدات الداخلية: "فئات من المجتمع تشعر بالنفور، وشبان عاطلون عن العمل، وإيديولوجية مدمرة وعَدَمية، وفي حالات معينة الشعور بأنه لا توجد وسائل سياسية مشروعة للتعبير عن الاحتجاج والتذمر".
وفي لحظة كان يُفترض أن يقدّم فيها مسؤولون أميركيون تطمينات لهذه البلدان بأن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبها، فإن تعليقات الرئيس أوباما اعتُبِرت سيئة التوقيت من جانب مسؤولين الخليج، حسب ما يقول خبراء في السياسة الخارجية.
كذلك، ترغب البلدان العربية في شراء مزيد من الأسلحة من الولايات المتحدة، ولكن تعترض تلك الرغبة عقبة كبرى تتمثل في الحفاظ على تفوّق إسرائيل العسكري. وتضع الولايات المتحدة تحفظات على أنواع الأسلحة التي يمكن للشركات الأميركية أن تبيعها للدول العربية، في ما يمثل محاولة لصيانة تفوّق إسرائيل إزاء خصومها التقليديين في المنطقة.
وذلك هو السبب، مثلاً، في أن الإدارة لم تسمح لشركة "لوكهيد مارتين" ببيع مقاتلة "إف-35" التي تُعتَبَر "جوهرة" الترسانة الأميركية للمستقبل. وتملك تلك الطائرة، وهي الأغلى في العالم، قدرات "اختفاء"، وقد وافقت الإدارة على بيعها لإسرائيل.
وكان جون كيري قد أعلن في باريس، يوم الجمعة الماضي، أن الولايات المتحدة وحلفاءها العرب يقومون "ببَلوَرة سلسلة من الإلتزامات الجديدة التي ستسفر عن تفاهم أمني جديد بين أميركا ودول مجلس التعاون الخليجي، ومجموعة جديدة من المبادرات الأمنية ستتجاوز كل ما كان قائماً في الماضي".
علاوة على غياب الملك سلمان، فسيتغيب عن قمة "كامب دافيد" مسؤولون آخرون من مجلس التعاون الخليج. فيتوقع أن يتغيب رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان لأسباب صحية. كما سيتغيب السلطان قابوس بن سعيد لنفس الأسباب.
وقد امتنع سفير دولة الإمارات، يوسف العتيبة، أثناء مؤتمر شارك فيه في واشنطن يوم الخميس الماضي عن إعلان ما تريده بلاده من واشنطن قائلاً "آخر ما يمكن أن أقوله هو "هذا ما نطلبه"، فذلك لن يكون الطريقة المناسبة. الطريقة المناسبة هي أن نأتي ونتفق على تجديد المشاكل القائمة، ثم نتفق على كيفية العمل معاً لتأمين حاجاتنا".
ونقلت "نيويورك تايمز" عن خبير الشؤون الإيرانية في "معهد كارنيغي للسلام الدولي"، كريم ساجدبور"، قوله إن قرار الملك سلمان لا يعني أن السعوديين يديرون ظهورهم للولايات المتحدة، فهم لا يملكون أية خيارات أخرى. وقال إنه "أياً كان استياء السعودية، فليس لديهم خيار شراكة إستراتيجية بديلة مع موسكو أو بكين".
ولكنه أضاف: "هناك تصور تنامٍ في البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة والسعودية صديقان وليسا حليفين، في حين أن الولايات المتحدة و إيران حليفان وليسا صديقين".

