Menu

مشاهدٌ من بطولةِ المقدسيين.. دعمُ الأهالي مقاومة

20370422_719035288283115_1313730513_n

غزّة_ بوابة الهدف_ هُدى بارود

لم يكن تنظيمُ اعتصامٍ في مدينة القدس صعبًا على أهلها، الذين احترفوا مقارعة الاحتلال الصهيوني، وجنوده المُدجّجين بالأسلحة، فلا سلاحٌ في المدينة غير أجسادِهم العارية ونفسِهم الطويل، ولا مؤامراتٍ صهيونيّة تمرُّ وهم مُوحَّدون رافضون.

ومع إدراكهم يقينًا بأنّ الفلسطينيّ مُستهدفٌ من آلة البطش الصهيونية، دون الحاجة لحججٍ أو أسباب، يمضي المقدسيّون في هذه المواجهة، فلا يُخيفهم اعتقالهم المُحتّم أو إعدامهم أمام الحواجز التي يعتصمون ضدّها، وهي السياسية "الإسرائيلية" المُتّبعة بحقّ المعتصمين، وكلّ من يُقدّم لهم المساعدة، حتى لو كانت على صورة "ساندويتشات" تصلب طولهم.

بوابة الهدف اقتربت من هذا المشهد بالتحديد، لتُصوّر البطولة الحقيقية، بطولةُ المقدسيين قادةُ الاعتصامات، والمُنغّص الأقوى على مُخططات وأهداف الكيان، والشوكة العالقة العنيدة الرافضة للخضوع والركوع. فكيف يُنظّم هؤلاء الأبطال الاعتصامات بعشرات الآلاف في القدس المحتلة، وكيف يصمدون ويتصبّرون كل هذي الأيام على الحواجز "الإسرائيلية".  

المواطن المقدسي فخري أبو دياب، واحدٌ من المعتصمين الدائمين على باب الأسباط، قالَ لـ بوابة الهدف "إنّ المعتصمين بعدَ يوميْن من الاعتصام الطويل نظموا أنفسهم جيدًا، ووزّعوا الأدوار بينَ العائلات المقدسية التي تكفّلت بإعداد الطعام والشراب لهم".

"في الأيام الأولى من التظاهر بدأت العائلات المقدسية، من أكثر من منطقة، بإحضار الطعام والشراب للمعتصمين على مدار الساعة، وزاد الكثير منه، الأمر الذي جعلَنا نُقرّر أن نُرتب الأدوار بحيث يتم توزيع الطعام والشراب وتوفير الدعم اللوجستي، بصورةٍ لا ينقطعُ فيها ولا يزيدُ. وتكفّلت عوائل كل منطقة بإطعام المُحتجّين على فترات منتظمة"، قال المقدسي أبو دياب.

وتابع "من قام بتوزيع الأدوار والإشراف على تنفيذها هم المعتصمون أنفسهم. مُتسائلًا: إن لم نكُن متحدين منظمين في هذا الوقت، فمتى نكون؟".

ومن أساسيات الاحتجاج طويل المدى، هي التنظيمُ وتوفير المستلزمات اللوجستية لإطالة عمر الاعتصام، وهو ما تتطلّبه مواجهة السياسات الفاشيّة والمخططات التي تفرضها الحكومة الصهيونية في الأقصى ومحيطه.

على مدار أيامِ الاعتصام التسعة –بدأت بتاريخ 16 يوليو- لم ينقطع الطعام أو الشراب عن المعتصمين خارج أبواب المسجد الأقصى، والذي بلغ عددُهم آلافًا أمام كل بابٍ، وكانت العائلات المقدسية هي فقط من تقدم لهم وجبات من الطعام والشراب على مدار اليوم.

يبدأ الاعتصام عادة مع ساعات الفجر الأولى وحتى التاسعة صباحًا، لذا فإن عائلات منطقة سلوان -على سبيل المثال- تتكفّل بإفطار المعتصمين، ومن الساعة العاشرة صباحًا حتى الظهر تتكفل عائلات ضاحية أخرى من ضواحي القدس بغداء المعتصمين، ومن العصر حتى المغرب عائلات أخرى، وتُعاد الكَرة مرةً جديدة في اليوم التالي.

رغم حالة الفقر المُدقع التي يعيشها سكان القدس إلّا أنهم يشاركون كل ما يستطيعونه مع المعتصمين؛ فالعائلات التي تملك محلات للفاكهة توزع عليهم منها، وكذلك أصحاب المطاعم والمحال التجارية، فيما تُجهّز النساء في منازلهنّ الطعام للمعتصمين.

لم يكن تجهيز وتقديم الطعام الأمر الوحيد الذي قدّمه أهل القدس للمعتصمين، فتفريغ مساحات لترتيب سيارات المعتصمين كانَ مهمًا كذلك، لذا فإن عددًا من أصحاب معامل الحجارة القريبة من المسجد الأقصى فتحوا أبواب معاملهم لتُخبّأ فيه السيارات وتُفتح الساحة أمام المعتصمين دونَ أيّ عوائق.

كما فتح سكّان البلدة القديمة أبواب منازلهم للمعتصمين لاستخدام المرحاض والوضوء، وفقَ الصحافية سماح دويك، التي تعتصمُ بشكلٍ يومي وعلى فتراتٍ على أبواب المسجد الأقصى.

دويك قالت لـ بوابة الهدف "إنّ أي تنظيم للعمل التطوعي في خدمة المتظاهرين يمكن أن يتسبب لنا بالحبس على يد قوات الاحتلال التي لا تتورع في صناعة الحجج لاعتقال المقدسين، لذا فإن كل ما يقوم بهِ المتظاهرون هو جهدٌ شخصي لا يحكمه أحد".

وأضافت "إنّ أهل القدس يملكون خبرة كبيرة في تنظيم الاحتجاجات والاعتصام، وهذا ما ساعدهم على تنظيم أنفسهم لإطالة مدة الاحتجاج، فمن يتوفر لديه الماء والغذاء وتُفتح له أبوابُ المنازل للراحة وغيره من الاحتياجات، لن يُغادر مكان الاعتصام، وهذا بالفعل ما يحدث".

رغم حرصهم على مشاركة أبنائهم في الاحتجاج المستمر على أبواب الأقصى، إلا أن المقدسيين يفضلون أن يبقى الأطفال في مكانٍ بعيد عن المواجهة؛ في الصفوف الخلفية بحيث يكون من السهل عودتهم إلى منازلهم دونَ أذى، فلا يتصدّر الأطفال المشهد، وفقَ الصحفيّة، دويك التي اعتبرت ذلكَ جزءًا مهمًا من أساسيات الاعتصام.

في هذه المعركة التي يخوضها سكان القدس وحدهم، لن يُحققَ النصر إلّا إن استمرّوا موحدين، يخوضون صراعهم مع الاحتلال وجها لوجه، رافضين ولآخرِ نفسٍ فرضَ سياسيات "إسرائيلية"، من شأنها تحويل الأقصى لحرمٍ إبراهيميٍ جديد.