لا يوجد حتى الآن نظام مراقبة وتصنيف في العالم قادر على الإستجابة الأمنية الكاملة مائة بالمائة لاحتياجات أي طرف، ولسخافة المقادير فإن النجاعة الأمنية في أنظمة الرقابة لايمكن أن تتم بدون تعاون الضحية، المستهدف، وهذا ما يجعل اللعبة أكثر تعقيدا بكثير مما يظن أو يحلم مشغل نظام كاميرات المراقبة القابع خلف حاسوب يقوم بالفرز والتصنيف على أسس وضعت مسبقا وافترض البرنامج التكنولوجي أنها طبيعية.
وبالطبع يقع التحكم والسيطرة في قلب الهدف الذي يسعى إليه نظام الاحتلال سواء من خلال نظام البوابات العاجزة أيضا عن كشف أي شيء أو نظام الكاميرات، ويهدف إلى غرس الرقابة والاحساس بالمراقبة في وعي الناس، بهدف تشكيل وعي ردعي ذاتي يمنع شن هجمات أو يحبط النوايا ويرفع مقياس التردد والإحجام في وجه مقياس الجرأة والإقدام.
مناسبة هذه المقدمة قرار مجلس الوزراء الصهيوني (الكابينت) إستبدال أجهزة الكشف عن المعادن بكاميرات أمنية متقدمة تكنولوجيا.
وقد ألقت عديد من وسائل الإعلام الضوء على الطريقة التي سيعمل بها النظام الذي تريد دولة الإحتلال تركيبه على بوابات الأقصى خلال ستة أشهر. مع العلم أم الشرطة الصهيونية تستخدم منظومة كاميرات حاليا في القدس المحتلة ولكن تزعم هآرتس نقلا عن مصدرأمني صهيوني أن النظام الجديد أكثر تطورا بكثير كما أنه سيكلف الكثير.
ويستند نظام الكاميرات المزمع لإقامته كما كل نظام تصنيفي، قاعدة بيانات ضخمة من الصور قال الخبراء الصهاينة أنه سيتم تأمينها من الشين بيت والشرطة الصهيونية والوزارات الحكومية التي تحتوي على صور لأفراد من السكان، مما يعني في الحالة الأخيرة ولو كان الوضع طبيعيا في بلاد طبيعية انتهاكا خطيرا للحقوق المدنية وسرية البيانات المسلمة للحصول على خدمات من الجهات المختلفة. ولكن في ظل وجود قاعدة بيانات سكانية واحدة يتحكم بها الإحتلال من خلال سيطرته الكاملة على السجل السكاني في فلسطين المحتلة، فسيكون لديه بلا شك أكبر قاعدة بيانة صورية في العالم مقارنة بعدد السكان. ناهيك عن امتلاك العدو معلومات أكثر في ظل حالة بلد المليون أسير فلسطيني الذين قبعوا في سجون الاحتلال وتشكلت لهم جبال من الملفات.
وتقول التقارير حسب المصدر الأمني الصهيوني أن كل صورة في قاعدة البيانات سوف تتلقى تصنيفا لدرجة المخاطر التي يشكلها الشخص. وزعمت أن النظام قادر على مسح ملايين الوجوه في بضع ثوان.
وقالت أن النظام سيحدد هوية الشخص على ما لا يقل عن اثني عشرمن خصائص الوجه. ومن بين قدراته الأخرى، يستطيع النظام مسح المسافة بين عيون الشخص ومحيط الرأس وفحص آذان الشخص وخصائصه الأخرى للتحقق من هوية المشتبه فيهم حتى لو كانوا يغطون وجوههم.
وستكون الكاميرات التي سيتم وضعها عدة أمتار أمام نقطة تفتيش الشرطة بالقرب من الحرم تحت سيطرة الموظفين الذين يراقبون شبكة كاميرات الدوائر المغلقة في البلدة القديمة في القدس. وفي كل مرة يقوم فيها الشخص الذي تظهر صورته في قاعدة البيانات بالمرور، سيشير النظام إلى المراقبين بأن الشخص يقترب من مجمع جبل الهيكل وسوف يرسل رسالة إلى أولئك الموجودين في الموقع لإجراء بحث أو استجواب الشخص، إذا لزم الأمر .
كل هذا يبدو موضوعا تقنيا لافتا، غير أن تجربة البشر وقدرتهم الفائقة على كسر التوقعات والبرمجة المسبقة تجعل كل هذا نوع من تزجية الوثت، فرغم محاولة العدو التهويل من قدرة النظام الجديد المبني (وهو بالمناسبة لايعري الناس ووظيفته تصنيف الوجوه) إلا أن الاعلام الصهيوني وخبراء الأمن يعترفون أيضا أن هذا النظام فاشل سلفا ولن يكون قادرا سوى على فرض حالة نفسية على الجمهور بأنه مراقب، واذا كان من الممكن للنظام تحديد "المشتبه بهم" بناء على تصنيف الوجه، وهو نظام معمول به في أف بي آي الأمريكية، إلا أن قدرته على التحذير من المقاومين الجدد والمهاجمين المبادرين هي صفر. أي أن هذا النظام لو كان موجودا قبل عامين لما تمكن من تحديد مهاجم واحد وما كان ليستطيع درء هجوم واحد. والنظام معمول به تجريبا في باب المغاربة ويسمى فاراكاش وستتزود الشرطة الصهيونية به أو بمثيل له على أبواب الأقصى
نقطة أخرى تتعلق بأن تصرفات الناس وطريقة عرض أنفسهم على أجهوة الرقابة المختلفة والتحايل عليها تتراوح من التعاون المطلق، وحتى الابتسام في وجه الكاميرا، وهذا يحدث في المطارات لاقناع المراقب ببراءة العابر وعدم تعطيله، وصولا إلى التلاعب الكلي بمنطق الكاميرا وجعلها عاجزة تماما عن التقاط ما أعدت له، من تغيير ملامح الوجه، في العبوس والبشاشة وتقطيب الحاجبين وغيرها، إلى وضع شعر مستعار ونظارات، وغيرها من الأسالبي الكثيرة التي تربك النظام المعد على أساس معايير ثابتة صحيحة في العموم وتخطئ حتما في التفاصيل.
وقد قال مسؤول في الشرطة في هذا الشأن إن المشروع التجريبي في بوابة المغربي أظهر أن النظام لا يمكن أن يحذر ضباطه في جميع الحالات التي كان ينبغي أن يكون فاعلا فيها. وقال المسؤول نفسه إن النظام في الواقع يوفر للشرطة القدرة على الكشف عن الأشخاص الذين يشتبه في ارتكابهم جرائم في الماضي أو تم وضع علامة عليهم كتهديد، ولكن في الحالات التي لا يوجد فيها تاريخ لا يوفر النظام أي ملجأ، ملاذ. ويعتقد أن النظام سوف يردع أولئك الذين يعرفون بالفعل أنهم موسومون من قبل قوات الأمن، ولكن سيكون أقل فعالية مع المهاجمين الجدد والمبادرين.

